الأربعاء 18-09-2019 15:01:41 م
نافذة على الاحداث:أمية المتعلمين
بقلم/ كاتب/احمد ناصر الشريف
نشر منذ: 7 أشهر و 28 يوماً
السبت 19 يناير-كانون الثاني 2019 11:14 م

( هذا المقال كنت قد نشرته في صحيفة «الجمهورية» قبل توقفها عن الصدور بسبب الأحداث التي تعرضت لها مدينة تعز وتم نهب مطابعها من قبل القوى المتطرفة تحت عنوان: تزوير حقائق التاريخ جريمة لا تغتفر .. ولأن مضمونه يعبر عما يجري حاليا من تزييف للحقائق وتضليل الجيل الجديد فقد استحسنت اعادة نشره في هذه الزاوية لكن بعنوان آخرهو: أمية المتعلمين مستعار مما كتبه الكاتب الساخر احمد غراب في صحيفة الثورة قبل عدة سنوات .. الى المقال ):
التاريخ مرآة الشعوب وعلى أساس حقائقه تبنى الأوطان.. لكن عندما يتم تزوير حقائق التاريخ لغرض في أنفس الحكام والأنظمة فإن نتائج البناء تأتي عكسية تماماً.. ولو تأملنا في تاريخنا نحن اليمنيين قديمه وحديثه وكيف تتم كتابته بحسب أهواء الحكام وتغليب الحقد والغل ضد من نختلف معه فكراً وسياسة سنجد أن تخلفنا وعدم لحاقنا بركب التقدم والتطور الذي يشهده عالم اليوم ناتج عن مغالطة أنفسنا وتزوير الحقائق التاريخية تفادياً لعدم محاسبة الحكام والأنظمة عما صنعوه وقدموه للشعب اليمني في عهودهم حيث أن كل حاكم يأتي ويرمي بالمسؤولية على من قبله وهذا هو الفشل والعجز بعينه.. ورغم التجارب العديدة التي مررنا بها خلال أكثر من خمسة عقود مضت من عمر ثورتي: (سبتمبر وأكتوبر ) إلا أننا لم نستفد من دروسها وعبرها حيث مازلنا نسير بنفس الطريق الخطأ وبنفس النهج المرسوم ولم نمتلك الشجاعة لنصارح الشعب بالحقائق ونكون جديرين بتحمل المسؤولية.
على سبيل المثال لو عدنا قليلاً إلى الوراء وتأملنا في التاريخ اليمني خلال الفترة منذ انفصال اليمن عن الدولة العباسية على يد عبدالله بن زياد وأحصينا عدد الدول والإمارات التي حكمت اليمن في هذه الفترة الطويلة التي تزيد عن أكثر من ألف ومائة عام لوجدنا أن اليمن مرت بفترات مزدهرة وشكلت في بعضها مصدر إشعاع للآخرين.. ومن يرجع إلى بعض الكتب التي تناولت تلك الفترة أو على الأقل تعرضت لها سيذهل من المعلومات التي سيحصل عليها ولكنها مغيبة تماماً عن جيل اليمن الحالي الذي لا يعرف من التربية الوطنية التي تدرس له في المدارس والجامعات إلا أن اليمن قامت فيها ثورة يوم 26سبتمبرعام 1962م ضد حكم الأئمة الذين كانوا يحكمونها طيلة أكثر من ألف ومائة عام وعزلوها عن العالم وهي معلومة خاطئة لا تعبر عن حقيقة تاريخ اليمن وإنما جعلوا منها شماعة ليعلق عليها الحكام الذين تعاقبوا على حكم اليمن بعد قيام ثورة (سبتمبر وأكتوبر ) عجزهم وفشلهم عليها في بناء دولة مدنية حديثة تترجم أهداف الثورة التي قامت من أجل تحقيقها وخاصة الهدف الأول منها الذي يطالب بإقامة حكم جمهوري عادل وإزالة الفوارق والامتيازات بين الطبقات.. ولكن القول شيء والفعل شيء آخر.
أتيحت لي الفرصة أن أطلع على فصول من كتب : (اليمن الأرض والإنسان )..لمؤلفه القاضي عبدالله الشماحي.. و(رياح التغيير في اليمن ) للأستاذ أحمد الشامي..و(اليمن الجمهوري ) للأستاذ عبدالله البردوني و(بلوغ المرام ) للقاضي حسين بن أحمد العرشي - رحمهم الله جميعاً – و (اليمن عبر التاريخ ) للدكتور أحمد حسين شرف الدين والذي كتب مقدمته القاضي عبدالرحمن الأرياني رئيس المجلس الجمهوري الأسبق رحمه الله.. فذهلت لما أوردوه من حقائق تاريخية تتناقض تماماً مع ما يقدمونه اليوم من معلومات في المدارس للجيل الجديد هي في الحقيقة تكاد تكون مزورة ولا تمت إلى واقع اليمن الذي مرت به بصلة حيث تم تغييب الدول والإمارات التي حكمت اليمن خلال الفترة المشار إليها وتم التركيز فقط على أن من كان يحكم اليمن وان المسيطرين عليها هم الأئمة باسم الحق الإلهي بهدف إيغار الصدور وإشاعة الحقد والكراهية بين أبناء اليمن الواحد وقد انعكس هذا التوجه سلباً على الجيل الحالي الذي لا يعرف عن تاريخ بلده سوى ما يردده الإعلام الرسمي بما يتفق وخدمة مصالح الحكام.. وهذا تشويه لتاريخ اليمن خلال ألف ومائتي عام.
ما وجدته في الكتب التي اطلعت عليها أن اليمن قد حكمت من قبل عشرات الدول والإمارات منها: بنو زياد وآل الهادي والحواليون وبنو نجاح والصليحيون والأيوبيون وبنو رسول والطاهريون إلى بني زريع وآل المهدي والمماليك والعثمانيين وآل شرف الدين وآل القاسم الذين قامت عليهم ثورة 26سبتمبر..وقد ازدهرت الحياة في اليمن وبلغت أوج نضارتها عمرانا وحضارة وفنا وقوة.. وكانت في بعض الفترات مصدر إشعاع علمي وأدبي وسياسي لسائر الأقطار العربية والإسلامية.. بل ومركزاً من مراكز المعرفة والثقافة ومدارسها المشهورة في زبيد وتعز وصنعاء وذمار وصعدة وكوكبان وعدن وحضرموت (معروفة ومشهورة إلى اليوم ) وكذلك ملوكها وأئمتها وزعماؤها تملأ أخبارهم بطون الدفاتر ويكفي أن منهم الهادي والصليحي والسيدة أروى والمظفر والأشرف وشرف الدين والقاسم والمتوكل إسماعيل.. كما اشتهر من بين حكامها وملوكها وأئمتها الطغاة والعتاة والظلمة.. شأنهم شأن سائر الحكام في كل الأقطار. ونبغ في اليمن الفحول من العلماء والفلاسفة والفقهاء والشعراء والأدباء وفي مقدمتهم الهمداني ونشوان وابن هتيمل والهبل وابن حمزة وابن المرتضى وابن الوزير والمقبلي وابن الأمير والشوكاني.. ولقد قال الدكتور احمد محمود صبحي عن أحدهم ما يلي: (لست شغوفاً بمقارنة مذاهب في أزمنة متباينة لعلمي باختلاف الظروف والبيئات ولكنني دون تكلف أقول: لقد قدم يحيى بن حمزة (656 - 749هجرية) منهجا للتحليل أكثر ثراء مما قدم سقراط الذي وقفت به ظروف مجتمعه عند مجالي العرف واللغة ليس غير.. كما قدم ابن حمزة نسقا للتحليل أكثر موضوعية من أصحاب التحليل المعاصرين.. (كتاب الزيدية )ص:406. إذاً لماذا نحقر اليمن وتاريخها العلمي والأدبي ونكتبه على أهواء الحكام ليخدم توجهاتهم ويغطي على عجزهم وفشلهم؟ ولماذا القول والتركيز على أن اليمن لم تحكم طوال ألف ومائة عام الا من قبل الأئمة وأنهم سبب تخلفها وإنكار الأدوار التاريخية التي قام بها الصليحيون والرسوليون وغيرهم مع أن آثارهم مازالت شاهدة عليهم وماثلة للعيان.. ولا ندري لماذا نكذب على الأجيال ونجهلها من خلال القول إن الأئمة الذين حكموا أو عارضوا الدول الظالمة في اليمن لا نكاد نعثر على إمام واحد منهم مات على فراشه موتاً طبيعياً كما ذكر ذلك الدكتور عبدالرحمن البيضاني رحمه الله في كتابه: (الثورة اليمنية وأزمة الأمة العربية).. وهو زعم لا يصدر إلا عن عدم معرفة بتاريخ اليمن.. ولو رجع الدكتور البيضاني إلى كتاب العلامة القاضي عبدالله الشماحي رحمه الله: (اليمن الأرض والإنسان ) لوجد أن أئمة اليمن وعددهم ثلاثة وسبعون لم يمت منهم قتلاً غير ثمانية أئمة والباقون ماتوا على الفراش ولكنه الجهل بالتاريخ وربما تعمد تزويره مع أنه عمل مع الإمام أحمد حميد الدين عشر سنوات كاملة وكان من المقربين جداً لدى الإمام ومن الموثوق فيهم ولم يعمل مع الثورة والجمهورية سوى أربعة أشهر .. ومن المعلوم أن الحقائق التاريخية تبقى ثابتة ولا يستطيع أي حاكم أو نظام طمسها مهما حاول الالتفاف عليها وتجييرها لصالحه لبعض الوقت وخداع الناس وتضليلهم.. قد لا يصدق البعض أن معظم شباب الجامعات لا يعرفون من هو أول قائد لثورة 26سبتمبر بعد قيامها وأول رئيس للجمهورية.. هذا ما تم اكتشافه من خلال ذهاب أحد الصحفيين إلى الجامعة لإجراء استطلاع بمناسبة عيد الثورة فطرح عليهم سؤالاً يتعلق بأول رئيس للجمهورية في اليمن فكان ردهم: الدكتور عبدالعزيز المقالح أو الأستاذ عبدالله البردوني فاضطرت الصحيفة أن تلغي نشر نتيجة الاستطلاع تجنباً لفضيحة عدم معرفة شباب الجامعات بتاريخ بلدهم الذي لم يمض عليه سوى خمسة عقود فكيف بمعرفتهم بالتاريخ القديم؟! وإن كان اللوم لا يوجه لهم بقدر ما يوجه لمن يعد لهم مادتي التاريخ والتربية الوطنية في المنهج الدراسي بوزارة التربية والتعليم تنفيذاً للتوجيهات التي تأتي لهم من قبل الجهات الحاكمة لتجعل من هذا الجيل شبه أمي حتى لو كان حاملاً لأعلى الشهادات أو كما وصف حالتهم في صحيفة (الثورة ) الكاتب الساخر أحمد غراب بأمية المتعلمين وطالب بالقضاء عليها.

عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
توفيق الشرعبي
مابعد عملية توازن الردع الثانية
توفيق الشرعبي
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
دكتور/ عبدالعزيز  بن حبتور
متى سيعيد الأشقاء السودانيون أبناءهم أحياءً من اليمن الحر؟
دكتور/ عبدالعزيز بن حبتور
الأكثر قراءة منذ 24 ساعة
الزلزال اليماني المبين
كتب / المحرر السياسي
مقالات
كاتب صحفي/يحيى السدميكلام الليل:ضحايا الفرح
كاتب صحفي/يحيى السدمي
مشاهدة المزيد