الجمعة 23-08-2019 00:54:27 ص
بوح اليراع:الأنصار وأنسال الأنصار فاتحو الأمصار
بقلم/ عبدالسلام التويتي
نشر منذ: 6 أشهر و 29 يوماً
الثلاثاء 22 يناير-كانون الثاني 2019 08:50 م

بالرغم من كثرة القبائل العربية إبَّان البعثة المحمدية -على صاحبها أفضل الصلاة والسلام-، فقد اختصَّ الله -سبحانه وتعالى- قبيلتي الأوس والخزرج اليمنيتين بالتشريف بمهمة نُصرة نبيِّه وحبيبه محمد -صلى الله عليه وسلم- من دون سائر القبائل، وما كان الله ليختصَّهم بذلك التشريف والاصطفاء دُونًا عن سائر القبائل لولا توارثهم الفضائل وحسن الشمائل، وخلوُّهم من الرذائل، فعلى الرغم من احترابهم في جاهليتهم العام بعد العام بسبب دسائس اليهود اللئام فقد ثبت -تأريخيًّا- الكثير من مواقف الإيثار والتراحُم بين أبناء القبيلتين، ولعل أشهر تلك المواقف ما تضمنته رواية عمرو بن أسيد بن حضير عن واقعة وفاة أبيه أسيد الذي كان سيِّد قبيلة الأوس في الجاهلية أنَّهُ مات وهو مدين -لشدَّة كرمه وكثرة الإيثار على نفسه وأهله- بـ 4000دينار، فبِيعت أرضه لقضاء دينه، فلما سمع عمرو بن النعمان البياضي سيِّد الخزرج والذي كان ندًّا له في الجاهلية سارع إلى استرجاع الأرض لبنيه تُدِرَّ عليهم ما يكفيَهم من المال وتغنيهم عن مذلَّة السؤال، ولسان حاله يقول: (والله لا أترك بني أخي عالة).
وإذا كان أبناء القبلتين اليمنيتين الأصيلتين قد آووا ونصروا وآثروا وبذلوا وضحوا ابتغاء مرضاة الله وحبًّا وطاعة لرسول الله، وإذا كانوا –دومًا- هم طلائع جيوش غزوات رسول الله إعلاءً لكلمة الله –سبحانه- ونصرًا لدينه، فإن دورهم لم ينتهِ عند هذا الحدِّ، بل إن دورهم ظل بعد وفاة المصطفى ومن آتى بعده من الخُلفاء في تعاظُم دائم، فقد ظلوا يخوضون المعارك مُجرعين الخصوم أقسى الهزائم غير مُلتفتين إلى ما كان يستهوي غيرهم من الفيء والغنائم.

الفتوح وجيل الأنصار
بما أن حبيبنا محمد المبعوث رحمة للعالمين هو خاتم الأنبياء والمُرسلين، وبما أن الإسلام هو خاتمة الرسالات السماوية، فقد وجب تبليغها إلى عامَّة البشرية، وما كان لهذا النور الرسالي أن ينتشر تاركًا في البشريَّة أبلغ الأثر، لولا أنَّ صحابة رسول الله -وبخاصة منهم الأنصار- قد وهبوا أنفسهم للاضطلاع بهذه المهمة العظيمة مؤثرين حياة الدعوة إلى الله والجهاد في سبيل الله بكل ما يتطلبانه من عناء القتال والأسفار على حياة الدِّعة والاستقرار.
وإن المتتبع لحركة التأريخ في عصر الخلفاء الراشدين سيلمس البلاء الحسن للأنصار ومن لحق من اليمنيين بركب الإيمان في فتح بلاد الرافدين وبلاد ما وراء النهرين وفتح بلاد الشام وصولاً إلى تخوم الروم، وفتح وادي النيل بمصره وسودانه على السواء، وقد حملهم طول الرباط في خنادق الجهاد وفي الأربطة الدعوية على الإقامة حيثما انتهى بهم المطاف في الفتوح متكيفين مع سكان تلك الأمصار مشيعين في أوساطهم وفي واقعهم الحياتي المعيش روح المحبة والتآخي بعيدًا عن كل أساليب النهب والاستحواذ والتهميش.
ولم تنته مهمة الفتوح بانتقال أولئك الفاتحين من أنصار رسول الله إلى جوار ربهم، بل لقد اضطلع الأنسال من الأبناء والأحفاد بمهمة استكمال رسالة الفتح الإسلامي التي بدأها الأجداد تشييدًا لما ورثناه بعدهم من أمجاد.

فتوح جيل التابعين
وبعد انتهاء عصر الخلافة الراشدة باستشهاد علي بن ابي طالب -كرَّم الله وجهه- وتدشين مرحلة تكالب البيوت القرشية وتصارعها في الاستيلاء على السلطة لما تضمنه للممسك بمقاليدها من مصالح ماديَّة، انطلق أبناء وأحفاد الأنصار ومن لحق بركبهم من أبناء وأحفاد أوائل المسلمين من اليمنيين في مواصلة تحريك عجلة الفتوح بهمة عالية غير مُستكثرين ما كلفتهم من أثمانٍ غالية، لتمتد رقعة الدولة الإسلامية -بفضل تضحياتهم الجسيمة- شرقًا حتى قرعوا بأعقاب رماحهم أبواب الصين وغربًا حتى وطئوا بحوافر خيلهم -قُبَيْلَ نشوب معركة بلاط الشهداء- جنوب فرنسا.
أفلا يحقُّ لنا أن نُفاخِر بهذا الصنف من الجدود الذي قلَّ نظيره في الوجود ونباهي بهم من هلك جلُّ جدودهم متذبذبين بين فسطاطي الكفر والنفاق، ولم يرثوا عنهم غير مساوئ الأخلاق؟!
بلى وألف بلى، فمن حقنا -وقد تكالبت علينا قوى الشرِّ من فار ومنافقين كوننا أحفاد الأنصار الفاتحين والمُتشبِّثين بأوثق عُرا الدين عن يقين- أن تتفاخر قائلين:

أَشِدْ -يَا دَهْرُ- بِالدَّوْرِ البُطُوْلِي لِنَا أَحْفَادِ أَنْصَــــــارِ الرَّسُوْلِ
فَسِفْرُكَ حَافِلٌ بِفُتُوْحِنَــــا حَيْـ نَ لَمْ تَحْفَلْ بِذِكْرِ بَنِيْ سَــلُوْلِ
وَذَلِكَ سِرُّ نِقْمَتِهِمْ عَلَيْنَـــــــا بِشَكْلٍ يَزْدَرِيْهِ أُولُو العُقُــوْلِ