الخميس 17-10-2019 13:20:55 م
بوح اليراع:التفاؤل ثَمَرٌ متواصل
بقلم/ عبدالسلام التويتي
نشر منذ: 7 أشهر و 26 يوماً
الثلاثاء 19 فبراير-شباط 2019 10:05 م

التفاؤل في أبسط تعريفاته هو تأميل المرء إمكانية أو إمكانيات ما يرسمه لنفسه من آمال وطموحات تأمِيْلاً يدفعه إلى العمل بصورةٍ دؤوبةٍ وشفافةٍ في سبيل بلوغ غاياته وأهدافه آخذًا -مع ما يُداخلهُ من الشعور بالرضا والارتياح- بكلِّ ما هو مُتاح من أسباب النجاح، فإن تحقق له ما سعى إليه، حمد الله على ما أنعم الله بهِ عليه، وإن لم يتحقق أيقن -وبما يتوجَّب على المؤمن الحق من تسليمٍ مُطلق- بأنَّ الله -جلَّت قدرته- قد صرفهُ عنه لحكمة تنطوي -من حيث لا يعلم هو- على مصلحته، حامدًا الله في كلِّ الأحوال ومستحضرًا قول ذي العِزَّة الجلال: (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) البقرة من الآية رقم: (216).
أهمُّ ثِمار التفاؤل
لقد أثبتت التجارب الحياتيَّة الفرديَّة والجماعيَّة -على امتداد المسيرة التأريخيَّة للبشريَّة- أنَّ للتفاؤل ثِمَارًا طيِّبة لا يقتصر أثرها على الفرد ذاته، بل ينعكس -بإيجابيَّاته- على المُحيطين بهِ، ومن تلك الثمار ما يأتي:
1- الظفر بالشعور بالسعادة:
فمهما كان المستوى المعيشي للفرد، فإن للتفاؤل في صياغة واقعه الحياتي دورًا محوريًّا، لأنه بتفاؤله الدائم يتوقَّع أنَّ الخيرَ قادم، فتتمَلَّك نفسه السعادة الغامرة لمجرد التمتُّع بذلك التوقُّع ذي الأثر النفسي الرائع..ولأن الشعور بالسعادة كالمسك لا تلبث رائحتها العطرة أن تفوح متخللةً كل خلجات الروح، ومُبلسمةً كل ما تأتي عليه من الجروح، فإن الشعور بها عادةً ما ينتشر في نفوس المحيطين به بشكلٍ متسارع، فإذا بأجواء السعادة التي مصدرها نفس المتفائل قد عطرت محيطه مفضيةً إلى نشوء علاقات مجتمعيَّة أخويَّة وطيدة.
2- التمتُّع بمقاومة نسبية للأمراض:
فمع تسليمنا بأنَّ الأمراض العضوية ذات أثر تدميري على الأبدان، ومع تسليمنا بأن مستوى ذلك الأثر يختلف من شخص إلى آخر، إلاّ أن الشيء الأكيد أن أكثر الأشخاص مقاومةً لها والأكثر فاعليةً في تأخير ظهور آثارها، -ولو إلى حين- جُلُّهم من الأشخاص المتفائلين، لأن تفاؤلهم -بما له من أثر نفسي إيجابي على معنوياتهم- يمدُّ أعضاءهم البدنية بطاقةِ مقاومةٍ عالية من شأنها تقليل تفاقم حالاتهم المرضية أو تأخير ذلك التفاقم إلى أبعد مدة زمنية، فإذا هي -إن لم يمن الله على المريض بالشفاء- قد تسببت -إلى حد ما- بتأخير الفتك بالأعضاء والتخفيف النسبي من معاناة المرضى، وربما كانت سببًا غير مباشر في إطالة أعمارهم بمشيئة مقدر الأقدار ومكوِّر النهار على الليل ومكوِّر الليل على النهار.
3-الفوز بحسن الظن بالله:
لأن تفاؤل الشخص بالمستقبل -انطلاقًا من إيمانه بأن الأمور تدبر وفق إرادة الله عزّ وجل- يكون نابعًا من حسن ظنِّه به وتمام توكله عليه وتفويض كل أموره إليه، فإذا علم الله بصدق نيَّته منَّ عليه -سبحانه- بتبليغه ما أمَّل بلوغه من خيراته ونعمه الدنيويَّة مصداقًا لقول النبي -صلوات الله عليه وعلى آله وصحبه- في ما يرويه عن ربِّه: ««أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي فَلْيَظُنَّ بِي مَا شَاءَ» .
ومن المفيد التوكيد على أنَّ أهم بواعث إحسان الظن بالله بما يترتب عليه من تفاؤل المتفائل قوله -جلَّ من قائل- (فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ) الصافات الآية رقم: (87)، التي اعتبرها المفسرون أرجى آيةٍ في كتاب الله، وهي آيةٌ من الأهمية بمكان في توثيق عُرا الإيمان، حتى لقد حملت ابن مسعود -رضي الله عنه- على القسم قائلاً-: (قَسَمًا بالله ما ظنَّ أحَدٌ باللهِ ظَنًّا؛ إلَّا أعْطَاهُ مَا يَظُنُّ)، وكفى بذلك حَضًّا على الظن بالله الظن الحسن.
4-الفوز بأجر ومكانة المتوكلين:
فمن نافلة القول أنَّ التفاؤل من منطلق إيماني هو انعكاس حقيقي لما تحظى به ذات الله - في نفوس العباد المتفائلة من مُنْطلق التعظيم الذي يبلغ بهم أقصى درجات الخضوع والتسليم، ومتى ما بلغ المرء هذه الدرجة من العبودية الحقَّة لله اطمأنَّ غاية الاطمئنان إلى أنَّ الله كفيل بقضاء جميع حوائجه الدنيويَّة والأخرويَّة بما لا يتحمَّله من المشقَّات والأتعاب وبما لا يخطر على باله من الحيل والأسباب، فانحصر جُلُّ همِّه الدنيويِّ في ما خُلق من أجله من العبادة مؤقنًا أنَّ الله سيتكَفَّل برزقه دون نقص أو زيادة، ومصداق هذا قول خير الأنام -عليه أفضل الصلاة والسلام-: «لَوْ أَنَّكُمْ تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ، تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوْحُ بِطَاناً» متفقٌ عليه. فضلاً عن أنَّ المتفائل -بغدوه في عداد المتوكلين على الله- قد فاز بمحبته -جلَّ في عُلاه- القائل: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ)، بكل ما يترتب على تلك المحبة من التوفيق إلى صلاح الأعمال ونيل الآمال ونقاء السرائر ونور البصائر، وذلك أقصى ما يتمنى بلوغه عباد الله المُخْلَصُوْن، و(لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ) الصافات الآية رقم: (61).