الخميس 17-10-2019 13:21:49 م
بوح اليراع:في وداعِ دولة الرئيس عبداللطيف ضيف الله الدُّبَيْس
بقلم/ عبدالسلام التويتي
نشر منذ: 6 أشهر و 17 يوماً
الأحد 31 مارس - آذار 2019 12:03 ص

بالرغم من أنَّ كافة ثوار سبتمبر الأغر –بالنَظَرِ إلى تجشُّمهم العناء واقتحامهم الخطر- صنفٌ راقٍ من البشر لا يُقارن بمن تلاه من رعيل آخر، إلاَّ أنَّ المُناضل الراحل اللواء عبداللطيف محمد ضيف الله الدُّبَيْس الذي غادر دنيانا قُبَيْلَ أيام معدودات يُعَدُّ -بحقٍّ- واحدًا من السبتمبريين القلائل الذين خاضوا الوغى (والرماح كأنها أشطان بئرٍ في لَبَانِ الأدهمِ) وعفُّوا في زمن السِّلمِ (عمَّا استمات في سبيله سواهم من المغنمِ).
فبالنظر إلى التأريخ النضالي المجيد للفقيد كان جديرًا به الاستمرار في تبوئ المناصب الرفيعة وأن يظل دائم التأثير في صناعة الواقع السياسي مثلما كان في ملاحم تقرير المصير في الطليعة، فالراحل -يرحمه الله- مؤسس ورئيس تنظيم الضباط الأحرار بكل ما مرَّ بهِ من أطوار: ابتداءً بطور التجمُّع والتنسيق الأولي بهدف التفكير في صُنع حدثٍ ثوري وقد استغرق هذا الطور الهام 3أعوام بالتمام (1956 - 1959)، مرورًا بالطور الثاني والذي تمثل في تشكيل نواة حقيقية للتنظيم السري للضباط الأحرار بملامحٍ وأهدافٍ محددة وواضحة، ولكن غير مزمنة أو غير محددة الأجل، وبحيِّز زمني امتدَّ لـ4 أعوام (1957- 1961)، وصولاً إلى الطور الثالث والأخير المتمثل باستكمال هيكلية التنظيم في غضون عامين (1961- 1962)، انتهت بالإلمام التام بما أسند لكل خلية من خلايا التنظيم من واجبات ومهام ومن ثَمَّ الانطلاق لتنفيذها بكل شجاعةٍ وإقدام.
وإذا كان عطاؤه الثوري السخي قد اقتضى سرعة تعيينه عضوًا في قيادة مجلس الثورة يوم 27 سبتمبر من العام 1962، فإن خطورة المرحلة –بما كانت تتطلبه من إسناد مهمة أمن البلاد إلى شخصية عند مستوى الثقة الكفاءة والأمانة- قد اقتضت -أيضًا- تعيينه وزيرًا للداخلية ورئيسًا لمكتب العمليات في 7-10 -1962، ثم وزيرًا للداخلية فقط 31-10-1962، حتى يُمنَح الوقت الكافي لمواجهة ما يُلقى على كواهِل مسؤولي الداخلية –خصوصًا في تلك الأعوام- من مهام جسام.
وعند ما اطمأن مجلس قيادة الثورة إلى ما قام به الرَّجُل من تثبيت ركائز الأمن، وبدأ التحول في قيادة البلاد من مجلس قيادة الثورة إلى مجلس الرئاسة مطلع العام 1963، عُيِّنَ المناضل الراحل عضوًا في مجلس الرئاسة، ثم عُيِّنَ أواخر شهر إبريل من العام 1963 رئيسًا للمجلس التنفيذي أي رئيسًا لثاني حكومة بل أول حكومة فعليَّة في تأريخ الجمهورية العربية اليمنية، إذِ اكتسبت أهميتها الاستثنائيَّة من تبنِّيْها رؤيةَ وبرنامجَ عمل ارتكزا على ضرورة إحداث ما تتطلبه –في العادة- الأحداث الثوريَّة من تغييرات جذريَّة.
ولأنه كان يرى المسؤولية تكليفًا وليست تشريفًا، فقد ظل رهن إشارة الوطن لشغل أيِّ منصبٍ سياسي يُسند إليه دون الالتفات إلى حجم المنصب وما يترتب عليه لشاغله من نفوذٍ شخصي، وعند ما أحدق الخطر بالجمهورية الوليدة وأطبقت حولها قبضة الحصار الشديدة هَجَرَ أروقة ومكاتب وكراسي العمل السياسي التي تُحتِّم على أصحابها القليل من الحركة والكثير من القعود، وانبرى ليضطلع بدوره العسكري المشهود متوليًا -في اللحظات الحرجة- قيادة حملة فك الحصار عن العاصمة صنعاء التي أبلى فيها بلاءً حسنا ومسطرًا ملحمةً بطوليَّةً بكل ما تحملهُ الكلمةُ من معنى.
وبعد أن تحطُّم طوق الحصار عن صنعاء العِزَّة والفخار الذي كان له دور محوري في تحطيمه، واضطرار الطرف الجمهوري إلى القبول بالمصالحة التي نتج عنها عودة التيار المدعوم من السعودية شريكًا مؤثرًا في إدارة العملية السياسية استغلت السعودية نفوذها المؤثر لاستبعاد أهم رموز ثورة 26سبتمبر لا سيما الأكثر ثباتًا وإصرارًا على تحقيق الأهداف السبتمبرية وبالذات هدف بناء جيش وطني قوي يبلغ بالبلاد ما تنشده من استقلالية في القرارات السيادية، وكان في طليعة المُستبعَدين -على الأقل من المواقع السياسية المؤثرة- فقيدنا البطل الذي ظلَّ ثابتًا على مبادئه ومواقفه كأنه جبل، فلم يحمله ما اسْتُقْصِدَ به إقصاء على الانطواء على الذات بعيدًا عمَّا يتوالى على البلد من نكبات بقدر ما ظلَّ المستشار المؤتمن الحريص على أمن واستقلال واستقرار ونمو وازدهار اليمن.
وها هو الفارس السبتمبري الكبير يترجَّل عن فرسه منتقلاً إلى جوار ربه منحازًا إلى الوطن معتبرًا اليمن –من شمالهِ إلى جنوبه ومن شرقهِ إلى غربه- قبيلته ومذهبه وحزبه.
فليبقَ فقيد الوطن الغيور والمناضل السبتمبري الجسور اللواء عبداللطيف محمد ضيف الله الدُّبَيْس وأمثاله من صناديد الرجال الذين لم يجد المال السلولي المُدنس إلى النيل من ضمائرهم أيَّ مجال شخصية نضالية يقترن ذكرها بكل معاني الثناء والشكر والعرفانِ، وليُحفَظْ سيرة نِضالية عطرة تتذكرها الأجيال بكل فخرٍ واعتزازٍ إلى آخر الأزمانِ، (فَالذِّكْرُ لِلإِنْسَانِ عُمْرٌ ثَانِي).