الخميس 17-10-2019 14:08:48 م
بوح اليراع: موت الضمير وتجارة الغش والتزوير
بقلم/ عبدالسلام التويتي
نشر منذ: 5 أشهر و 17 يوماً
الثلاثاء 30 إبريل-نيسان 2019 09:05 م

على الرغم من إجماع أبناء الإسلام بشكلٍ عام على صحَّة حديث خير الأنام -عليه أفضل الصلاة والسلام- القائل: «مَنْ غشَّنا فليس منَّا» أو «مَنْ غشَّ فليس منِّي»، وبالرغم من كثرة ما يلجأ المرء منَّا إليه لتجريم من يشتبه أنَّه قد مارس عملية غشٍّ عليه، فما أكثر تنكُّرنا لمضمونه في سبيل تحقيق مكاسب مضمونة بصورة تعكس ما نُعانيه من انفصام شخصية واختلالات سلوكية.
ولعل إخواننا التُّجار هم أكثرنا وقوعًا في هذا الشَّرَك وأشدُّ انزلاقًا في هذا المسلك المفضي بسالكه إلى أسوأ مهلك، لأنَّ طبيعة عملهم تضعهم -دائمًا- على المحك، إذْ غالبًا من تتنازع التاجر منهم قوتان: قوَّة يقظة أو تأنيب الضمير التي تذكِّره دائمًا بأهمية التزام الصدق والأمانة اللذين يتطلبان التحلي بقدرٍ من المثالية، وقوَّة الجشع واشتهاء تحقيق أكبر قدرٍ من المكاسب المادية الخيالية التي لا يُمكن الظَفَر بها إلاَّ باللجوء إلى ممارسة الأساليب الاحتيالية.
وإذا كانت القلَّة القليلة من تُجَّارنا المُتسمة بالاستقامة مُنْحازةً -دومًا- إلى نداءات ضمائرها الحيَّة التي تجعلها تعيش عيشةً سويَّة جاعلةً من الأمانة في التعامُل دستور حياة ومُتَّخِذَةً منها سفينة نجاة، فلا تتعامل مع المستهلك -أيًّا كان مستواه- إلاَّ بما يُرضي الله مقتنعةً -دومًا وفي كلِّ الظروف والأحوال- بالقليل من الكسب الحلال بكل ما يترتب عليه من حلول البركة في الأموال، فتحلّ البركة في أرزاقها وتغزو قلوب أبناء مجتمعها بروعة تعاملها وحسن أخلاقها، ففي مقابل ذلك فإن الأغلبية الساحقة من المشتغلين بمهنة التجارة في بلادنا لا يتورعون -تحت ذريعة زيادة أعباء الحياة- عن الانحياز -بدون أناة- إلى قوَّة الاشتهاء الفظيع التي تظل تُغري صاحبها -محملة إياه ما لا يستطيع- بالعمل على تحقيق المكسب السريع غير مُكترثٍ بما يُلحقهُ بضُعفاء وفقراء وجوعى المُستهلكين من صنوف الإفقار والتجويع، فإذا هو لنفسه الأمَّارة -بسبب انزلاقه إلى مستنقع الجشع الأفظع- خادمٌ مُطيع، فنراه لا يتردد عن ممارسة ما أمكنه من صنوف الغشِّ والتزوير دون رادعٍ من دينٍ أو وازعٍ من ضمير.
الشهير من أصناف الغشِّ والتزوير
الغشُّ والتزوير في الأعمال التجارية مستوياتٌ متفاوتة وأصنافٌ متعددة، ولكل مستوى كما لكل صنف قدرٌ من الضرر يختلف من مستوى أو من صنف إلى آخر، من أهم تلك الأصناف أو المستويات ما هو آت:
1- المغالاة في الأسعار: وهذا الصنف هو أقلُّها ضررًا وأدناها خطراً لا سيما إذا مُورس في ظلِّ توافر السلعة في الأسواق بما يُمكِّن المستهلك -في حالة اكتشافه مُغالاة التاجر- من العدول عن التعامُل معه إلى التعامُل مع تاجر آخر، وهذا الصنف المُعاملاتي يُمارس عادةً من قِبَل صغار التجار، وبقدر ما يضرون بالمستهلك الساذج حتى يهتدي كغيره إلى مخارج يضرون بأنفسهم، إذ يصبح التاجر منهم - على المدى القريب- معزولاً وشبه غريب.
2- الاحتكار: وهذا الجُرم المُعاملاتي اللا إنساني يُمارس -في العادة- على مستوى تُجَّار الجُملة والوكلاء الحصريين لبعض السلع الاستهلاكية الأساسيَّة الذين يفتعلون الأزمات في كثيرٍ من الأوقات ويُخفون تلك السلع الضرورية حتى تشتدَّ حاجة المستهلكين إليها، فيُخرجونها بكميات قليلة مُحاطةً بجوٍّ من السريَّة وبأضعاف أسعارها الحقيقة، فلا يصِل إليها إلاَّ المُوسر ويتعثر دون بلوغها المُعسر، فيُوشك أن ينطبق على هؤلاء المحتكرين قول سيِّد المرسلين -صلى الله عليه وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين-: «مَنِ احْتَكَرَ طَعَامًا أَرْبَعِيْنَ لَيْلَةً فَقَدْ بَرِئَ مِنَ اللَّهِ وَبَرِئَ مِنْهُ» أخرجه أحمد في مُسنده والحاكم في مُستدركه.
3- تزوير الماركات: ولا يرقى إلى مستوى ذلك التزوير الخطير إلاَّ أرباب شركات الاستيراد والتصدير الذين يتعاملون مع المصانع في بلد المنشأ بصورة مُباشرة، فيتفقون مع المصانع المنتجة -وبصورة فجَّة- على تقليد منتجاتهم القليلة بل الرديئة الجودة بأجود إنتاج الماركات العالمية غير تاركة أدنى دليل على تورطها في الزَّيغ عن سواء السبيل، فيُقدِّم التاجر بضاعته المستوردة على أنها بضاعة ذات جودة، فتُباع لجمهور المستهلكين بأضعاف ما تستحق من القيمة في ترجمة حيَّة لموت ضمائر التُّجَّار من ذوي النفوس اللئيمة.
4- تمديد أو إخفاء تأريخ الصلاحيَّة: وهذه الرذيلة المُعاملاتية هي -في الأغلب- حكرٌ على المُولات»السوبر ماركات» والمراكز التجارية التي غالبًا ما تتكدَّس بعض السلع الاستهلاكية في مخازنهم التجارية -بسبب أسعارهم السياحية- لمواسم سنوية متتالية، فيعمدون -لكي يستمرون في بيعها غشًّا للمستهلك بأسعارٍ مُرتفعة- إلى ختمها بأختامٍ خُصِّصَتْ لتزوير تأريخ الصُّنع وتأريخ انتهاء الصلاحية، فإذا لم يتسنَ لهم ذلك عمدوا -قبيل أيام من انتهاء الصلاحية- إلى وسيلة احتيالية تتمثل في جمع أكثر من صنف أو أكثر من عبُوَّة ولفِّها بلواصق عديمة الشفافية وذات ألوان زاهية يخفون تحتَها تارِيْخَيْ الإنتاج وانتهاء الصلاحية، ثم تُعرَضُ للمستهلك الذي طحنته الفاقة والسبع الشداد بسعرٍ أقلّ نسبيًّا عن السعر المعتاد، ولأن حظَّهُ من العيش الشظف يتلقَّفُها بقدرٍ كبيرٍ من الشغف، وهو لا يعلم أنه -بالإضافة إلى ما هو عليه من سوء الحال- يشتري لنفسه ولأسرته الموت أو الداء العِضال الذي يستنزف حياته أو يُثقيل كاهله باقتراض ما لا يطيقه من الأموال.