الجمعة 23-08-2019 12:56:30 م
بوح اليراع: دور خليجي تخريبي مُرتقب في السودان
بقلم/ عبدالسلام التويتي
نشر منذ: 3 أشهر و 9 أيام
الأربعاء 15 مايو 2019 12:44 ص

لعل أبناء الأمَّة العربية عامَّة باتوا على قناعة تامَّة بأن نظامي السعودية والإمارات يضطلعان -في أوساط المجتمع العربي- بأسوأ وأقذر دورٍ تخريبي كان وما يزال هو السبب الفعَّال في إبقائها رهن الصراعات البَينيَّة مُتخلفين عن النهوض بأيِّ دور يذكر في تشييد الصرح الحضاري الإنساني المعاصر، وقد كان هذا الدور التخريبي القذِر أكثر تجليًّا في تبنِّي ذينك النظامين العميلين وتمويل الثورات المضادة التي مثلت معول هدم لإفشال ما سُمِيَ بـ (ثورات الربيع العربي)، إذ لم يعُد يخفى على أحد ما لعبه المال السعودي والإماراتي من دور قذِر في كسر إرادة الشعبين العربيين الشقيقين المصري والليبي.
ولأن هذين النظامين العقيمين قد جُبلا -بفعل ابتلاء متنفذيهما بفساد الضمائر وموت القلوب- على التلذُّذ بكسر إرادات الشعوب، فقد سارعا منذ الأيام الأولى لاندحار الرئيس السوداني عمر حسن البشير وكثير من أركان نظامه -بفعل ثورة شعبية عارمة- إلى الاعتراف بالمجلس العسكري السوداني، ثمَّ المبادرة إلى إرسال وفديهما في ظرف يوم وبعض يوم إلى الخرطوم مُبديين استعداد بلديهما التام لتقديم كافة أوجه الدعم لذلك المجلس الذي يبدو -من خلال تهافت شخص رئيسه وأعضائه على التعاطي مع هذين النظامين- أنه عديم الاستعصاء على الاحتواء، إن لم يكن قد بات قيد الاحتواء -بطريقة أو بأخرى- من قبل أن يعلن تشكُّله على الملأ.
ولأن نظام السيسي كان -وبما لا يتطلَّب للتحقق منه بذل أدنى مجهود- نتاج التدخل والتآمر السعودي الإماراتي المقصود وضخِّهما المالي غير المحدود، فإنهما يعوِّلان عليه في الاضطلاع بمهمة إقناع رئيس وأعضاء المجلس العسكري السودانيين بأن مصالحهم الآنية والمستقبلية تتوقف على مدى إتقان الدوران في فلك ذينك البلدين، فقد عُزز الوفدين الخليجيين -وفي غضون يوم أو يومين- بوفد مصري رفيع بقادة رئيس جهاز المخابرات العامة اللواء عباس كامل الذي قالت بعض المواقع الإخبارية أنه عقد مع رئيس المجلس العسكري في السودان الفريق الركن عبدالفتاح برهان جلسة تباحثيَّة سريَّة، ومن المُرجح أن هذه الزيارة -بالنظر إلى إسناد رئاستها إلى رأس جهاز الاستخبارات بالإضافة إلى سريَّة بعض ما تخللها من محادثات- تهدف إلى نقل التجربة الانقلابيَّة السيسيَّة وكيفية مصادرة السيسي للإرادة الشعبية المصرية، وربما خُصص جانب منها للتباحث حول الاتفاق على آليات نقل وتوزيع الأموال السعودية والإماراتية وبما يمكِّن من شراء ولاءات نُخب سياسية ومجتمعية ذات مقدرة عالية على حرف البوصلة للقوى المُنضويَة في تنظيماتها وأحزابها لا سيما تلك الشديدة الثقة بها باتجاه تنفيذ أجندة الجهة الممولة التي لا تحسب أدنى حساب لإدارة الأغلبية الجماهيرية الطامحة إلى إحداث تغيير ثوري جذري ينتقل بها من تحت وطأة الحكم العسكري الفردي القمعي إلى رحاب حكم مدني ذي شعور جماهيري جمعي تتحقق في ظله المواطنة المتساوية والفرص المتكافئة.
وإذا كانت الجماهير السودانية التي لم تُبارح ساحات الاعتصام إلى هذه الأيام تُبدي مخاوف شديدة مما تعتبره مساعيَ خليجية حثيثة لوأد ثورتها الشعبية الوليدة، فإن مخاوفها المشوْبة بقدر كبير من الانفزاع لم تأتِ من فراغ، بقدر ما تستند إلى أسباب موضوعية مقنعة، منها على سبيل المثال:
1- تعاظُم النفوذ الخليجي في المجلس العسكري: إذ لم يعد سرًّا تمكُّن أبو ظبي والرياض من استمالة رئيس المجلس عبدالفتاح برهان الذي ثبت بالأدلة أنه كان قد ارتبط بدولة الإمارات - قبل البشير- بأقوى صلة، وليس بمُستبعد أنه يُحَضَّر من قبل أبوظبي والرياض للقيام بدور (حفتر آخر)، وستُحشد له الإمكانات إلى مستوى قياسي، ثمَّ يُدفع بهِ للتصادُم مع تيار الإسلام السياسي بأسلوب يفضي بالبلد إلى حالة من التشظي.
2- ظهور المَسْتُوْر من جذور الجاسوسية: فقد أدركت الجماهير السودانية لعب النظامين الخليجيين على هذه الورقة منذ وقت مبكر، فقد اعتمدت -في كسب ولاء بعض القوى- على أشخاص يتمتعون بعلاقات واسعة مثل الفريق طه عثمان الحسين رئيس مكتب البشير سابقًا الذي بات بعد نجاحه في ما أسند إليه من مهمة عمالية مستشارًا في الديوان الأميري السعودي وهو مقرَّب جدًّا من وليي عهدي البلدين، ولا غرابة أن تتهمه الجماهير بالجاسوسية ضدَّ بلده طيلة فترة عمله.
3- الصمت الأمريكي عن الشأن السوداني: فبالرغم من أن السودان ظل -على مدى ربع قرن من الزمان- هاجس الأمريكان، فإن البيت الأبيض لم يعِر ما يدور الآن في السودان كثير اهتمام، وكأنه قد ترك تحديد مصير هذا البلد ذي الأهمية الاستراتيجية للإمارات والسعودية مُوعزًا لهما باستغلال وضعه الاقتصادي المتردِّي -بالإضافة إلى ما تتسم به بعض قياداته العسكرية العميلة من نهمٍ مادي- وسيلة لإشعال فتيل الاقتتال الأهلي الذي سيفضي -بدوره- إلى تمزُّق النسيج الاجتماعي بشكلٍ غير واعي وصولاً إلى تبديد ما كان يُساور الكيان الصهيوني من مخاوف من جانب السودان الشقيق بسبب موقعه الاستراتيجي وثقله السكاني.
وأيًّا كانت الأهداف الثانوية لآل سعود وآل نهيان من لعب هذا الدور التخريبي القذر في السودان، فإن الدور الأساسي يندرج ضمن ما يسعون إليه من إدخال الشعوب العربية في دوامة الاقتتال الداخلي باختيارها أو رغمًا عنها، لما من شأنه التمكُّن من تمرير صفقة القرن في غفلة منها.

عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
توفيق الشرعبي
إلى هنا وكفى!!
توفيق الشرعبي
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
المحرر السياسي
هل تُسقِط تعز رهان العدوان وتنتصر للمشروع الوطني؟
المحرر السياسي
مقالات
خبير عسكري واستراتيجي/عميد ركن / عابد محمد الثورماذا بعد الفجيرة
خبير عسكري واستراتيجي/عميد ركن / عابد محمد الثور
خبير عسكري واستراتيجي/عميد ركن / عابد محمد الثورإعادة الانتشار .. والأمم المتحدة
خبير عسكري واستراتيجي/عميد ركن / عابد محمد الثور
توفيق الشرعبيالوحدة حصننا المنيع
توفيق الشرعبي
مشاهدة المزيد