الأربعاء 13-11-2019 07:00:24 ص
عرب الالفية الثالثة:مسؤولية الثقافة في مصير القدس ( 2 -2)
بقلم/ كاتب/فيصل جلول
نشر منذ: 11 سنة و 10 أشهر و 23 يوماً
الأربعاء 19 ديسمبر-كانون الأول 2007 08:35 ص
في هذه الحلقة الثانية والأخيرة استكمالاً لاجزاء من ورقة تقدم بها الكاتب إلى ملتقى القدس الدولي الذي التأم اواسط شهر نوفمبر تشرين الثاني الماضي في اسطنبول. يعبر جيل مظفر النواب عن أجواء الغضب التي رافقت انطلاقة الثورة الفلسطينية وعن وجوب توجيه هذا الغضب نحو الدول العربية المهزومة لكن هذا الجيل سيصاب بدوره بصدمة احتلال بيروت 1982 وقبلها بالحرب الأهلية في الاردن 1970
ولبنان 1975 وزيارة الرئيس الراحل انور السادات الى القدس المحتلة واتفاقات كامب ديفيد المصرية - الاسرائيلية.في حين لم يترك قادة حرب أكتوبر الفرصة لاحد كي يحتفل بالنصر ويمجده بعد ان وظف المنتصرون انتصارهم الجزئي في خدمة استراتيجية خروج من الصراع العربي - الاسرائيلي قبلت بها تل أبيب جزئياً في مصر وحجمتها إلى الحد الأدنى في سوريا.
بيد أن ذلك كله لم يحمل المثقفين العرب على اليأس و ظلت المقاومة مستمرة وظل الرهان عليها درباً لا يعتريه شك في عودة القدس حرة وهذا ما يعكسه شعر الجيل الجديد من الشعراء العرب ومنهم الشاعر الشاب تميم البرغوتي:
لا تبك عينك أيها المنسيّ من متن الكتاب.
لا تبك عينك أيها العربي واعلم انه.
في القدس من في القدس لكن.
لا أرى في القدس إلا أنت.
ما ورد ذكره حول مسؤولية الشعراء عن القدس له سيرة مشابهة في المسرح والرواية والفنون التشكيلية والغناء والموسيقى والسينما..الخ. سيرة تتوزع بين الغضب من الهزيمة وعلى الهزيمة والمهزومين من العرب.وإن كانت السير الثقافية المتعلقة بالقدس على وجه الخصوص وبفلسطين عامة تتشابه إلى هذا الحد أو ذاك فان طغيان التعبير الشعري عن القدس كان الأبرز والأكثر حضوراً وتأثيراً وهذا يعود بداهة لكون الشعر ديوان العرب ووسيلة القول الثقافي الأكثر توارثاً وانتشارا بينهم.
سوى أن التعبير الثقافي عن القدس بوجهيه المفجوع والواثق لم يبلغ حجم ومقدارجذورها الضاربة في عمق اللاوعي العربي والاسلامي. فهي مقدسة مرتين في ثقافة العرب المسلمين الدينية والعرب المسيحيين الذين يخوضون معركة استرجاع القدس مع المسلمين تحت راية الثقافة الاسلامية الرحبة التي حسمت التناقض (المسيحي - المسلم) حول هذه المدينة الرمزية منذ انهيار الحروب الصليبية وعهدة صلاح الدين الأيوبي المستمدة من روح العهدة العمرية.
 الثابت أن موقع القدس في التعبيرالشعبي العربي والمسلم يعكس ارتباطها الوجودي بمصير العرب والمسلمين. هذا الموقع الحاسم , القاطع, المصيري , شكل صدمة للباحث الفرنسي اليهودي الأصل (غي سورمان) في كتابه الشهير" ابناء رفاعة الطهطاوي" فقد توصل خلال جولاته في بلاد المسلمين وعلى مهاجريهم في الشرق والغرب إلى استنتاج يقول حرفيا:" ان المسلمين يختلفون على كل شيء تقريباً ولكنهم يتفقون بقوة على أمرين: " القرآن والقدس " وهو يرى أن أمة يصل تعداد افرادها الى أكثر من مليار نسمة و تحمل مثل هذا الاعتقاد لايمكن لاسرائيل أن تصمد بوجهها طويلاً وبالتالي لايمكن للقدس ان تبقى طويلاً تحت الاحتلال الصهيوني. ولعل (سورمان) وغيره من الباحثين الغربيين ينسى ذكر القدس في القرآن في العديد من الآيات وينسى  أن اجماع العرب و المسلمين عليها هوجزء لا يتجزأ من إجماعهم البديهي على القرآن.
 واسمحوا لي في هذا الصدد أن انقل لكم شهادة عفوية تنطوي على فعل ايمان مطلق بالقدس كما ورد ذكره للتو وقد سمعتها من مهاجر عربي شاب في أوروبا جمعتني صدفة به غداة توقيع اتفاق أوسلو في العام 1993. كان هذا الشاب موظفاً عند رب عمل يهودي متسامح وكان رب العمل هذا مسروراً بتوقيع اتفاق أوسلو فقال لموظفه العربي المتحفظ على الاتفاق: ما بالك. لقد انتهى الصراع بين اليهود والعرب فلماذا لا تعبرعن رضاك. لقد صرنا إخوة من جديد.فصاح الموظف قائلا: اسمع يا سيدي. يمكن أن تاخذوا الجزائر والمغرب والعراق ومصر وكل الدنيا أما القدس فهذه لنا و لن تأخذوها.
في حججهم التبريرية لاحتلال القدس وفي وسائلهم الدعائية المعروفة يسعى الصهاينة لمقابلة الإجماع العربي الاسلامي الثابت على القدس باجماع يهودي مماثل إذ يرددون: كان اليهود خلال الفي عام يصافحون بعضهم البعض قائلين: العام المقبل نلتقي في القدس. لقد تم هذا اللقاء بعد الفي عام مع تأسيس دولة إسرائيل ما يشكل حجة دامغة على شرعية هذه الدولة اليهودية. ولعلهم بهذا الادعاء سقطوا في فخ نصبوه لأنفسهم عن سابق تصور وتصميم فبادلوا الانفتاح والاندماج والتسامح الذي يكمن في ثقافة المسلمين تجاه أصحاب الكتب السماوية بالصراع الوجودي حول القدس إلى حد أنهم تخيلوا ظفراً في مفاوضات «كامب دايفيد» بين ايهود بارك وابو عمار وان الضغوط على الزعيم الفلسطيني قد تفضي الى مقايضة القدس بدولة فلسطينية تافهة فكان أن خذلهم "الختيار" برفض الاتفاق ورفض الضغوط وينسب إليه قول شهير: "لا يجرؤ مسلم على التخلي القدس لانه يدرك أن اللعنة ستحل عليه وعلى ذريته إلى أبد الأبدين».
 يسهم ما سبق في الاقتراب من اعماق مسألة القدس في اللاوعي العربي والمسلم وفي الوقوف على محدودية التعبير الثقافي عن هذه المسألة قياسا بحجمها وعمقها وموقعها الحاسم في وجداننا فهل من رؤية افتراضية لما يجب ان تكون عليه "مسؤولية الثقافة عن القدس " اذا ما أردنا التمسك حرفيا بعنوان هذه المحاضرة ؟
 لا جدال في أن الابداع الثقافي لا يتم بقرار أو بتوصية تصدرعن مؤتمر مهما علا كعبه. فالشاعر لاينظم قصيدة بأمر حزبي أو بقرار سياسي.والرسام لا يرسم لوحة معبرة عبر الطلب. والكاتب المسرحي لا يكتب نصاً مبدعاً بقانون رسمي.ذلك أن الأصل في الابداع هو الإرادة الحرة والاختيار الشخصي والخيال المتخفف من كل قيد.بالمقابل اعتقد انه لا يوجد شعر للشعر فقط ولا سينما للسينما ولا فن تشكيلي للفن التشكيلي... إلخ ولا اجازف إن قلت إن المدافعين عن نظرية الفن للفن والأدب للأدب والثقافة للثقافة هؤلاء قد لانجد أثراً يذكر لهم في العديد من بلدان العالم وإن كان صوتهم في عالمنا العربي مازال مرفوعا أكثر منه في كل مكان آخر.
وإذا كان صحيحاً أن الابداع الثقافي حول القدس لا يتم بقرار رسمي أو بتوصية من مؤتمر فالصحيح ايضا أن مسؤولية المثقف عن هذا الموضوع تتعلق أيضا بالمجال السياسي أي بالعالم المحيط بالمثقف أي بمجاله وبالتالي من الصعب أن يجترح المثقف معجزات كثيرة في مجال سياسي يفتقر هو نفسه إلى الابداع.
 من هذا الباب ادخل إلى اقتراح عدد من الافكار التي أرى فائدة في نقاشها من أجل توفير الشروط الملائمة لمشاركة ثقافية أوسع في التعبير عن القدس.
أولا: رسم جائزة سنوية معنوية ومادية تسمى "جائزة الابداع الثقافي العربي والمسلم حول القدس" تمنح للمبدعين الراغبين في الحصول على هذه الجائزة وليس للمداحين والمجاملين والشعاراتيين.
ثانيا:تأسيس شركة انتاج فني عصرية تنتج وتسوق اشرطة ابداعية حقيقية حول القدس.
ثالثا: تشكيل لجنة من المؤرخين تتولى صياغة تصور حول كيفية تبسيط وتقديم نصوص للعامة حول مواضيع متصلة بالقدس شأن العهدة العمرية وعهدة صلاح الدين و انهيار وتأسيس اسرائيل... الخ.علماً ان جهود الانتاج التبسيطي للمحطات الفاصلة والشخصيات المهمة في تاريخنا مازالت قاصرة على أعمال جرجي زيدان.
رابعاً: تأسيس صالة معارض للفنون التشكيلية المختلفة تتيح استقبال معرض عن القدس في سياق معارض أخرى والعمل على تسويق اللوحات المقدسية المبدعة وعرضها في منازل شخصيات سياسية مهمة.
خامساً: تنظيم ندوة حول شروط انتاج اعمال في المجال السمعي البصري حول القدس خصوصا أن مثل هذه الاعمال إذا ما احسن انتاجها يمكن ان تحظى باقبال واسع وبالتالي تجذب الجمهور العريض بما يتلاءم مع مصالح المؤسسات المعنية في المجال السمعي البصري.
سادساً: تخصيص مساحة مفضلة في معارض الكتب العربية السنوية للمؤلفات التي تعالج موضوع القدس.
اخواتي واخوتي الاعزاء
أن أكثر من مليار عربي ومسلم في العالم يتطلعون الى القدس بوصفها قضية مصيرية ووجودية الا تستحق كل هذه الملايين ان تشاهدا عملا سينمائيا مبدعاً يعبر الحدود والقارات؟ اليست كل هذه الملايين جديرة بقراءة قصيدة شعرية عابرة للقارات والدول؟ أوليست جديرة بأن تتداول بوستراً واحداً يعبر البحار والمحيطات...الاجابة عن هذا السؤال لايمكن الا ان تكون مشتركة بين السياسي والمثقف.. شكرا لحسن اصغائكم.
عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
كاتب/ ناصر الخذري
اتفاق الرياض .. وساطة أم حصان طروادة
كاتب/ ناصر الخذري
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
عبدالسلام التويتي
بوح اليراع: نظام الإمارات شَغُوْفٌ بالاغتيالات
عبدالسلام التويتي
الأكثر قراءة منذ 24 ساعة
كاتب/ احمد ناصر الشريف
نافذة على الاحداث:النظام السعودي أين موقعه في هذا العالم؟!
كاتب/ احمد ناصر الشريف
مقالات
جلسة قات مع فخامة الرئيس!
محمد زين
استاذ/عبد الجبار  سعدرموز الفتنة..وتلفيقات إعلامية
استاذ/عبد الجبار سعد
كلمة  26 سبتمبرعيد التوحد والحوار
كلمة 26 سبتمبر
حقوق الإنسان والاستهانة بالوطن!
محمد الباهلي*
مشاهدة المزيد