الأحد 25-08-2019 13:58:34 م
بوح اليراع: الإحكام في ردِّ السلام
بقلم/ عبدالسلام التويتي
نشر منذ: شهرين و 23 يوماً
الأحد 02 يونيو-حزيران 2019 12:27 ص

قبل بلوغ ما أريد ممَّا أعتبره -مجازًا- بيت القصيد لا بد لي من توضيح نقطتين، أولاهما: أن القصد من الإحكام هو التوفُّق بشكلٍ نهائي إلى وضع الشيء في موضعه المثالي، وثانيتهما: أن ردَّ السلام هو التجاوب الإيجابي مع من يبدأ بإلقاء السلام، وهذا ما لا يفهمه الكثير من العوام.
وبالعودة إلى جوهر الفكرة، فقد دفعتني إلى الكتابة حول هذا الموضوع عدة دوافع استنبطتها من أرض الواقع من شأن مناقشتها بمنطقية وواقعية تحقُّق بعض المنافع منها ما يأتي:
1- جنوح بعضنا إلى تبادل تحايا جاهلية: فما أكثر ما يحيِّي بعضنا بعضًا بقولهم: ( صباح الخير، ومساء الفُل)، وغيرها من الألفاظ التي تُخرج المُسلم من حسنات وبركات تحية الإسلام خاليَ الوفاض.
2- مروق بعض آخر إلى تبادل التحايا باللغات الأجنبية: مثل (قود مورننج) تحية الصباح في اللغة الإنجليزية، و(بونجور) تحية الصباح في اللغة الفرنسية، وغيرها من الألفاظ التي تُسهم في إقصاء وتغريب أجيالنا عن تراثهم اللغوي العربي وعن قيمهم الدينية الإسلامية.
3- وقوع البعض في مخالفة عدم الاهتمام بردِّ السلام: فما أكثر ما يجهل بعض أبناء الإسلام أهمية ردِّ السلام، فيترتَّب على ذلك الجهل عدم إيلائه ما ينبغي عليهم إيلاؤه من الاهتمام فيقعون في الآثام.
أهمية إلقاء السلام
تكمن أهمية تبادُل السلام (إلقاءً وردًّا) في كونه هدية من ربِّ العالمين لعباده المؤمنين تحلُّ بهِ عليهم البركات مصداقًا لقوله -تبارك وتعالى-: (فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً) النور من الآية: (61)، وتتضاعف لهم به الحسنات، فعن عمران بن الحصين -رضي الله عنهما- قال: جاء رجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال: السلام عليكم، فردَّ عليه، ثم جلس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (عَشْرٌ) [يعني عشر حسنات]، ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله ، فردَّ عليه، فجلس، فقال: (عِشْرُونَ) ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فرد عليه، فجلس، فقال: (ثَلاَثُونَ) رواه أبو داود والترمذي.
فضلاً عن أن إلقاء السلام في الإسلام من أهم ما يُميِّز الأجواد الكرام عن البخلاء اللئام، وهو -لأهميته- أهم ما يحسدنا عليه شرار الأنام لقوله -عليه الصلاة والسلام-: «أعجَزُ النَّاسِ مَن عجَز في الدُّعاءِ ، وأبخلُ النَّاسِ من بخِلَ بالسَّلامِ» رواه الألباني في (صحيح الترغيب)، وقوله -صلوات ربي وسلامه عليه-: «ما حَسَدتكمُ اليَهودُ علَى شيءٍ، ما حَسَدتْكُم على السَّلامِ والتَّأمينِ» رواه المنذري، في الترغيب والترهيب، عن أم المؤمنين عائشة، بإسناده صحيح، كما أنَّ إلقاء السلام أهمُّ عوامل شيوع المحبة لقوله -صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه-: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا ، وَلَنْ تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ ، أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ».
وجوب ردِّ السلام وتحرِّي الإحكام
أما ردُّ السلام -وهو الغاية من تسطير هذا الكلام- فهو أولى وأجدر من إلقائه بالاهتمام للأسباب الآتية:
1- أن ردُّ السلام واجبٌ: ومن هذا المنطلق فإن المتهاون فيه آثم، لأنَّه من أخصِّ حقوق المسلم على أخيه المسلم لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-: «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ خَمْسٌ: رَدُّ السَّلَام،ِ وَعِيَادَةُ الْمَرِيض،ِ وَاتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ، وَإِجَابَةُ الدَّعْوَة،ِ وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ» رواه البخاري ومسلم.
وما كان لهُ أن يتصدَّرَ هذه الحقوق لولا أهميته الاستثنائية في إجلاء وجوه المتخاصمين ممَّا يكسوها من سُحب العبوس، ودوره الملموس في استلال سخائم النفوس، بكل ما يترتب على ذلك من تمتين روابط الإخاء بين المؤمنين فيصبحوا كالجسد الواحد إذا أصيب عضوٌ منه تجاوب معه سائر الأعضاء بالتوجُّع والأنين.
2- استحباب التفضُّل فيه نوعًا ما عن الإلقاء: لقول المولى -جلَّ وعلا-: (وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا) النساء من الآية: (86)، وفي اشتمال الآية على صيغة الأمر (فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا) دلالة على أنَّ القاعدة التي يُفترض أن تكون سائدةً هي الردُّ بالأحسن، ولم يأت الأمر بالرد بالمثل (أَوْ رُدُّوهَا) إلاَّ على سبيل الاستثناء بهدف إبقاء الفرصة للرد على من ألقى السلام باستقصاء كأن يقول: (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته)، فلا يدع للراد مجالاً للردِّ بأحسن، فيكتفي برد التحية ذاتها وبذات القدر من الاستقصاء باستثناء ما يطرأ من تقديم وتأخير على الخبر والمبتدأ.
ومن المفيد الإشارة إلى أن أنسَ -رضي الله عنه- قال: كان رجل يمُر بالنبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: السَّلامُ عَلَيْكَ يا رسول الله، فيقولُ له النبيُّ صَلى الله عَليه وسلم: (وَعَلَيْكَ السَّلامُ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُه وَمَغْفِرَتُه وَرضْوَانُه) فقيل له: يا رسول الله، تُسَلِّم على هذا سلاماً ما تُسلِّمه على أحدٍ من أصحابك؟ فقال: (ومَا يَمْنَعُني مِنْ ذلِكَ وَهُوَ يَنْصَرِفُ بِأَجْرِ بِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلاً) رواه ابن السنِّي في «عمل اليوم والليلة». وهو وإن صُنِّف حديثًا ضعيفًا، فإن القاعدة الفقهية تجيز إيراد الحديث الضعيف على سبيل الاستدلال على استحباب تجويد الأعمال.
ولعل يوم العيد هو –في الأغلب- المجال الأرحب والفُرصة الأطيب لإفشاء هذا الواجب المفضي بنا إلى التَّحَابُب.