الأربعاء 13-11-2019 07:19:23 ص
بوح اليراع: أَهَمّ سَبَب وَرَاء تقدُّم الْغَرْب وتخلُّف الْعَرَب
بقلم/ عبدالسلام التويتي
نشر منذ: 3 أسابيع و 3 أيام و 9 ساعات
السبت 19 أكتوبر-تشرين الأول 2019 09:38 م

لَقَد جُبِلَ الْإِنْسَانُ -من قَدِيمِ الزَّمَانِ وَإِلَى الآن- عَلَى حبِّ التنقُّل مِنْ مَكَانٍ إلَى مَكَان تطلُّعًا إلَى اِكْتِشاف أيِّ جَدِيد أَوْ تعطُّشًا لِاكْتِسَاب الْمَزِيد أَو شغفًا بالإلمام بالمفيد، وَفِي طيَّات هَذَيْن الدَّافِعِين وَعَلَى هامشهما تكمُن أَهَمُّ الْأَسْبَابِ الْبَاعِثَةِ عَلَى السَّفَرِ والاغتراب، بَيْدَ أَنَّ تقدُّمَ أيٍّ مِنْ ذَيْنِكَ الْعَامِلِين عَلَى الْآخَرِ بِأَوْلَوِيَّةٍ نِسْبِيَّة أَو طليعيَّة يَرْتَبِطُ بِأَسْبَابٍ وعواملَ مَوْضُوعِيَّة ذَاتِ أبْعَادٍ سِيَاسِيَّةٍ وأمنية وَاجْتِماعِيَّة سنتناولُها بِصُورَةٍ تَفْصِيلِيَّة فِي السُّطُور التَّالِيَة:
فَالْإِنْسَان الْغَرْبِيَّ الَّذِي يَعِيشُ فِي أَعْلَى سلَّمِ المستوياتِ الْمَعيشِيَّة ويتربَّع عَلَى قمَّةِ هَرِمِ التَّطَوُّر الْعِلْمِيّ بِمَا يُنْتِجُ عَنْهُمَا مِنْ اسْتِقْرَارٍ سِيَاسِيّ ذِي مُسْتَوًى قِيَاسِيّ قَد انْحَصَر دَافِعُهُ لِلسَّفَر إلَى بُلْدانِ العالَمِ الثَّالِثِ -لَا سِيَّمَا بُلْدانِ العالَمِ العَرَبِيِّ- فِي تطلُّعهِ الشَّدِيد إلَى اِكْتِشاف الْجَدِيدِ فِي رُبُوعِ هَذِهِ الْبُلْدَانِ الْمُحْتَوِيَة جغرافيتُها -بسبب مَا حَفِلَتْ بِهِ مَوَاضِيْهَا مِنْ إِرَاثٍ حضارية- عَلَى أَعْدَادٍ كَبِيرَة مِنْ الْمَوَاقِعِ الآثارية وَاَلَّتِي لَا تَخْلُو مِنْ تدفُّق الأفواج السياحية مِنْ سُكَّانِ تِلْك الْبُلْدَان الَّذِين غالبًا مَا تَحْمِلُهُم مستوياتُهم الْمَعيشِيَّة الباذِخة إلَى اعْتِبَارِ تَنْظِيم رِحلاتِهم السياحيَّة السَّنَوِيَّة أَو الفصليَّة تَقَالِيدَ مجتمعيَّةً رَاسِخَة.
بَلْ إنَّ أَحَدَ عَوَامِل الْجَذْب السِّياحِيّ لِمُعْظَمِ هَؤُلَاء السُّيَّاح ذَوِي الْمُسْتَوَى المعيشي المُبْهِر وَالْمُسْتَوَى الْعِلْمِيّ المتطوِّر هُو نَمَطُ حَيَاتِنَا البُدائِيّ الْبَاعِث عَلَى التندُّر ومستوى معيشتِنا المُتدهور .
وقلَّما يُغادرُ الْمَوَاطِنُ الْغَرْبِيُّ بَلَدَهُ الْأَصْلِيّ عَلَى سَبِيلِ اللُّجوءِ السِّياسِيّ، كَمَا أَنَّ مَنْ رَابِعِ الْمُسْتَحِيلَات مغادرتَهُ بَلَدَهُ إلَى أيٍّ مِنْ أَقْطَارِ العَالَمِ الثَّالِثِ جَرْيًا وَرَاءَ مَا نلهثُ وَرَاءَهُ مِنْ فُتات أَو بحثًا عَن فِرْصَةٍ لإثْبَات الذَّات.
أَمَّا إنْسَانُ العَالَمِ الثَّالِثِ -وعلى وَجْهِ الْخُصُوصِ الْمَوَاطِنُ الْعَرَبِيّ المتعايش مَع كافَّةِ أَنْوَاعِ الكوارث- فَيَقِفُ وَرَاءً لجوئه إلَى الْهِجْرَةِ وتجرُّع تَبِعَاتِهَا المُرَّة -إذا استثنينا المُبتعثين فِي منحٍ دراسية- أَحَدُ أَوْ جَمِيعُ هَذِهِ الْعَوَامِل الأسَاسِيَّة:
1- الْبَحْثُ عَنْ لُقْمَةَ الْعَيْش: فَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ حِيَازَة جُغْرَافِيَّةِ أقطارنا الْعَرَبِيَّةِ قَدْرًا لَا بَأْسَ بِهِ مِنْ الثرواتِ الطَّبِيعِيَّة العَالَمِيَّة، فَإِن اِسْتِشْرَاءَ الْفَسَاد السِّياسِيّ وَالْمَالِيّ والإداري قَدْ جَعَلَ الْمَوَاطِنَ الْعَرَبِيّ -بصفةٍ عامة- يُعاني الْفَاقَةَ بِصُورَة دَائِمَة، فَلا يَتَرَدَّدُ -في الأخير- عَن التَّفْكِير بِالْهِجْرَة الَّتِي غالبًا مَا تلتهمُ أَخْصَبَ سِنِيْ عُمْرِه، وَكُلُّ هَمِّهِ أَنْ يَتَمَكَّنَ مِنْ تَوْفِيرِ الحدِّ الْأَدْنَى مِنْ المتطلبات الْمَعيشِيَّة الضَّرُورِيّة لِلأُسْرَّة.
2- الْهَرَبُ مِنْ القمع السِّياسِيّ: إنَّ اعْتِيَادَ الْحَاكِم الْعَرَبِيِّ عَلَى التفرُّدِ بالسلطة بِصُورَة مُفرطة لَا تتيحُ أيَّ هَامِش للتناقُش أَو التَّفَاوُض قَدْ جَعَلَهُ يَضِيقُ ذرعًا بأيِّ طَرَفٍ مُنَاوِئ أَو مَوْقِفٍ مُخَالِف أَوْ مُنَاقِض وبأيِّ رأيٍ مُعَارِض، وبالتالي يُصبحُ أيُّ مُتبَنٍّ لأيَّة آرَاء انتقادية أَو رُؤى سِيَاسِيَّةٍ أَوْ مَالِيَّة أَوْ إِدَاريَّة تَصْحِيحِيَّةٍ إرْشَادِيَّة عُرضةً للتصفيَةِ الْجَسَدِيَّة، وَمِنْ هَذَا الْمُنْطَلَق لَا يَبْقَى أمَامَ الْمُوَاطِنِين الْأَحْرَارِ مِنْ خِيَار لتفادِي خُطُوْرَةِ مَا يتهددُ حَيَاتَهِم مِن إخْطَار سِوَى الْفِرَار إلَى المتاح أَمَامَهُمْ مِنْ الْأَقْطَار، وَلَو اقْتَضَتِ الظُّرُوفُ الْمُحِيطَةُ بِهِم التسرُّب أَو التهرُّب الْمُتَسَبِّب بمضاعفةِ مَتَاعِبِ ومراراتِ التغرُّب.
3- الْبَحْثُ عَنْ وضعٍ مَوَات لإثباتِ الذَّات: فَمَن الْمُسْلِمَات أنَّ تَرْكِيْبَةَ أنْظِمَةِ الحُكْمِ فِي عَالِمِنَا الْعَرَبِيّ الْقَائِمَةَ عَلَى المحسوبيات والمعتمدة فِي مِنَحِ الْمَنَاصِب وَإِسْنَاد الْمَهَامّ والمسؤوليات عَلَى مِعْيَار الولاءات قَدْ جَعَلَ مُعْظَمَ بلدانِه طاردة بِصُورَة متعمِّدة للكفاءات بِكُلِّ مَا تُفْضِي إلَيْهِ تِلْكَ الْمُمَارَسَات مِنْ تَضْيِيقِ الفُرص أمَامَ المؤهلين تأهيلاً تخصصيًّا نوعيًّا جيِّدا ، بَيْنَمَا يَزْدَاد الفاشلون وَالْجَهَلَة ارتقاءً وتسلُّطًا وتسيُّدا.
وَفِي ظِلِّ هَذِه المناخاتِ الَّتِي تَصِلُ بمثابرةِ الْأَكْفَاءِ ونضالِهم اللامحدود إلَى طَرِيقٍ مَسْدُود يَضْطَرُّ الْإِنْسَانُ الْعَرَبِيُّ الْمُؤَهَّل إلَى الْبَحْثِ عَنْ شَخْصَه وَإِلَى تَوْظِيف تأهيله النَّادِر الْوُجُودِ فِي مَا وَرَاءَ الْحُدُود، فَلَا يَتَرَدَّدُ أيٌّ مِنْ أَقْطَارِ الْغَرْب عَن احْتِضانِه وتبْوِيْئِه مَا يَتَنَاسَبُ مَع تأهيله وقُدِرَاتِه مِنْ مَكَانَة.
وَفِي طَرَفَيْ هَذِه الْمُعَادَلَة غَيْرِ الْعَادِلَة يَكْمُن أَخْطَرُ سَبَب وَرَاءَ تقدُّم الْغَرْب وتخلُّف الْعَرَب.