الجمعة 22-11-2019 08:06:46 ص
نافذة على الاحداث: بناء الدولة في ظل الرقص مع الثعابين ..!
بقلم/ كاتب/احمد ناصر الشريف
نشر منذ: 3 أسابيع و 5 أيام و 8 ساعات
الأحد 27 أكتوبر-تشرين الأول 2019 12:01 ص

الأخطاء القاتلة التي رافقت مسيرة بناء الدولة في العقود الماضية لا يتحمل وزرها الحكام وحدهم، لأن الشعب كان له نصيب الأسد فيها بحكم تبعيته للحاكم وتأييده له في كل شيء يفعله وكأنه مقدس هبط من السماء ومعصوم من الخطأ.. وبحكم أن الرئيس الأسبق علي عبدالله صالح هو الحاكم الوحيد في تاريخ اليمن القديم والحديث الذي أتيحت له أطول فترة للبقاء في الحكم وفرصة لبناء الدولة لا تتكرر كثيرا حيث حكم اليمن من جنوبه إلى شماله ومن شرقه إلى غربه بصلاحيات مطلقة كان بإمكانه أن يستغلها ويحقق لليمنيين ما كانوا يحلمون به من قيام دولة وطنية حديثة يسودها النظام والقانون ويسجله التاريخ من العظماء.
لكن للأسف الشديد فقد أراد لليمن أن يبقى ضعيفا بحيث يسهل السيطرة على شعبه فرهن قراره السياسي للخارج وظل طيلة فترة اكثر من ثلاثة عقود من حكمه وهو يتعامل مع المتناقضات في سياسته الداخلية والخارجية مطبقا تلك السياسة الاستعمارية : (فرق تسد) ونشهد له بأنه نجح فيها بامتياز واستعدى على اليمن دولاً خارجية كنا بأمس الحاجة إلى إيجاد علاقة ودية معها والاستفادة من معونتها.. ولو توقفنا قليلا أمام سياسته الداخلية سنجدها كانت مكرسة لضرب هذا بذاك وكان وراء إنشاء العديد من الجماعات والأحزاب السياسية ذات الاتجاهات المختلفة حيث كان يسخرها لخدمة سياسته.. وعندما نتأمل في الكيفية التي أدت إلى نشوء التجمع اليمني للإصلاح والتيارات المتطرفة كنماذج لما كان يحدث على الساحة الوطنية وكيف استخدم هذه التيارات برغم التناقض الكبير في توجهها السياسي والمذهبي لخدمة أهداف معينة سنجد فعلاً- كما أكد هو شخصياً - أنه كان يرقص وسط الثعابين التي تجمعت في النهاية ضده ووجهت إليه لدغتها القاتلة.
فبعد إعادة تحقيق الوحدة اليمنية التي اقترنت دولتها بالحرية والديمقراطية والتعددية الحزبية وجد الرئيس الأسبق نفسه محاصرا بشعبية الحزب الاشتراكي اليمني شريك تنظيمه المؤتمر الشعبي العام في تحقيق الوحدة فلم يجد وسيلة لفك الحصارعن نفسه وفي نفس الوقت لمحاربة الحزب الاشتراكي اليمني ذي التوجه العلماني إلا بإنشاء حزب أو تجمع يناقضه في التوجه فوجد ضالته في الإخوان المسلمين الذين كانوا أساساً أعضاء في المؤتمرالشعبي العام فطرح فكرة إنشاء التجمع اليمني للإصلاح وكان هونفسه الذي بادر للإتصال بالشيخ عبدالمجيد الزنداني إلى باكستان وطلب منه العودة إلى اليمن على وجه السرعة رغم موقفه المعارض للوحدة اليمنية بحجة أن الحزب الاشتراكي ماركسي ودستور دولة الوحدة علماني فرضه الجنوب على الشمال.. وبعد وصول الشيخ الزنداني إلى اليمن انفصل الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر باتفاق مع الرئيس الأسبق هو وأنصاره من الإخوان والمشايخ والقبائل من المؤتمر الشعبي العام وكونوا ما يعرف اليوم بالتجمع اليمني للإصلاح بهدف الوقوف في وجه الحزب الاشتراكي ويشكل في نفس الوقت رديفا للمؤتمر الشعبي العام بدعم مباشر من الرئيس الأسبق صالح شخصيا وبالرغم من أن التجمع اليمني للإصلاح قاطع الاستفتاء على دستور دولة الوحدة بعد عام من إعادة تحقيقها متحججاً بالمادة التي تنص على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع وهم يريدون أن تكون مصدر كل التشريعات إلا أن الشيخ عبدالمجيد الزنداني قبل أن يكون عضوا في مجلس الرئاسة وهذه المادة كما هي لم تتغير بعد، حيث لم يتم تعديلها إلا بعد حرب عام 1994 م .. وكان المؤتمر الشعبي قد تنازل عن العديد من المقاعد البرلمانية التي كان يفترض أن يحصل عليها لصالح التجمع اليمني للإصلاح في أول انتخابات تشهدها الجمهورية اليمنية في 27 ابريل عام 1993م حتى يتمكن تجمع الإصلاح من أن يحتل المرتبة الثانية في مجلس النواب قطعاً للطريق أمام الحزب الاشتراكي الذي احتل المركز الثالث.
ومن خلال التجمع اليمني للإصلاح استطاع الرئيس الاسبق أضعاف منافسه وشريكه في الوحدة الحزب الاشتراكي اليمني وظل يضايقه حتى أخرجه من المشاركة في السلطة نهائيا بعد حرب 1994م.. ثم تحالف مع التجمع اليمني للإصلاح وكافأهم بتعديل المادة التي قاطعوا الاستفتاء على الدستور من أجلها لتصبح : مصدر كل التشريعات وياليتهم عملوا بها.. وفي نفس العام أراد الرئيس الأسبق أن ينتقم من أمين حزب الحق القاضي أحمد الشامي رحمه الله بسبب موقفه المتعاطف مع علي سالم البيض والحزب الاشتراكي فأستدعى إليه ممثلي حزب الحق في مجلس النواب الشهيد حسين بدر الدين الحوثي رحمه الله وعبدالله الرزامي وآخرين ومنهم محمد عزان وطلب منهم الانشقاق عن حزب الحق ثم ساعدهم على تأسيس جماعة اطلق عليها بنفسه اسم: ( الشباب المؤمن ) واستغلهم لمواجهة جماعة الوادعي المتشددة بمعهد دماج بصعدة.. وأتذكر أننا في دائرة التوجيه المعنوي للقوات المسلحة طبعنا كتيبات ألفها العلامة بدر الدين الحوثي رحمه الله يفند فيها أفكار الشيخ مقبل الوادعي رحمه الله بناء على طلب من الرئيس الأسبق .. واستمر الرئيس الأسبق يدعم جماعة الشباب المؤمن حتى بعد وفاة الشيخ الوادعي الذي بوفاته ضعفت جماعته من بعده ولم تعد تشكل خطرا على نظامه وحينها تفرغ لحشد التأييد لتوريث الحكم لنجله أحمد.. ولكن الشهيد حسين الحوثي رفض فكرة التوريث بحجة أن المذهب الزيدي لا يقول بالتوريث ويقول بالخروج على الحاكم الظالم ويشترط في ولي الأمر شروطاً كثيرة لا تتوافر في نجله أحمد .. فكان رد الرئيس الأسبق على رفض الشهيد حسين الحوثي فكرة التوريث محاربته للمذهب الزيدي فشرع ببناء جامع الصالح في ميدان السبعين وبعد الانتهاء منه وجه بنقل الأذان والصلوات في وسائل الإعلام رسميا الى جامع الصالح بهدف سرقة الأضواء من الجامع الكبير الذي أمر ببنائه النبي محمد عليه أفضل الصلاة والسلام وألغى من الأذان (حي على خير العمل) لأن هناك من فسر له هذه الجملة بأنها تعني الجهاد ضد حكمه كما أمر بإلغاء دعاء القنوت من صلاة الفجر واجبرالمسؤولين واتباعه ممن ينتمون إلى المذهب الزيدي على الضم بدل السربلة ومن لم يمتثل لهذه التوجيهات كان يصنف على انه حوثي .. وهنا حصل فض شراكة التعاون بينه وبين الشهيد حسين الحوثي الذي يؤكد في احاديثه انه عمل لصالح نظام صالح وحذره من المؤامرات الخارجية ضده ولكنه لم يسمع النصح فتحولت العلاقة إلى عداء نتج عنها ستة حروب تم شنها على صعدة وشاركت فيها السعودية بشكل مباشر لدرجة انها استخدمت أسلحة محرمة دوليا مثل القنابل الفسفورية وكانت تقصف البيوت على ساكنيها وقد خرج من كان يطلق عليهم : الحوثيون من هذه الحروب الستة منتصرين لعدم قناعة الجيش بمحاربتهم وفرضوا أنفسهم كتيار سياسي قوي على أرض الواقع ومع ذلك ظل الرئيس الأسبق يلعب لعبته من خلال تدخله في شؤون الأحزاب والتنظيمات السياسية وتفريخها حتى أنتهت به سياسته غير المتوازنة ليخسر كل شيء . ومن المفارقات ان التجمع اليمني للإصلاح الذي كان التيار المتشدد دينيا لجأ بعد خلافه مع الرئيس الأسبق علي صالح وخروجه من السلطة الى التحالف مع الحزب الاشتراكي الذي كان يكفره ويعمل على محاربته في اطار اللقاء المشترك ومن هنا تكالب الجميع على الرقص مع الثعابين ليوجهوا لدغتهم القاتلة الى الراقص الأول مخلفا وراء ه وطنا مهدودا وممزقا وشعبا فقيرا وجائعا رغم مايمتلكه اليمن من خيرات وثروات لو وظفت التوظيف السليم لأصبح الشعب اليمني هو الرائد في المنطقة .