الجمعة 22-11-2019 09:07:06 ص
بوح اليراع: الشتاء وتعاظُم معاناة الفقراء
بقلم/ عبدالسلام التويتي
نشر منذ: 3 أسابيع و يومين و 10 ساعات
الثلاثاء 29 أكتوبر-تشرين الأول 2019 10:49 م

إنَّ من أهم المسلَّمات لدى كل المجتمعات أن شريحة الفقراء تُعاني من الحرمان -في جميع الأوقات- من ألوان الحرمان ما لا تُعانيه غيرها من الشرائح والفئات.بيد أنَّ تلك المُعاناة المتسببة لهم -دائمًا وأبدًا- بالكثير من العناء تتعاظم أكثر وأكثر في فصل الشتاء.
للفقراء الصيف أكرم ضيف
مهما يكن من عوز الفقير، فإن الصيف يعود عليه ببعض الخير، فوفرة الخضروات والفواكه وهبوط أسعارها يُضاعفان -إلى حدٍّ ما- فرصة حصوله عليها عن طريق الصدقة أو الابتياع بسعر منخفض، كما أن انبساط النعمة في الصيف يُهيئ النفوس للجود على الفقير المتعزز بضروريات الطعام وأهمها الخُبز، فضلاً عن أن دفء طقسه يقلل حاجة الفقراء للكساء والفرش والغطاء إلى الحدِّ الأدنى، وبالمثل السُّكنى وأماكن الإئتواء لا تمثل -بالنسبة للأشد فقرًا- معضلة كبرى، فمع توافر غطاء خفيف يمكنهم النوم في الرصيف.
الفقراء في الشتاء ومعضلة انعدام الغذاء
أما فصل الشتاء الشديد البرودة الشحيح الإنتاج الذي يصبح -بخيالية أسعاره- حلمًا بعيد المنال بالنسبة للمحتاج، فتتضاءل فيه فرصة الفقير في الظفر بالفواكه والخضار أو أيٍّ من ألوان الطعام إلى ما يشبه الانعدام، لأن ندرة المنتجات وقلة تداولها في الأسواق -بالإضافة إلى ما تتسم به طبيعة الأرض في فترة الشتاء من مظهر كالح- تذكي ما هو كامن في نفوس القادرين من مشاعر الشُّح وتحمل بعض فاعلي الخير على التقتير وقبض ما بأيديهم -بشكلٍ غير معهود- عن الفقير، وإن أعطوا لحالات معدودة فبكميات محدودة، في الوقت الذي يتضاعف الشعور بالجوع كلما اشتدت البرودة، فتصبح أبدانهم الهزيلة التي يفتك بها ويُطاردها شبح الجوع ليل نهار عُرضة للانهيار وفريسة لأمراض الشتاء التي يمكن لهم مقاومتها لو أن إخوانهم الأغنياء يمدُّونهم بالحدِّ الأدنى من الغذاء باعتباره أحد أسباب البقاء.
شدة الاحتياج في الشتاء للكساء والإئتواء
إذا كانت شدة برودة الشتاء تطال بسلبية آثارها الشرائح المجتمعية العائشة في مستوى لا بأس به من الاكتفاء، فلا تلبث تلك الشرائح تتواصى بتفادي تلك الآثار بالوسائل المثلى، فإن شريحة الفقراء -للأسف الشديد- تستقبل الشتاء بأطمارٍ من الملابس لا تتجاوز -في أفضل صُوْرة- ما يستُر العورة وبافتقارٍ إلى البُسُط والفُرُش يُلجئها إلى افتراش الحصير والتدثُّر بقطع من القماش ذات سُمُك محدودة لا تقيْهُم الحدَّ الأدنى من برودة الشتاء، لا سيما ومساكنهم مجرد أكواخ تتخللها تيارات الهواء من معظم الأنحاء، فيبيتون في حالةٍ من الارتجاف الذي تستكُّ -على وقعه الأسنان وتتزلزل -لشدته- الأبدان..على أن وقوع الفقراء بين مطرقة الجوع وسندان برودة الشتاء يجعلهم -بلا استثناء- أقرب إلى عالم الأموات منهم إلى عالم الأحياء.
افتقار سكان الأرصفة حتى إلى الألحفة
لعل الوضع الأكثر مأساوية تتمثلُهُ -بصورةٍ أكثر حيويَّة- شريحة المشرَّدين وأشباه المجانين الذين ألجأتهم أوضاعهم المعيشية المؤسفة إلى المبيت -في ليالي الشتاء- فوق بلاط الأرصفة مفتقرين حتى إلى ما يتغطون به من الألحفة، بل إن المحظوظين هم الذين تتوافر لهم الكراتين التي لا تدفئ بقدر ما تموِّه، فلا يستدلُّ على مَنْ تحتَها من أناسٍ نائمين إلا بما يصدر عنهم -بين الحين والحين- من أنين.
ختامًا: هل يَحِقُّ لنا -وبين أظهرنا من إخواننا -تجسيدًا لما بلغناه من وضعٍ مُجتمعيٍّ مُخيف- مَنْ ينامون على الرصيف ويبيتون على الطِّواء في ليالي الشتاء- أن نعتبر أنفسنا مؤمنين؟!
وحتى نكون مع أنفسنا صادقين، علينا أن نقيس أعمالنا بأعمال سيد المرسلين -صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين- في ضوء الحديثين الشريفين التاليين:
1- قَال رسولُ اللَّه -صلوات الله وسلامه عليه-: «مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهرٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلى مَنْ لا ظَهْرَ لَهُ، وَمَن كانَ لَهُ فَضْلٌ مِن زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَن لا زَادَ لَهُ». رواه مسلم.
2- قالَ -عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلام-: «مَا ءَامَنَ بِي مَنْ باتَ شَبْعانَ وَجارُهُ جائِعٌ إِلَى جَنْبِهِ وَهُوَ يَعْلَمُ بِهِ» رواهُ الطبرانِيّ.