الجمعة 22-11-2019 09:06:09 ص
بوح اليراع: حكامنا مع اليهود مثل الحمار مع الأسود
بقلم/ عبدالسلام التويتي
نشر منذ: أسبوعين و 5 أيام و 9 ساعات
الأحد 03 نوفمبر-تشرين الثاني 2019 12:05 ص

لقد أرجع المؤرخون تعمُّد مؤلف كتاب (كليلة ودمنة) التستر على شخصيته إلى خوفه من بطش السلطان، لأن قصصها وأقاصيصها -بالرغم من مجيئها على لسان الحيوان- تنتقد ما كان يسود حياة بني الإنسان من مظاهر الفساد والظلم الاستعباد والحرمان، وغالبًا ما كانت الحكايات تبثُّ بين الأسطر الكثير من العِبر التي توقظ الطاقات والملكات الكامنة في المجتمعات فلا تلبث أن تقرر خوض معمعان النضال وصولاً إلى ما تنشده النفس البشرية من حياة الحرية.
وقد لفتت انتباهي إحدى أقاصيصها الموجزة التي بإمكان شعوبنا العربية -لو استخلصت العبر الكامنة في عباراتها المستفزة- أن تحدث في واقعنا السياسي الراهن تغييرًا يشبه المعجزة.
فقد روى الراوي أن ثلاثة أسود تمكنت -في ساعة من نهار- من اصطياد حمار، ولكن قبل أن تلتهمه تفجرت من بين ضلوع أحدهما ينابيع الحكمة، إذ خطرت على باله فكرة الإبقاء على حياة الفريسة تلك المرة إبقاءً يدر عليهم -بعد سنوات من العشرة- فرائس مستمرة وبما يؤمن لهم حياة معيشية مستقرة.
فقد أشار الأسد الكيِّس النبيه على أخويه بإعفاء الحمار من الالتهام، بل وبتبنيه وإكرامه غاية الإكرام وبالإغداق عليه بالمستحب إليه من صنوف الطعام، فوافقاه على الفكرة على غرابتها، فتبنوه لعدة أعوام وأولوه من الرعاية والاعتناء ما رسخ لهم بين جنبيه مطلق الولاء.
وبعد أن بلغ مستوى من القوة البدنية المعززة بما اكتسبه -بشكلٍ محدود- من طبائع العنف التي جُبل عليها مجتمع الأسود، دفعوا به -في الأخير- للعودة حاكمًا في مجتمع الحمير موعزين إليه أن يحكمهم بمنطق القوة مستقويًا بما يتمتع به من فتوة وبما يربطه بالأسود -الذي كان واضحًا للحمير- من رابطة الأخوة.
وهكذا ظل الحمار المسنود بدعم الأسود يمارس في مجتمعه من المفاسد والمظالم ما لم يسبقه إليه حمار في الوجود، وأيَّما حمار أبدى شيئًا من التمرد كان يُسارع إلى اعتقاله وتقديمه لقمة سائغة للأسود.
وبتبنيها للحمار وإيلائه دعمها وإسنادها الجبار باستمرار، ضمنت الأسود تواصل تدفُّق ما يزيد على كفايتها من الطعام بشكل مستدام.
ولو تأملنا في واقعنا العربي الراهن نظرة فاحصة قياسية وبحثنا في تأريخ حياة معظم نخبه السياسية والمتربعة على كراسي الحكم منها بدرجة أساسية سنجد أن بعضًا منها تُبني أو جُنِّد من قبل اللوبيات الصهيونية اليهودية المتغلغلة في مفاصل أنظمة الحكم الغربية في بعض مراحل بعثاتهم أو منحهم الدراسية، بينما أستُقْطِب أو انتقيَ بعضهم الآخر أيام اشتغالهم في أيٍّ من البلدان الغربية ضمن طواقم بعثات بلدانهم الدبلوماسية.
ولو تتبعنا تسلسلية عملية التبني أو الاستقطاب أو الاحتواء التي تراعي -عادة- الفروق الفردية من شخصية إلى أخرى، سنرى أنها تبدأ -في الأغلب- بالإشادة والإطراء تسويغًا لما سوف تُبهر به الشخصية -في مرحلة أخرى- من صنوف الإغراء وفي مقدمتها الإيهام بالإشهار والإثراء، يلي ذلك استدراج الضحية إلى التورط في ممارسة أعمال مخلة واقتراف جرائم لا أخلاقية خاضعة -بدون علم الضحية- لإجراءات توثيقية، وفي الوقت المناسب يُعرض على الشخص المُتبنى العودة مدعومًا إلى بلده لينفذ فيها استراتيجية تصب في خدمة الصهيونية العالمية بشكل دقيق، فيقبل دون تردد تحت وطأة التهديد بكشف ما هو محفوظ ضده من توثيق.
وفور عودته إلى بلده العربي لتنفيذ الاستراتيجية المرسومة له من قبل ذلك اللوبي يحظى بكافة أشكال الدعم الغربي، فيقتحم التراتبية الوظيفية بسرعة مكوكية، ثم لا يلبث أن يُفرض -بضغوط خارجية- في المناصب السيادية الحساسة الهامة ذات الأثر المباشر في حاضر ومستقبل الأمة.
فلا يمضي إلا القليل من الزمن حتى يصبح هذا الشخص المتبنى من الصهيونية العالمية المتبنى رعاية مصالحها هو الزعيم المؤتمن والحاكم المطلق الذي لا يسمح لأي منتقد أو معارض بمجرد النطق، وأي فرد أو حزب أو جماعة أو نظام يستعصي عليه إخضاعه يرميه -دون التعاطي معه بالسؤال والجواب- بتهمة الإرهاب، فلا يلبث صهاينة البيت الأبيض الأمريكي أن يتولوا تنفيذ العقوبة لكلٍّ ما يناسبه، من حضر التحرك ومنع الأسفار، إلى القصف بطائرات بدون طيار، إلى فرض الحصار، إلى تجميد ومصادرة الأموال.
وبذلك تحقق الصهيونية العالمية في واشنطن وتل أبيب بواسطة الحكام العرب ما لا حصر له من المكاسب هذا من جانب، متسببة -بتدخلاتها العسكرية من جانب- في إبقاء بلداننا أشبه بالخرائب.
في حين يجيد حكامنا النحارير تقمُّص شخصية الحمار الشرير في الهيمنة على مجتمعه من الحمير بنفسية الخصم اللدود مزهوًّا بمساندة الأسود التي تُمارس عليه من الاستغلال والاستغفال ما قد يُفضي إلى استئصال أبناء جنسه من الوجود.