لحظة حرية:في الطريق الى العيد الوطني السابع عشر لليمن الموحد
كاتب/أحمد الحبيشي
كاتب/أحمد الحبيشي
تثير الاستعدادات الواسعة للإحتفال بالعيد الوطني السابع عشر للجمهورية اليمنية الثالثة التي أقيمت يوم الثاني والعشرين من مايو عام 1990 مشاعر فياضة بالفرح والابتهاج، بقدر ما تثير في الوعي تأملات سياسة وفكرية في مسار العملية التاريخية التي افضت الى تحقيق هذا الإنجاز الوطني العظيم قبل سبعة عشر عاماً.
كانت الثقافة الوطنية اليمنية ولا زالت فاعلاًً رئيسياً في المجرى العام لتطور الفكر السياسي منذ بدايات الانبعاث الوطني العام وحتى الخمسينات، حيث شهدت بلادنا ميلاد تيارات فكرية معاصرة تطورت على أساسها الحركة الوطنية اليمنية، ودخلت تحت تأثيرها طوراً جديداً تمثل بقيام ثورة 26 سبتمبر 1962م وثورة 14 أكتوبر 1963م وتحقيق الاستقلال الوطني 1967م، وظهور دولتين شطريتين اقتسمتا الهوية الوطنية اليمنية في ظروف معقدة، وصولاً الى قيام الجمهورية اليمنية في الثاني والعشرين من مايو 1990م الذي انهى التشطير وأعاد للوطن اليمني المجزّأ وجهه الشرعي الواحد، في سياق أول عملية تاريخية معاصرة للتحول نحو الديمقراطية التعددية في اليمن.
على تربة الدور الوظيفي للثقافة الوطنية الجديدة شهدت اليمن بدايات استيقاظ الوعي الوطني في الثلاثينات … وعلى خلفية البعد الثقافي للحراك السياسي في المجتمع كان العمل الوطني ينمو ويتطور.. وحين قامت ثورة 1948م الدستورية لتعبر عن آمال وأشواق شعبنا الى الحرية والإنعتاق من الاستبداد والخروج من أنفاق التخلف والعزلة والظلام، كان علماء الدين والمفكرون والأدباء هم قادتها وشهداؤها.
ولئن كان ما تقدم هو حال المجال السياسي للحركة الوطنية في صنعاء وتعز وحجة والحديدة، فقد كان الحال كذلك - أيضا - في عدن ولحج وحضرموت حيث كان المفكرون والمثقفون والكتاب والأدباء والصحافيون والفنانون يجسدون الوحدة العضوية بين الثقافة والسياسة، ويحملون رايات الكفاح الوطني ضد الاستعمار والتجزئة، ويرفعون شعارات الحرية والاستقلال والوحدة.
مما له دلالة عميقة أن الرعيل الأول من قادة الحركة الوطنية اليمنية المعاصرة شمالاً وجنوباً. كانوا من المفكرين وعلماء الدين والكتاب والأدباء والصحافيين وخريجي الجامعات العربية والأجنبية، الأمر الذي يشير بوضوح الى البعد الثقافي لمشروع التغيير.
في الاتجاه نفسه كان الرواد الأوائل لثورة 26 سبتمبر 1962 م -أيضاً- من طلاب وخريجي المدارس العسكرية في صنعاء، وخريجي الكليات الحربية في مصر والعراق، الذين قامت على أكتافهم بعض الإصلاحات التي اضطر النظام الأمامي الى تنفيذها في الجيش، بعد أن أقنعته حروبه مع الجيران والبريطانيين بضرورة الشروع في بناء وتحديث الجيش والنظام التعليمي.. بيد أن هؤلاء الثوار لم يوظفوا معارفهم العسكرية والعلمية التي اكتسبوها من أجل خدمة النظام الإمامي الاستبدادي، بل وظفوها لتخليص الوطن من ظلمه وظلامه، وايقاد مشاعل الثورة من أجل الحرية والعدالة والتقدم والتغيير في ربوعه.
ما من شك في أن مفاعيل البنية التقليدية بعد قيام الثورة اليمنية (26سبتمبر 14 اكتوبر) أسهمت بقدر لا يستهان به من آليات الكبح المعيقة للتغيير بعد نجاح الثورة في القضاء على النظام الإمامي الاستبدادي والحكم الاستعماري الأنجلو سلاطيني خلال فترة نصف عقد من الزمان، بيد أن أقسامات لا يستهان بها بين النخب الجديدة وقعت على إثرها في مستنقع النزاعات الذاتية التي جعلت من السلطة هدفاً لها، حيث سعت إلى البحث عن صيغ جاهزة للتنمية الشطرية المنغلقة وغير المتكاملة، ثم عملت على تحصين تلك الصيغ بسياج كثيف من آليات الدولة التقليدية التي جرى بناؤها وتنميطها عن طريق الاستعانة بخبرات بعض الدول التي تعرضت للتشطير بفعل نتائج الحرب العالمية الثانية وأجواء الحرب الباردة التي تلتها .
استغرقت الدولتان الشطريتان زمناً ليس هيناً في إعادة انتاج مكوناتهما الموروثة عن العهود السابقة لتطور العملية الثورية المعاصرة التي جاءت كنفي تاريخي ومعرفي لتلك العهود وثورة على مخلفاتهما .. وبتأثير تراكم ذلك الاستغراق المنغلق على الذات الشطرية برزت هوة سحيقة بين الدولتين كأجهزة ومنظومات من جهة، وبين المجتمع بوصفه كياناً بشرياً ينمو ويتجدد في سياق عملية ثورية تاريخية من جهة أخرى، الأمر الذي أدى إلى عجز كل من الدولتين الشطريتين عن تلبية وتجديد احتياجات المجتمع اليمني.
ولئن كانت انجازات علم الاجتماع المعاصر ترى في أن قيام كيان معين لابد وأن يخلق قوى تتلاءم معه، ويخلق تبعاً لذلك تأقلماً إيديولوجياً محدوداً بفعل قوة العادة التي تجعل الجيل الناشئ في ظل المناخ الخاص للآيديولوجيا متسماً بروح الانتساب إلى ذلك الكيان الذي نشأ فيه، ومنضبطاً في توجيه سلوكه اليومي للتعامل مع منظوماته وأجهزته، فإن تناقض الكيانين الشطريين قبل الوحدة مع اتجاه تطور العملية الثورية المعاصرة للشعب اليمني فرض عليهما السير في اتجاهين: موضعي ومطلق.. الإيمان بضرورة الوحدة من جهة، وتكريس التشطير بصيغ آيديولوجية من جهة أخرى.. وهذا إن دل على شئ فإنما يدل على مأزق وتخلف الجهاز المفاهيمي للآيديولوجيا التي استمد منها كل كيان على حدة شرعية تبرير وجوده، وافتعال العوائق لتأجيل الدمج الموضوعي للكيانين الشطريين في دولة وطنية واحدة.
 لا ريب في أن كلاً من الكيانين الشطريين السابقين برر لنفسه التمسك بعملية الاستغراق في تكريس وتجديد الدولة الشطرية انطلاقاً من الوهم بموضوعية الكيان النموذج الذي سيفرض نفسه بصورة امتداد أو إلحاق عن طريق افضلياته، ولذلك وصلت المحصلة النهائية لحالة الاستغراق في تنمية وتطبيع التشطير إلى مأزقها الموضوعي بحكم لا تاريخية ولا موضوعية تلك الحالة، لأن الدولة الشطرية استنفذت قدرتها على معالجة أوزار ومخلفات الماضي وإرثه الثقيل، وباتت عاجزة عن مواكبة الميولات الجديدة لتطور العالم المعاصر .
 استند الخطاب السياسي الوحدوي للدولتين الشطريتين قبل الوحدة إلى ميراث فكري وطني وقومي كان ينظر إلى التشطير من موقف رافض، ويقوم بتعريفه على أنه من صنع الإستعمار ومخلفات القرون الوسطى، لكن هذا الخطاب قام بتكريس التشطير وإنتاج جهاز ضخم من المفاهيم الآيديولوجية التي تبرر بقاءه .
وبصرف النظر عمّا كان يميز بنية ذلك الخطاب من رؤى متباينة لدولة الوحدة، افترضت وجود وجهتي تطور متمايزتين، احداها تنادي بالتوجه الإسلامي والأخرى بالتوجه الاشتراكي، فإن ذلك التباين لم يكن يستند إلى الواقع، ولم يتجاوز نطاق صراع الإرادات والأوهام الآيديولوجية القابلة للاختبار والتغير في مجتمع يخوض معركة حضارية ضد التخلف والتشطير والبنى التقليدية الموروثة.
ثمة مصادر فكرية مشتركة لصراع تلك الإرادات والأوهام وهي أن الخطاب السياسي الوحدوي للدولتين الشطريتين كان ينتسب إلى الفكر القومي العربي الكلاسيكي الذي كان يربط تحقيق الوحدة العربية بعدد من الشروط، وبضمنها وحدة أداة الثورة العربية، وضرورة قيام قوة ثورية إقليمية تتكون من قطر عربي أو أكثر، وتضطلع بدور مركز الاشعاع والجذب، وتلعب دور «القاعدة» التي ينطلق منها (التغيير الوحدوي الريادي). وقد تم تحوير المفاهيم المكتسبة من الخطاب القومي العربي الكلاسيكي بعد إكسابها صياغات آيديولوجية جديدة، وبعد تنميطها في نطاق محلي قطري بل وشطري، الأمر الذي أدى إلى حدوث تعديل في مضمون الخطاب السياسي الوحدوي بعد ظهور الدولتين الشطريتين في اليمن أواخر الستينات.. وكانت نتيجة ذلك التحوير وصول عملية الإستقطابات الآيديولوجية الصارمة إلى مأزقها، وتفاقم تناقضات الخطاب السياسي الوحدوي للدولتين الشطريتين، وتكريس التشطير على المستوى الوطني، وهو المأزق نفسه الذي وصل إليه الخطاب القومي الكلاسيكي.
وهنا يتطلب الأمر نقد الوعي الآيديولوجي الذي ساد في حقبة التشطير، وكرّس طائفة من المفاهيم التي خلطت بين عملية التوحيد الوطني كضرورة في سياق مشروع التغيير الذي دشنته الثورة اليمنية (26 سبتمبر - 14 أكتوبر)، وبين فرضيات الانتقال بهذه العملية إلى الوجهة الإشتراكية أو الوجهة الرأسمالية او تحويلها إلى «قاعدة» لاستعادة دولة الخلافة الاسلامية وفق تصورات نظرية مبسطة لا تمتلك مرجعاً معرفياً لها في الواقع اليمني والسياق التاريخي العالمي.
تميزت السنوات الأولى للوضع الناشئ والقائم على أساس دولتين شطريتين في اليمن أواخر الستينيات، بحرص كل منهما على تجميع آليات الأمن الذاتي، وما رافق ذلك من ميول لتكوين وعي سياسي تبريري يكرس التشطير من جهة، ويرفع خطاباً وحدوياً ضده من جهة أخرى، ولم تخل تلك الفترة من الصدامات المباشرة وغير المباشرة على مستوى الشطرين، بالإضافة إلى الصدامات الداخلية داخل كل شطر في مجرى الصراع الداخلي على السلطة . وعندما استقرت الأوضاع للدولتين الشطريتين، اتجه كل منهما لإنجاز مهمات التنمية الاقتصادية والإجتماعية محكوماً بدور وظيفي للدولة ذي تقاليد ضاربة الجذور في أعماق التاريخ، على النحو الذي أكسب الدولة الشطرية سمات رعوية شرقية.
بوسع التحليل الموضوعي لمسار التنمية في كل من الشطرين تسليط الضوء على تناقضات التنمية الشطرية وبالتالي تناقضات الخطاب السياسي الوحدوي في حقبة التشطير يعود مرجعها إلى ذلك الكم من الأعمال النظرية المشوّهة التي تظاهرت بتصوير تلك التناقضات وكأنها انعكاس لاتجاهين متوازيين على صعيد مفاهيم التطور الاقتصادي والاجتماعي.
وكان طبيعياً أن يترتب على كل ذلك بروز ظاهرة التخندق خلف متاريس تلك المفاهيم عند بحث إشكاليات ومصاعب تحقيق الوحدة اليمنية آنذاك، وذلك من خلال تبرير التشطير آيديولوجياً، دون أن يكون الوعي الآيديولوجي السائد في الشطرين قد أستقر على مفاهيم معرفية ناضجة، ناهيك عن كون المرجعية الخارجية لذلك الوعي - بصرف النظر عن تناقض مفاهيمه بين شطر وآخر - لم تكن قد وصلت الى إستنتاجات وتعميمات حاسمة، على نحو ما حدث في النصف الثاني من الثمانينات حين بدأ الجهاز المفاهيمي لكل من علم الاجتماع وعلم الاقتصاد السياسي يتأزم ويتحلل بسبب تصادمه مع الميولات الموضوعية لتطور التاريخ العالمي سواء على مستوى الفكر الاشتراكي أو الفكر الليبرالي المعاصرين.
والثابت أن الدولتين الشطريتين اتجهتا نحو التنمية لتخفيف ضغط التجزئة على أمنهما الذاتي، ساعدتهما في ذلك حاجة موضوعية هي جزء من وظائفهما في إطار مفاعيل مشروع التغيير الذي دشنته الثورة اليمنية، بصرف النظر عن نوع الإرادة السياسية والتصورات الآيديولوجية التي حاولت كل من الدولتين الشطريتن توجيه التنمية على ضوئها.
كان البحث عن رؤى وأنماط متباينة للتنمية بهدف تبرير التشطير وتأسيسه على وجهتين متمايزتين لكل من الدولتين الشطريتين، يبدو في بادئ الأمر وكأنه امر سهل، بيد أنه كان ينطوي على تعسف لمبادئ علم الاقتصاد السياسي للتنمية في البلدان المتخلفة، وقد تم ذلك التعسف بوضوح عن طريق الإستعانة بنظريات جاهزة لم تكتمل بعد عن التنمية والتطور الإنتقالي.
بالنسبة للشطر الشمالي انحصر التوجه نحو التنمية في أوائل السبعينات وبدوافع سياسية بحتة في أُطر آليات السوق وتسخير جزء من وظائف الدولة لإعادة إنتاج البنى التقليدية لما قبل الدولة، الى جانب تنمية القطاع الخاص وتقديم مختلف أشكال الدعم والحماية له .. وفيما بعد تبلورت الحاجة إلى تنويع أشكال الملكية وأنماط الاقتصاد، وتوجيه التدخل الحكومي لضبط أسعار المواد الأولية ودعم أسعار المواد الغذائية وإطلاق ميكانزمات التعاون الأهلي .
كان كل ذلك يتم إنطلاقاً من فرضيات ترى بأن التنمية ممكنة إذا توافر لها قدر معين من الطاقة الاستثمارية والعمالة والإدارة والمشاركة في شؤون الحكم، مع تجاهل تام لأهمية تقويم حجم السوق الداخلية، ومعايير الفواعل الاقتصادية الخارجية في منطقة تشكو من تبعية طرفية مطلقة، بالإضافة إلى إغفال معايير توافر الموارد الطبيعية للاقتصاد الوطني والموارد الذاتية لتكوينه الرأسمالي.. وجميع هذه العوامل قادت التنمية في الدولة الشطرية بشمال الوطن إلى مأزق حاد، ووصلت ذروتها بعد تراجع تحويلات المغتربين على اثر انخفاض اسعار النفط في منتصف الثمانينات.
أما على صعيد الشطر الجنوبي فقد سارت التنمية انطلاقاً من منظور ساذج للصراع الطبقي، جرى بموجبه استبعاد قوى سياسية واجتماعية انطلاقاً من الأوهام التي تؤكد على ضرورة « التقليص التدريجي للعوامل المولدة للعلاقات الرأسمالية على طريق تصفيتها نهائياً.
ولا يحتاج المرء إلى جهد كي يكتشف ان مرجعية ذلك المنظور الساذج تعود إلى الأوهام الآيديولوجية القائلة ب «حتمية انتقال المجتمعات المتخلفة إلى الاشتراكية مباشرة بواسطة الدعم الخارجي للبروليتاريا الظافرة، ودون الحاجة للمرور بمرحلة الرأسمالية».
ما من شك في أن التيارات السياسية والفكرية القائمة حاليا في اليمن وبالذات في ساحة المعارضة  تكاد أن تكون إمتداداً لتيارات مماثلة لها في الساحة العربية التي شهدت تجارب مأزومة ومشوهة، افرزتها المشاريع القديمة بعد أن طبقت على الصعيدين النظري والعملي أفكاراً وشعارات قومية واشتراكية وإسلامية.
والحال إن المشاريع القديمة التي نقصدها كانت قد وصلت إلى سدة الحكم في بعض البلدان العربية أن لم نقل معظمها بوسائل الاستقواء بالقوى الأجنبية أو الإنقلابات العسكرية ثم خسرت في نهاية المطاف وهجها وبريقها.
يبقى القول ان الآثار السلبية لتلك التجارب الخاسرة لم تنحصر  فقط  في نطاق إضعاف حيوية المجتمع العربي وتهميش قواه الحية، بل امتدت لتصيب بدائها العضال مختلف النخب الحاكمة في تلك البلدان التي نكبت بتجارب شمولية فاشلة، وعجزت عن تقديم نموذج قابل للاستمرار والتجديد، وانتهت إلى إفلاس سياسي وفكري وثقافي تكونت على تربته الهشة أزمات وانهيارات مدوية، مقابل بروز مخاطر وتحديات عديدة، لا يمكن مواجهتها بدون إمتلاك مشروع جديد للتغيير يقوم بالدرجة الأولى على قاعدة تحرير السياسة من سلطة الآيديولوجيا، والتحرر من ثقافة الاستبداد والإلغاء والإدعاء باحتكار الحقيقة.

في الخميس 10 مايو 2007 09:07:53 ص

تجد هذا المقال في 26سبتمبر نت
https://26sep.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://26sep.net/articles.php?id=1075