حتى يكون محمود عباس أحسن واحد؟
كاتب/فيصل جلول
كاتب/فيصل جلول
يحلو للبعض أن يتذكر هذه الايام الهتاف الشهير الذي ردده الفتحاويون في الضفة الغربية بعد ظهور نتائج الانتخابات الرئاسية عام 2005م فهم كانوا يرددون بصوت جهوري : «واحد اتنين واحد أبو مازن أحسن واحد.» كان محمود عباس يومذاك بالفعل الأفضل بين المرشحين للرئاسة فضلا عن كونه الطرف الذي ترتاح اليه الدولة العبرية بسبب اتفاق اوسلوا الذي وقعه مع الاسرائيليين
معتبراً انه الأفضل في ظل ميزان القوى الذي تميز في العام 1993 بانهيار الاتحاد السوفياتي حليف العرب الدولي الوحيد.
وكان أبو مازن الطرف الذي ترتاح إليه الولايات المتحدة الأمريكية ليس لأنه يشيع الثقة في إسرائيل وإنما أيضا لكونه الأكثر تناسباً مع الدول العربية المسماة «معتدلة» ومن ضمنها مصر والاردن اللتان وقعتا اتفاقات سلام مع الدولة العبرية وبالتالي ترغبان في انبثاق قيادة فلسطينية تأخذ بعين الاعتبار هذا الواقع ولا تعتبره وكأنه لم يكن كما هي حال المنظمات الرافضة لأوسلو ولكل مفاعيله.
هكذا ظهر أبو مازن بعد استشهاد ياسر عرفات بوصفه الجهة التي يمكن التفاوض معها من اجل تحقيق السلام. خصوصاً انه كان يعلن جهاراً نهاراً اختلافه مع أبي عمار ويعتبر أن تسليح الانتفاضة الثانية كان خطأ كبيرا.
 مختصر القول إن محمود عباس كان «أحسن واحد» بنظر تياره وبنظر إسرائيل و «المعتدلين العرب» والولايات المتحدة الامريكية والغرب عموما وكان من المتوقع ان يعطي تنازلات تليق بسياسته ومن النوع الاحسن بيد أن شيئا من ذلك لم يقع فضلا عن أن الجميع طلب منه ان يصفي التيار المقاوم وان يبرهن انه الأفضل في قتال حماس وليس في تحصيل حقوق شعبه.
لقد ادرك عباس خلال مناسبات عديدة ان عليه أن يلعب لعبة متوازنة وان يلحظ المفارقات في اجواء يغلب عليها الأبيض والاسود فكان ان دخل الحال الفلسطيني مرحلة جمود فرض على محمود عباس خلالها ان يجري انتخابات نيابية وبلدية ضمن خطة لإصلاح السلطة وكان يدرك ان حماس ستفوز فيها لكنه كان مغلوباً على أمره وربما لسان حاله يقول تريدون انتخابات وتريدون اصلاح فهاكم حماس والتيار المقاوم.
 بقية الرواية صارت معروفة فقد عوقبت حكومة حماس بحصار اقتصادي ما زال مستمراً حتى الشهر الماضي ومورست ضغوط على عباس والاجهزة الأمنية لتصفية حماس أو على الاقل وضع العصي في دواليب حكومتها الى ان حصل ما حصل في غزة وأقلّ ما يقال فيه انه زلزال فلسطيني حقيقة فما الذي يفعله الرئيس الفلسطينيي لمواجهة الزلزال؟
 قد يكون من حق محمود عباس أن يعيد تنظيم الأوضاع في الضفة الغربية وفي حركة فتح ومنظمة التحرير و السلطة الفلسطينية بطريقة تمكنه من الحفاظ على عناصر قوة يعتقد أنها ضرورية من أجل استمرار دوره ودعم تحركه السياسي ولعل تشكيل حكومة الطوارىء والعودة إلى مؤسسات «المنظمة» يدخل في هذا السياق. وربما يكون من حق عباس أيضا أن يختبر مدى جدية وحماسة القوى العربية والأجنبية التي راهنت على رئاسته ولعله سمع في جولته العربية والدولية، وخصوصاً في شرم الشيخ ما يطمئنه ويشد من عزيمته لكن الخوف الأكبر يكمن في سوء فهم المحيطين به لمعنى هذه الحركة ولأبعادها وللأثقال التي يمكن أن تحملها خصوصا إذا كانت مشروطة بتصفية المقاومة الاسلامية المسلحة.
أغلب الظن أن عباس يدرك أن محاولات القضاء على حماس أو احتوائها قد باءت كلها بالفشل ابتداءً من اعتقال قادة الحركة وزجهم في سجون السلطة قبل العام 2000م مروراً بالاغتيالات الإسرائيلية لقادتها ومؤسسيها وصولا إلىمحاولة «تسميمها» بواسطة اللعبة الانتخابية والحصار الاقتصادي خلال الشهور الطويلة الماضية ما يعني أن ما لم تدركه السلطة عندما كانت في أوج قوتها وما لم تدركه إسرائيل والولايات المتحدة وما يسمى ب«المجتمع الدولي» من الصعب إدراكه بعد أحداث غزة وبالتالي يخطىء الرئيس ويخطىء المحيطون به إذا ما اعتقدوا أن التأييد الكاسح للسلطة يتيح تغطية أخلاقية وسياسية لفتح معركة ناجحة ضد حماس وذلك لأسباب كثيرة من بينها أن إسرائيل لن تمكن السلطة من السيطرة على الأرض الفلسطينية وبناء دولة عليها وهي الورقة الوحيدة التي ترفع أسهمها بمواجهة التيار الجهادي الفلسطيني وأن هذا التيار بات يحتفظ للمرة الأولى في تاريخ الصراع مع إسرائيل بقاعدة بشرية وجغرافية حصرية سيدافع عنها حتى الرمق الأخير
 ثمة من يعتقد أن حديث بوش الأخير عن السلام والاجراءات الاسرائيلية الاقتصادية و الأمنية بما في ذلك الافراج عن 250 سجينا فلسطينيا من شأنه أن يعيد تعويم الرئاسة و بالتالي تمكينها من عزل حماس وتحجيمها . الاعتقاد مبني كما قبل عامين على وهم ذلك أن المشكلة التي لا يريد محبو عباس «العرب المعتدلون» والدوليون فهمها تكمن في أن شعبية حماس وحضورها مستمد من كونها الطرف الذي تعتقد غالبية فلسطينية أنها الاقدر على طرد الاحتلال واستعادة الحقوق.
لذا يمكن القول إنه حتى يكون محمود عباس « أحسن واحد» فعلاً بنظر شعبه يتوجب على إسرائيل ومن يشد على أزرها أن يمنحوه الأرض والاستقلال الحقيقي والدولة القابلة للحياة، في هذه الحالة وفيها وحدها تتقدم السلطة على خصومها المقاومين في غير ذلك وفي القتال الأهلي بخاصة يكون كل مسؤول فلسطيني أسوأ واحد وللتثبت من ذلك يكفي فقط طرح السؤال على قادة القتال الأخير وبخاصة مسؤولي الأجهزة الأمنية.
  

في الخميس 19 يوليو-تموز 2007 08:20:14 ص

تجد هذا المقال في 26سبتمبر نت
https://26sep.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://26sep.net/articles.php?id=1204