المعارضة« بين عشق الذات وجفوة الموضوعية!
دكتور/عبدالرحمن محمد الشامي
دكتور/عبدالرحمن محمد الشامي
أمر مطلوب أن يكون لأحزاب المعارضة دور في حياة مجتمعنا اليمني بموجب الاختيار الديمقراطي، ورهان التعددية السياسية التي يعيشها هذا المجتمع منذ بداية حقبة التسعينات، والذي أعطى للقوى السياسية المختلفة التي كانت مستترة في بلادنا قبل تلك الحقبة التاريخية فرصة للخروج من عالم التخفي إلى عالم النور، والإعلان عن كينونتها، والتعبير عن وجودها، وإسماع أصواتها للآخرين،
 ومزاولة أنشطتها السياسية في العلن بدلاً من السر، ومنذ ذلك التاريخ وهذه القوى في نمو كمي مستمر، ونبرات صوتها في ارتفاع يوماً تلو الآخر، إلى حد بلغ الضجيج والصراخ.
وجميل أن يكون للمعارضة في بلادنا قدرة على التأثير لا الإثارة، فالفرق بين الاثنين كبير، فالتأثير غالباً ما يناط بأفعال تحتكم إلى العقل، وتصرفات تخضع للمنطق، وعلى النقيض منه الأعمال التي تسعى إلى تهيج الجماهير وإثارتهم، ومن ثم العواقب المتناقضة التي يمكن أن تترتب على الفعلين، وبخاصة في مجتمع عهده بالديمقراطية قصير، وانفعاله بالمؤثرات سريع، وقدرته على إعمال التحليل والنقد فيما يرى وما يسمع محدود، ومن ثم فحري بالمعارضة الرشيدة أن تتفهم هذه الظروف، وأن يتناسب قولها مع المقام، إذا كانت فعلاً تسعى إلى تحقيق التغيير الإيجابي، وهمها المساهمة في إنجاز أهداف عامة وطنية، وليس استغلال الظروف الطارئة، واتخاذها مطية لتحقيق الأماني، والوصول إلى الغايات التي تنشدها، فالعمل السياسي الوطني لا ينطلق من دوافع شخصية، ولا يسعى إلى تحقيق مآرب ذاتية، بل هو أكبر من ذلك وأسمى منه، والمعارضة الحقيقية كالمثقف الحقيقي، كلاهما يدافع عن قضايا الأمة المصيرية، ولا يعرف اللغة الطائفية أو إثارة الكراهية والأحقاد بين الناس.
أما ما تجدر الإشارة إليه؛ فهو أن العمل السياسي هو عمل يهدف في النهاية إلى إحداث تغيير في الواقع من أي نوع كان، وتحت أي مسمى تم، ومن ثم فإن المتأمل في أدوات هذا التغيير العصري يجدها تشبه إلى حد كبير ما استقر عليه التراث الإسلامي وأدبياته فيما يتعلق بالأعمال التي تنشد تحقيق الإصلاح، وتهدف إلى تغيير بعض الممارسات السلبية، فالاثنان يتقاطعان في الضوابط اللازمة لأعمال التغيير مما يزخر به تراث الإسلام، والتي تجعل هذه الأفعال شديدة الحساسية، محسوبة العواقب بشدة، فهي تتوخى المضار المحتملة أكثر من رغبتها في المصالح المتحققة، وغيرها من القواعد العديدة التي صاغها فقهاء النظرية السياسية الإسلامية، والتي تتفق إلى حد كبير مع ما صاغه علماء السياسية فيما بعد ذلك، والمنظرون للديمقراطية في العصر الحديث، وتأتي الخطورة من ممارسة الفعل السياسي المتهور الذي لا يعبأ بأي من المرجعيتين.
ما سبق؛ لا يجوز أن يفسر بأنه مما يقع في سياق الدعوة إلى الاستسلام والخنوع والخضوع، والرضا بالوضع القائم، ولكنه يدعو إلى قراءة الصورة من زاويتها الأخرى، والتي يمكن أن تغيب في ظل الاستلام لنوازع الذات، والوقوع في مغبة استغلال الفرص التي ربما لا تتكرر في تحقيق "الضربة" التي يتوهم أصحابها بأنها "قاضية"، فنحن لسنا في موقع مبارزة بين طرفين متخاصمين، ولا في إطار مواجهة بين عدوين لدودين، ف"المعارضة" معارِضة للنظام وليست عدواً له، ومن ثم فالمفترض أننا نمارس العمل السياسي في ظل منظومة متكاملة، تحتكم إلى مرجعية عليا واحدة، وتشترك في قواسم تجمع كل الأطراف في سياق عمل وطني يسعى أصحابه في النهاية إلى خدمة الوطن باختلاف مواقعهم وبرامجهم وآلياتهم التنفيذية، بما يحقق غاياته النهائية في خدمة الأرض والإنسان، بصرف النظر عن الرؤى والقناعات والبرامج والأدوات، والتي إذا لم تتح لها الفرصة للوصول إلى كرسي الحكم فإن ذلك لم يصادر عنها حقها المشروع في التشرف بخدمة الوطن وأبنائه، والعمل من أجل رقيهما وتنميتهما وأمنهما واستقرارهما، أما أن يختزل العمل السياسي في الصراع الحزبي فقط فذلك مما يفرغ العملية الديمقراطية من مضمونها الحقيقي، ويحيل المسألة إلى مواجهات مستمرة تستنزف الطاقات، وتستهلك القدرات بين الناس، على نحو لا يترتب عليه أي نتائج إيجابية، ولا تعود بشيء من الخير والنفع لا على البلاد ولا للعباد.
اعتماداً على ما سبق لنقرأ سوياً بهدوء ومن دون انفعال ولا تعصب أو عصبية لطرف دون آخر، إذا ما كان فعلاً همنا الوطني واحد، وغاياتنا في النهاية مشتركة، لنقرأ سوياً موقف المعارضة من أزمة ارتفاع الأسعار، مع التنويه قبل ذلك إلى أن ما حدث كان يمثل فرصة لهذه الأحزاب، ليس على النحو الذي قامت به في التعاطي مع هذا الحدث لمجرد إثارة الناس، وتهييج الشارع، ولتذكير الناس بوجودها، ومقدرتها على إثارة الزوابع، وإحداث الضجيج وغيرها من التصرفات التي من شأنها تحقيق الأثر السريع العاجل، ولكن للتعامل مع ما حدث انطلاقاً من آلية سياسية مدروسة، وعمل حزبي مؤسسي محترف، يأخذ في اعتباره كافة الظروف والملابسات أولاً، ويعمل كل ما بوسعه من أجل تحقيق آثار بعيدة المدى، وتوصيل رسائل واضحة إلى الناس مفادها أنها لا تستغل الظروف من أجل إثارة الأزمات التي لا تحتاج إليها البلاد في الوقت الراهن، وإنما تثبت للجمهور عكس ذلك، وبأنها معارضة رشيدة تنطلق في ممارستها من رؤى سياسية إستراتيجية، غير أنها أضاعت على نفسها هذه الفرصة، كما أضاعت من قبل ذلك فرصاً عديدة، بل وسرعان ما خسرت المواجهة، بعد أن تمكنت الدولة من امتصاص الأزمة، والتغلب عليها من خلال إجراءات رشيدة حاسمة وعقلانية، كما واجهت من قبل محالة توظيف أحزاب المعارضة لأزمة المتقاعدين العسكرين، وبذا تكون هذه الأحزاب بسبب سوء إدارة هاتين الأزمتين قد خسرت الرهان مرتين، وفي فترة وجيزة ومتقاربة.
وإذا ما عدنا إلى القراءة السريعة لموقف أحزاب "اللقاء المشترك" في سياق مع حدث، فإن ذلك يقودنا إلى الملاحظات والاستنتاجات التالية:
- يأتي موقف هذه الأحزاب من أزمة ارتفاع الأسعار امتداداً لمواقفها السابقة وتأكيداً عليها، فليست هذه المرة هي الأولى التي تستميت فيها المعارضة في التأصيل لمبدئها القائم على المعارضة للمعارضة في حد ذاتها، وليس من أجل أي شيء آخر، فلو أن الحكومة قالت "شمال" تقول هي بل "يمين"، مسترسلة في اتجاهات عكسية لا تنتهي، فالحكومة هي المسؤول الأول والأخير عن كل ما يحدث، ولا دور للمعارضة سوى تحميلها هذه المسؤولية، وتذكيرنا ليل نهار بذلك، وكأن ساحة البلاد الواسعة لا يوجد فيها غير "لاعب" واحد، وتلك نظرة تشير إلى عمى مستحكم بالعقول، وقصور متمكن في النظرة، فأين دور القوى الأخرى التي تمتلئ بها الساحة اليمنية، وفي مقدمتها تأتي "أحزاب المعارضة" نفسها، أليس من المفترض أن يكون لها دور إلى جانب القوى الأخرى؟ ولم لا يكون لها "جمعيات" و"منظمات" لحماية المستهلك؟ أم أن ذلك هو أيضاً مسؤولية الحكومة فقط؟ والمسألة لا تعدو أن تكون مجرد كلام، وما أسهل الكلام لمن يهواه ويعشقه، وما أصعب العمل على من لا يسعى إلى فعل شيء منه!
- هناك أطراف أخرى؛ إلى جانب الدولة بالطبع، تشترك فيما حدث، وتتوزع المسؤولية بينها على نحو متفاوت، غير أن المعارضة اعتماداً على إستراتيجيتها الأساسية والمعروفة لم تر طرفاً من هذه الأطراف الفاعلة، وانطلقت على عجل ومن دون أن تلتفت إلى أحد في تحميل المسؤولية كاملة على خصمها اللدود، ولم تدخر وسعاً في كيل ما استطاعته من الاتهامات، غير عابئة بإقامة البرهان أو الأدلة على ذلك، أو استخدام الطروحات العقلية التي تقول لنا ما حدث، وتوضح لنا أسبابه، وتبين سبل مواجهته في اليوم وغداً، وتوجه من هذا النوع يحيل الأمور إلى شيء من النقاش الذي لا يغادر مكانه، ولا يدفع الأمور في المضي إلى الأمام، في حين أن تقديم مقترح واحد فعّال قابل للتنفيذ خير من نقاشات من هذا النوع تأخذ عاماً، وقد تستمر عدة أعوام من دون أن تنتهي إلى نتيجة.
- ما سبق يأخذنا إلى تأمل خطاب المعارض في سياق هذه الأزمة، فهو خطاب عاطفي، يهدف إلى التحريض، سطحي لأنه غير معني بإقامة الأدلة، ومن ثم فهو غير مقنع لمن يبحث عن الاقتناع، وإن استمال البعض باستمالاته العاطفية، في الوقت الذي لم يتعاط فيه مع القضية لا في سياقها التاريخي، ولا في أسبابها المتراكمة، ومدخلاتها المعقدة، وإنما عمد إلى سياسة القفز وصولا إلى نقطة النهاية، حيث لا يجدي هنا حرق المراحل، كما لم يتورع من رفع شعار المصلحة العامة، واتخاذ معاناة البسطاء مطية لإثارة قضية يرى من خلالها فرصة للنيل من الطرف الآخر لخدمة أجندة خاصة مؤجلة. أما أهم المخاطر المترتبة على التعاطي المبتسر مع القضايا من هكذا أهمية، فهي أنها تؤدي إلى تكوين رأي عام زائف من ناحية، وتعمق من ظاهرة تأرجح الرأي العام من ناحية أخرى، ومن ثم فإن الخطورة تكمن في التصرفات الضارة الفردية والجمعية المترتبة على هذا العمل الإعلامي المشوه.
- كان الأحرى بأحزاب المعارضة إذا ما أرادت حقاً خدمة القضايا الوطنية إتباع الطرق العديدة التي تسبق مرحلة اللجوء إلى الشارع، وتهييج الرأي العام، وبخاصة حين يتعلق الأمر بمجتمع له مع المظاهرات سوابق جميعنا يعرف مدى أضرارها البالغة علينا، إذ يمكن –مثلا- تنبيه الحكومة إلى مخاطر رفع الأسعار، والجلوس مع القطاع الخاص ليتحمل مسؤوليته في عواقب ما قد يحدث، وغير ذلك من الإجراءات التي يدل الأخذ بها على أن أحزاب المعارضة تقوم بهذا الدور على نحو رشيد، وإذا ما استنفدت هذه الطرق جميعاً، ساعتها يكون من حقها أن تتوجه لمخاطبة الجماهير لتخبرها بالإجراءات التي قامت بها، وإلى ما انتهى إليه ذلك، وتبصرها بالخطوات العقلانية المطلوبة منها لمواجهة الأطراف المتسببة في القضية، وساعتها نرفع "القبعة" تحية لها، وننضم إلى صف المطالبين بحقوق البسطاء، ورفع المظالم عن كواهل المطحونين من الناس.
- أما الأجدى والأنفع لأحزاب المعارضة فهو أن تخصص جزءاً من وقتها وجهودها للعمل الاجتماعي التنموي الحقيقي، فذلك هو ما يحتاجه الغالبية العظمى من أبناء هذا الشعب ممن لا يعنيهم الخوض في السياسية لا من قريب ولا من بعيد في ظل الواقع الاقتصادي والاجتماعي المتواضع لهم، والبعد عن الإغراق في الخطاب التيئيسي الذي يعمد إلى المبالغة في التصوير القاتم والمعتم لكل شيء، لأن مما يترتب على ذلك إشاعة الإحباط بين الناس، وبخاصة منهم الناشئة من الشباب، فحتى الثوابت الوطنية التي نشأنا وتربينا عليها لا نجد لها حضوراً واضحاً في الخطاب السياسي لهذا الخطاب.
ولكي لا تبقى المعارضة هلامية وعصية على الفهم، وتظل أدوارها ملبدة بالغيوم، فإن هذه القوى مدعوة إلى التأمل في العواقب الخطيرة التي يمكن أن تترتب على بعض التصرفات غير المحسوبة، في سياق علاقتها بعوامل الاستقرار الكلية في بلد الجميع، فإضعاف النظام الحاكم شيء، وزعزعة أمن البلاد واستقرارها أشياء أخرى، لا يصح في أي حال من الأحوال أن تكون أحد المطايا للوصول إلى كرسي الحكم، فالمعارضة مطالبة بالتفريق ما بين الوطني الثابت والأخرى المتغيرة.
أما الدولة العصرية، فإن مهمتها اليوم؛ في ضوء المعطيات الجديدة والتحولات السريعة على الصعيدين: الداخلي والخارجي، تتجاوز المهام التقليدية إلى ضرورة استشراف المستقبل، من خلال القراءة الواعية والتحليل العلمي الدقيق للأوضاع الراهنة في البيئة المحلية والدولية، وترجمة تلك التوقعات إلى سيناريوهات مستقبلية تمكن من مواجهة كل الاحتمالات، ناهيك عن ضرورة اعتماد مبدأ الشفافية الذي أصبح اليوم من الأمور التي لم تعد موضع خلاف ولا جدال في عالم مفتوحة نوافذه للجميع، ويتطلب ذلك اعتماد مبدأ الشراكة الشفافة بين الدولة والمواطنين، كي يكونوا على وعي تام بالأوضاع الراهنة والمستقبلية، فالمواطنة العصرية مسؤولية فردية، ولها ثمن على الكل أن يكونوا على وعي بتحمل أعبائه.
  

في الخميس 23 أغسطس-آب 2007 07:54:26 ص

تجد هذا المقال في 26سبتمبر نت
https://26sep.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://26sep.net/articles.php?id=1252