أثير التغريب في الفضاء المحلي
صالح حسين الفردي
(1)
حملت التوجهات الرسمية لوزارة الإعلام، وقطاع الإذاعات المحلية فيها، القاضية بتوسع شبكة الإذاعات المحلية في عموم عواصم محافظات الوطن، درجة من الوعي العميق المتمثل في أهمية الرسالة الإعلامية المحلية المرسلة إلى شرائح كبيرة في مجتمعنا، وتعمد هذه الوسيطة الإذاعية إلى توجيه الرأي العام لمافيه مصلحة المجتمع، وتغرس في نفوس أبنائه روح الانتماء الوطني المتجذر في الذات الإنسانية مهما كان مستوى الوعي المعرفي والثقافي لدى هذه الفئات الشعبية،
وتسعى الإذاعة المحلية - كذلك - لخلق تفاعل جيد بين جميع مؤسسات الدولة ومجتمعها المحيط، محاولة إيصال صوته إلى هذه الجهات الحكومية بصورة تعكس مدى الشفافية التي يجب أن تسود، وترسي قواعد الحوار المسؤول، والمواجهة الحقيقية لحل قضايا ومشكلات المجتمع، بعيداً عن المداراة والدوران حول القضايا، وعدم الجدية في الطرح، ومواجهة المعنيين في مرافق ومؤسسات الدولة المرتبطة ارتباطا كبيراً بالمجتمع وشؤون حياته اليومية، فهي حين تبتعد عن المصداقية في التعاطي مع قضايا الساعة وهموم اليوم للمواطن، المستهدف الأول لرسالتها اليومية تكون بذلك قد نحت باتجاه التغريب، عازلة نفسها عن قواعدها الأساسية وعماد استمراريتها.
(2)
ومن ملامح التغريب التي تقع فيها الإذاعة المحلية ماتضعه في أجندتها اليومية، أو حافظة برامجها اليومية، خاصة نوعية البرامج التي تقوم بإعدادها وتتبنى تمويلها وفق خارطتها البرامجية الفصلية، أو السنوية، وهي البرامج التي يجب أن تخضع لمعايير فنية وفكرية وثقافية، وفق فلسفة إعلامية مدركة لخصوصية المكان والزمان التي تعيش فيه، ووفق سياقات الموروث التاريخي والشعبي المحلي، ذلك أن الابتعاد عن هذه المنظومة يعد تغريباً آخر، يفقد الإذاعة دورها وعمقها الذي يجب أن تعيه وتستوعبه، وتعمل على بلورته برؤى وأفكار تأصيلية، تعيها جيداً وتعشقها ملياً قيادة هذه الإذاعة المحلية أو تلك، فبقدر الوعي الذي تدركه تحصد النجاح، وتخلق التواصل الدائم مع محبيها وعشاقها الذين يجدون فيها خصوصيتهم، ونكهة التاريخ والتراث، ويتلمسون من خلالها جديد العصر وحداثته المقننة وغير الصادمة لذهنيته وأسس تفكيره المحدود، وغير المحدود.
(3)
وعندما تبتعد الإذاعة المحلية عن حرارة الانتماء الذي يجب أن تكونه في محيطها الصغير، وامتدادها الكبير، حرارة الانتماء التي لاتأتي إلا من خلال الإدراك الجيد لكل مقومات الشخصية المحلية التي تعيد تشكيلها وفق رؤية علمية عميقة، تدفع باتجاه بلورة ملامح جديدة لابد لها أن تحدثها بتراكم واستمرارية رسالتها الإعلامية، التي تنشد التأصيل، وتبتعد عن التغريب، وتعمل على إشاعة ثقافة الفهم الصحيح لمتطلبات العصر، ودواعي تطويره، وآفاق التجديد والتحديث المنشود، دون الانجرار إلى تخوم «السفه، والتشويش، والسقوط الفني، والمباشرة، والفجاجة الدرامية، والعشوائية» وكلها أشياء لا تأتي إلا إذا سادت «الكلوتة، والتهبيش، والسلبية، وشغل الزمن الإذاعي بمالايفيد ولاينفع، إن لم يكن مضراً» وهو ـ للأسف ـ سائد اليوم في الكثير من المؤسسات الإذاعية المحلية، والأغرب من ذلك عدم جدية قطاع الإذاعات المحلية بوزارة الإعلام في مواجهة الكثير من هذه الاخفاقات التي تلوث الفضاء المحلي بأمصال برامجية ثقافية وفنية وفكرية غير متماهية مع محيطها المحلي، وغير قادرة على الغوص في بحاره التراثية والشعبية، وتنقيتها وتنقيحها بمايتماشى وروح العصر وتقديمها في طبق إعلامي مثير وبديع، ونأمل في قادم الأيام أن يعمل القطاع على تقويم منافذه الإعلامية المحلية، والوقوف على ماتقدمه في رسالتها الإعلامية اليومية، وأن يذهب إلى التغيير الحقيقي إذا مااستدعى الأمر ذلك، وهو في بعض الإذاعات، كان لابد له أن يحدث منذ زمن بعيد، وتدرك قيادة القطاع العيوب القاتلة التي تقع فيها بعض قيادات الإذاعات المحلية وسقوطها الكبير في ماذهبنا إليه سابقاً، ولكن الصمت حتى هذه اللحظة سيد الموقف، وقد تجنبنا أن نخوض في الأمثلة، فهي واضحة للعيان، ولاتحتاج إلى إشارة، فهل يشهد العام الجديد تحركاً تقويمياً لمدى فعالية عمل هذه الإذاعات المحلية، وصولاً إلى التأصيل في الفضاء المحلي، لاتعميق التغريب المسف ؟!!

في الثلاثاء 08 يناير-كانون الثاني 2008 12:39:42 ص

تجد هذا المقال في 26سبتمبر نت
https://26sep.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://26sep.net/articles.php?id=1475