أهالي غزة إذ يفيضون على رفح.!!
كاتب/فيصل جلول
كاتب/فيصل جلول
يتداول اليمنيون مثالا شائعا يقول» إذا ما تجمعت المياه في مكان واحد فلا بد أن تجد مجرى لتدفقها» ويمكن الاضافة إلى هذه الحكمة بالقول أيضا أن المياه المتراكمة في مكان واحد يمكن ان تتحول الى مستنقع مؤذ لمحيطها ما لم تجد مخرجا يتيح لها الجريان.
أشير إلى هذا القول الحكمي لالقاء ضوء على فيضان قطاع غزة عبر الحدود في معبر رفح وكسر الحصار الاسرائيلي المضروب منذ شهور على القطاع.
  يستدعي هذا الحدث الاول من نوعه عددا من الملاحظات المهمة أولها أن قطاع غزة تحول عبر مصادرة إسرائيل اراضي الفلسطينيين وتهجيرهم من قراهم ومدنهم تحول على مر السنين إلى خزان بشري هائل تحيطه سدود اسرائيلية وسدعربي واحد في مدينة رفح المصرية .لقد تحول القطاع إلى مرجل من الصعب السيطرة عليه فكان أن انسحبت اسرائيل من القطاع وحطمت مستوطناتها واقتلعت مستوطنيها للمرة الاولى في سيرة الحركة الصهيونية على ارض فلسطين التاريخية وكان الرهان الاسرائيلي يقوم على ضبط غزة بواسطة السدود من الخارج وعبر السلطة الوطنية من الداخل.انتهى هذا الرهان الى فشل ذريع مع انهيار السلطة في غزة الصيف الماضي وسيطرة حماس على مقاليد الامور في القطاع.راهنت اسرائيل من بعد على الحصار والتجويع وقطع الكهرباء والوقود والادوية فكان ان انفجر سد رفح وشق النهر الفسطيني طريقه إلى الاراضي المصرية لفك الحصار والتزود بأسباب العيش اليومي. وثاني الملاحظات أن مصر ما كان بوسعها أن تزج بجيشها لقتل الفلسطينيين لأن اتفاقية سيناء لا تسمح لها بحشد جيش في هذه المنطقة والرأي العام المصري والعربي يؤيد كسر الحصار ويطالب به فيما القيادة المصرية كانت قد حذرت اسرائيل في مناسبات عديدة من أن تحويل غزة الى سجن أمر لايدوم لان السجناء الفلسطينيين سيجدون طال الزمن ام قصر سبيلا لتحطيم ابواب السجن والتحرر منه وهو ما حصل فجر الاربعاء الماضي.
 وثالث الملاحظات أن ما وقع في غزة يمكن ان يتكرر في الضفة الغربية فهناك ايضا يمكن للفلسطينيين من داخل وخارج الضفة اذا ما خضعوا لشروط قاهرة مماثلة ان يغامروا بفتح المعابر من الجهة الاردنية ولماذا لا يفعلون طالما انهم نجحوا في سيناء رغم المخاطر والجدار العازل والتهديدات.
ورابع الملاحظات أن السلطة الفلسطينية التي كانت تتعامل مع المعابر بوصفها جدران عازلة ابدية محصورة باسرائيل بات عليها اليوم ان تعيد تقدير هذه المسألة وبالتالي أن تصرف النظر عن مقترحات سابقة تقدمت بها حول ادارة المعابر بواسطة اسرائيل وذلك لسببين الاول هو ان المعابر مع اسرائيل تقع تحت سلطة الدولة العبرية ومعبر رفح بات تحت سيطرة السلطة المصرية منفردة ولعل مصر لن تتوانى عن التفاوض مع حماس من اجل تنظيم الانتقال عبر هذا المحور وقد لايكون للاوروبيين دورا في فتحه واغلاقه بعد الان ما يعني أن على السلطة الفلسطينية أن تبحث في تحقيق المصالحة الوطنية التي تشمل جميع القضايا وليس المعابر وحدها.
وخامس الملاحظات يفيد أن الحصار كسلاح تستخدمه اسرائيل كما يحلو لها بات مهددا من جهة رفح وبالتالي من الصعب على الدولة العبرية ان تعتبر ان ما حصل صباح الاربعاء الماضي هو خطوة عابرة لا يمكن ان يكون لها ما بعدها.
وسادس الملاحظات أن تحطيم معبر رفح يبرهن على فعالية المقاومة ومحدودية الاثر الناجم عن المفاوضات. لقد خاضت السلطة الفلسطينية مارثوناً طويلاً من المباحثات لتنظيم العبور من خلال رفح تحت سقف أوروبي إسرائيلي مشترك فاذا بالمقاومة تنتزع حق العبور بوسائلها وعلى الضد من الرغبة الاوروبية الاسرائيلية. ان مشهد الطوفان الفلسطيني عبر رفح على شاشات الفضائيات العالمية لا يمكن الا أن يعزز القناعة الفلسطينية والعربية بان التفاوض مع إسرائيل ليس شرطا لتحصيل الحقوق وليس معبرا للوصول اليها وهذا تطور باهر يضاف الى التطورات التي نجمت عن حرب لبنان.
وسابع هذه الملاحظات أن معبر رفح ما كان له أن ينفجر لولا موافقة مصرية ضمنية او موحى بها. لقد أدركت جمهورية مصر العربية وان بعد طول انتظار انها تتعرض للتهميش اذا ما ظلت ملتزمة بشروط اللعبة كما تريدها اسرائيل وواشنطن ولعل زيارة بوش الاخيرة للمنطقة وزيارته العابرة لمصر ناهيك عن الحملة الاوروبية التي تتعرض لها القاهرة تحت ستار حقوق الانسان ناهيك عن تجرؤ وزيرة الخارجية الاسرائيلية تسيبي ليفني على الحكومة المصرية وامطارها بانتقادات مهينة جراء السماح للحجاج الفلسطيينين بالعبور عبر معبر رفح كل ذلك يضاف الى التهديد الامريكي بخفض المساعدات مئة مليون دولار للجانب المصري.إن مجمل هذه العوامل لعبت دورا في ما وقع في رفح والراجح ان هذا الحدث اشبه برسالة للمعنيين بالامر من ان لمصر دورا مركزيا في قضايا المنطقة لا يمكن القفز عنه وبالتالي لا يمكن تهميش الدولة العربية الاكبر في العالم العربي والمرور في اراضيها مرور الكرام.
واخر الملاحظات التي ينطوي عليها هذا الحدث يكمن في قصور النظر الامريكي والاسرائيلي الى هذه المسألة وإلى غيرها من مسائل المنطقة المركزية. لقد توصل بوش وأولمرت إلى تصور بعد حرب لبنان يقول بأن من السهل حصار التيار المقاوم في العالم العربي بمفاوضات سلام بين السلطة الفلسطينية واسرائيل على أن تتم هذه المفاوضات بتغطية من الانظمة العربية.
انعقد مؤتمر انابوليس وبدأت على الفور ملاحقة المقاومين الفلسطينيين بالطائرات والدبابات والعبوات اغتيالا وتصفية وضرب حصار على القطاع وجال بوش في المنطقة مختالا على وقع المجزرة في غزة بيد ان ردود الفعل الشعبية في كافة انحاء العالم العربي وتحرك فلسطينيي الشتات اضطر ما يسمى بالدول المعتدلة الى سحب تغطيتها الضمنية لما يجري والى رفض الحصار اقله في العلن وكان أن انفجر معبر رفح واطاح الانفجار بالتصور الامريكي الاسرائيلي برمته ليتبين مرة أخرى أن الفلسطينيين والعرب « لا يؤكلوا أونطة» وان السياسات الامريكية والاسرائيلية المبنية على هضم الحقوق لامستقبل لها وانها « شي فاشل» على ما يقول العامة في بلاد الشام..تبقى الاشارة |إلى أن العرب من المحيط إلى الخليج غمرهم الفرح لرؤية الحشود الفلسطينية تحطم سد رفح ومن لا يرى معنى هذه الفرح على حقيقته لن يتمكن يوما من التعاطي مع شعوب هذه المنطقة بنجاح.لا يمكن للمرء أن يعول على بوش في ادراك هذه الحقيقة فهل يدرك الذين يأتون من بعده؟ ربما وفي كل الحالات لن يكون لديهم خيار آخر.
شكرا لاهالي غزة فقد بينوا مرة أخرى لمن يرغب أننا أمة تحصل على حقوقها ولا تموت.

في الخميس 24 يناير-كانون الثاني 2008 09:06:04 ص

تجد هذا المقال في 26سبتمبر نت
https://26sep.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://26sep.net/articles.php?id=1557