عرب الألفية الثالثة:أمريكا والاسلاميون حوار طرشان أم حوار مخدوعين ؟
كاتب/فيصل جلول
كاتب/فيصل جلول
تنتشر منذ شهور احاديث وشائعات عن حواراميركي مع الحركات الاسلامية في العالم العربي، وتترافق الاحاديث والشائعات مع تحليلات تقول ان الولايات المتحدة الاميركية عازمة على قبول الاسلاميين في الحكم في هذه الدولة العربية او تلك ان تم ذلك بواسطة الانتخابات، ويقال ان هذا الموقف الامريكي مخالف لموقف سابق اتخذته واشنطن من الجبهة الاسلامية للانقاذ في الجزائرعندما فازت بالاقتراع التشريعي عام 1990م، وحيل دون وصولها الى الحكم اذ الغت السلطات الجزائرية حينذاك نتائج الانتخابات ما يعني ان من المفترض ان يكون لدى الامريكيين دوافع واهداف تقف خلف الموقف الجديد.
قبل التطرق الى الدوافع والاهداف لا بد من الاشارة الى ان الحوار المعني يتم على مستويات مختلفة تارة بواسطة مسؤولين سابقين كما هي الحال بالنسبة لحوار بيروت مع حماس وحزب الله والجهاد الاسلامي أو عبر دبلوماسيين امريكيين او ممثلين غير مباشرين كما هي الحال في عدد من الدول العربية.
وفي السياق نفسه يلاحظ ان الحوار يتم في ظروف بالغة الصعوبة بالنسبة للولايات المتحدة فهي لم تتمكن حتى الآن وعلى الرغم من مضي عامين على حرب العراق من الثبات خارج المنطقة الخضراء في بغداد، وتخشى بالتالي على المشروع العراقي أن ينهار ومعه كل مساعيها الرامية الى السيطرة المحكمة على منابع النفط وطرق امداده من جهة واعادة ترتيب الاوضاع السياسية المحيطة بمصادر الطاقة بما يتلاءم مع تصورها الخاص لمصالحها وللعالم بعد 11 سبتمبر.
أدخل من هذا الباب للقول ان واشنطن تستعين بالاسلاميين الذين قبلوا التعاطي معها في العراق كواسطة لاقامة صلات مع نظرائهم العرب، فهي تستعين بالحزب الاسلامي العراقي في تعاطيها مع التيارات السنية والاخوان بصورة خاصة، وتستعين بحزب الدعوة الاسلامي الذي يقوده رئيس الوزراء ابراهيم الجعفري للتعاطي مع التيارات الشيعية.
اذا كانت دوافع الحوار المذكور مستمدة من الحالة العراقية، ومن موقع تفاوضي تعتقد واشنطن انه حاسم بوجود عشرات الآلاف من جنودها وقواتها في العراق، وحوله واذا كانت دوافع الحوار متصلة بتغيير وجه الشرق الاوسط والتعاطي مع القوى المؤثرة فيه، ومن بينها التيارات الاسلامية باستثناء الجهاديين، فإن الاهداف ربما تتجاوز الدوافع أو تفيض عنها.
و يلفت الانتباه هنا الىالطابع الاختباري للحوار في مرحلته الأولية حيث يمكن لواشنطن ان تقيس نوع ومدى تعاطي الاسلاميين معهاوردود افعالهم وافعال القوى المنافسة لهم وهل يؤدي الحوار الى صدمة ايجابية؟ هل يخيف الدول العربية وكيف ولماذا؟ وبعد الاختبار تتحدد الخطوات التالية.
في ظني ان ابرز الاهداف المرجوة امريكيا هو تخفيف الضغط عن العراق وحرمان المقاتلين العراقيين من مدى عربي - اسلامي يحتضنهم بحماس وبدون تحفظ أو تردد، كما هي الحال اليوم . وما دام هذا المدى العربي والاسلامي غير متفاعل مع المقاومة العراقية بطريقة تتيح قلب الطاولة على الاحتلال ومشروعه، فان كل ما من شأنه ان يعزز هذه الوضعية التي تنظر إليه واشنطن بعين العطف بما في ذلك الحوار مع تيارات الاسلام السياسي.
ومن أبرز الاهداف أيضاً تهديد الدول العربية المتباطئة في التعاون مع الاحتلال باسلامييها ومواصلة هذا التهديد حتى في حال تعاونت الدول نفسها بحماس مع المحتل، ذلك ان واشنطن ترى ان الفوضى البناءة أو الفوضى الايجابية في محيط العراق العربي هي خير من الاستقرار الذي يوسع هامش المناورة لدى الجميع بما يسمح لهم بالاهتمام والتفاعل مع تيار رفض الاحتلال في العراق.
وفي الاهداف ايضا حماية اسرائيل او مساعدتها على التخفف من الضغط والتعبئة واعمال المقاومة التي ينفذها المقاتلون في الاراضي الفلسطينية المحتلة، وفي جنوب لبنان والراجح ان الحركات الاسلامية التي تعبر عن قبولها شكلاً من اشكال التطبيع مع الدولة العبرية يمكن ان تتيح لها واشنطن الحصول على مكاسب في بلدانها، وقد تعطى الاولوية في الحوار الامريكي الاسلامي.الا انه من الصعب تخيل اندراج حركات اسلامية تمثيلية في هذه الخانة نظرا لكون خطابها مستمداً اصلاً من العداء لاسرائيل أولاً وامريكا ثانياً، وربما في الاهداف ايضاً وايضاً الاستناد الى الاسلاميين بوصفهم القوة الاكثر تنظيماً، والاستعانة بهم في حالة وقوع انهيار مفاجئ في بعض الدول التي تعتبرها واشنطن مختبرات للتغيير، ففي هذه الحالة يمكن للاسلاميين المتفاهمين مع امريكا أن يعبئوا الفراغ الناجم عن انهيار هذه الدولة أو تلك، وفي هذه الحالة يكون الحوار معهم من النوع الاستباقي الوقائي.
يبقى ان واشنطن تستطيع من خلال الحوار مع الاسلاميين ان تقطع العشب من تحت اقدام الجهاديين الذين يستندون الى الاسلام في حملاتهم التعبوية. واذا نجح الحوار تستطيع الولايات المتحدة ان تضرب حولهم عزلة معنوية عبرالقول هاهو الشيطان الاكبرالمزعوم يتعاون مع حركات الاسلام السياسي، وبالتالي ليس جديراً بالعداوة التي يدعيها الجهاديون.
يتيح ما سبق القول ان الطرف الوحيد الرابح من هذا الحوار هو الولايات المتحدة التي ستبدو شئنا أم ابينا، وكأنها استطاعت ان تكسب الى صفها اعداءً موصوفين سبق لها ان كسبت ثقة رفاق لهم في العراق .
ثمة من يقول ان واشنطن ستعطي الاسلاميين حلاً للقضية الفلسطينية يوفر لهم هامشاً للمناورة في التعاطي معها، وهذا قول صحيح اذا ما افترضنا ان الحل المنشود قابل للحياة في حين ان الدلائل المتوافرة حول هذا الحل تجمع على استبعاد قضية اللاجئين، وعدم الرجوع الى حدود 67 وتأجيل الانسحاب من الجولان الى موعد تتعهده المفكرة الاغريقية.
ليس الحوار بين امريكا والاسلاميين حوار طرشان، كما كان من قبل، انه حوار تستخدم فيه أذن واحدة حتى الآن بانتظار استخدام الأذن الأخرى، ربما توجب تحذير اسلاميينا من الخدعة المنصوبة لهم عبرالقول بحقهم في التفاوض مع امريكا، طالما أنها تتفاوض مع الأنظمة، فهذه الخدعة تخبيء صراعات اهلية خطرة تسلم واشنطن, بسببها, ويخسر المتصارعون.

في الخميس 26 مايو 2005 07:10:42 م

تجد هذا المقال في 26سبتمبر نت
https://26sep.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://26sep.net/articles.php?id=196