عن الهزيمة والصحافة والمعارضة
كاتب/فيصل جلول
كاتب/فيصل جلول
نتوقف عزيزي القاريء هذا الاسبوع عند محطات ثلاث، ارتأيت مشاركتك الرأي فيها، الأولى تتصل بهزيمة حزيران يونيو عام 1967، والثانية تتصل بأداء بعض تيارات المعارضة في العالم العربي، والثالثة تتصل بحرية التعبير والإعلام حجباً وتقييداً فإلى التفاصيل. حزيران كمان وكمان
ثمة فئة معينة من العرب لا تريد لهزيمة حزيران يونيو عام 1967 أن تمضي، وذلك رغم أن إسرائيل التي انتصرت في حرب الشهر المذكور قد هُزمت من بعده في ثلاث مناسبات، ورغم أن الظروف التي وقعت في ظلها الهزيمة ما عادت قائمة، ورغم أن أجيالاً جديدة من العرب نهضت على وعي مختلف، وعلى ارادة ثابتة في رفض الهزيمة والمهزومين، والبحث عن سبل أفضل لمجابهة الدولة العبرية.
ولكن لماذا تصر تلك الفئة على التمسك بثقافة الهزيمة؟ الجواب هو ببساطة أن الشعور بالهزيمة تسلل إلى ثقافتنا واستقر فيها الى حد بتنا لا نعرف معنى الانتصار وأن انتصر بعضنا على اسرائيل نخال انتصاره هزيمة، ونفترض أن علينا أن نشده إلى الخلف بوصفه مهزوماً وليس منتصراً. تلك حال الجيوش العربية في العام 1973 التي كان بوسعها القتال زمناً اطول، وبعزيمة اكبر وتحقيق انتصارات أهم وارفع شأناً، بيد ان بقايا العقلية المهزومة فرضت مساراً آخر للحرب، و ادت إلى سلام المهزوم وليس سلام المنتصر، والى النتائج التي نعرف وتعرفون.
لا تستدعي مناسبة حزيران يونيو الاحتفال والتهليل، وهي يجب ان تمضي مع الماضي من الاحداث وان لم تمض بعد ليس لأننا على هزيمة مقيمون بل لأن بعضنا، وبخاصة قطاعات مهمة من النخبة رضعت من حليب الهزيمة، حتى اصبحت مفطورة عليها، وهذه القطاعات اشبه ببقايا ظاهرة كانت يوماً طاغية وشاملة لفضاء التفكير والنظر في الشؤون العربية، ومن حسن الحظ أنها لم تعد اليوم منفردة بسيطرتها على هذا الفضاء الأمر الذي يحملنا على التطلع الى حزيران القادم بمهزومين أقل وبمنتصرين على ذاتهم اكبر.
عارض المعارضة
ثمة حركات معارضة في العالم العربي لايعني الوطن شيئا لها، الا اذا كانت في السلطة وان غابت عنها فلا الوطن ولا أهله يستحقون عناء الحرص والعمل لاستدراك الأخطار المحيطة به، حتى بات القول بحقها يستحق التوصيف التالي «إن لم اكن انا الدولة فلا وطن يستحق الذكر والوجود» . هكذا جاء المعارضون على ظهر الدبابات الامريكية الى العراق نكاية بالنظام السابق ووضعوا مصير العراق على طاولة البحث وجوداً وتاريخاً وانتماء ومجتمعا وغطوا بفعلتهم الشنيعة مجزرة بحجم يفوق المليون عراقي وتهجيرا بحجم يفوق الأربعة ملايين، وخراباً بحجم عصي على الحصر. وهكذا كان اسلاف المتمردين الحاليين في اقصى الشمال اليمني يغتالون الوطن عبر تلقي الدعم من اسرائيل، وكل مرتزقة العالم في مناهضتهم للنظام الجمهوري دون ان يرف لهم جفن، في حين لا يتورع احفادهم عن التمرد الدموي على ايقاع الدعم الخارجي الطائفي منه والثأري على حد سواء، فيما بعض المعارضة يفرك يديه منتظرا ومراهنا على الخراب، و بعض آخر يشد خفية على ايدي المتمردين دون أن يعبأ هذا البعض أوذاك بالمأزق الذي ينتظره بعد انهيار التمرد وبالخسارة التي يدفع الوطن ثمنها من لحمه الحي. وهكذا افتعل معارضون في السودان حرباً أهلية في دارفور تهدد وحدة الوطن وتفتح شهية الدول الأجنبية على افتراسه وكل ذلك نكاية بالنظام. وهكذا افتعل معارضون في الصومال نكاية بنظام سياد بري حرباً تدميرية مازالت مشتعلة حتى اليوم.وهكذا كان معارضون وموالون في لبنان خلال ثلاثين عاماً يجلبون اسرائيل وامريكا وأوروبا وروسيا وكل دول العالم الى بلدهم الذي كاد أن يسقط من خريطة الأوطان أكثر من مرة وذلك نكاية بمواطنيهم. وهكذا مازال معارضون «استقلاليون» في المغرب الكبير يشدون عرب المغرب الى الارض، منذ أكثر من ثلاثين عاماً ويستنزفون ثروته ويجمدون مصيره بزعم البحث في مصيرهم وعددهم لا يصل الى نصف المليون... هذا غيض من فيض، بل هذا عارض من عوارض بعض من يحتل مقاعد المعارضة ونقول بعض المعارضة، لأن من حسن الحظ أن البعض الآخر منها يقيس افعاله ومواقفه بمقاييس وطنية وليس أجنبية، ويعمل تحت سقف الداخل وليس بارادة الخارج، و يرد الظلم عنه بوسائل شريفة هي وحدها التي تؤهله لتولي زمام الأمر.
عندما تقول وسائل الاعلام العربية في السلطات الحاكمة اكثر مما قاله «مالك في الخمر» فلا يجوز لها بالمقابل أن تلتزم الصمت حيال اداء بعض «المعارضات العربية» التي ترتكب الكبائر بحق اوطانها، متنكرة بزي المعارضة ذلك انه لا يكفي أن يحتل فريق ما مقعداً في المعارضة، حتى تصبح مواقفه الشنيعة محمية من النقد ومحاطة بالعطف وبعيدة عن الاضواء و معذورة إن لم تكن مشكورة.
تدبير أحمق
 يعرف “شاتوبريان” الصحافة بقوله “إنها الكهرباء الاجتماعية كلما زعمتم القدرة على احتوائها كان انفجارها قوياً. لذا يتوجب الانصياع للتعايش معها”، ولعله يرد بطريقة ما على مواطنه “هونوريه دو بلزاك” الذي يرى أن “الصحافة جحيم بل هاوية يتكدس فيها الكذب والجور والآثام والخيانات” ويضيف “لو لم تكن الصحافة موجودة لما توجب اختراعها”. عاشت الصحافة وما زالت تعيش بين هذين الرأيين منذ تحولها الى سلطة حقيقية مع عصر الثورة الصناعية في أوروبا، والراجح انها لن تكف عن العيش بين حد الامتعاض والتذمر والشتم والإدانة وحد القبول بقواعد اللعبة التي تفرضها طوعاً أو قسراً. ولعل «شاتوبريان» كان سيقول ما قاله «بلزاك» لو أنه خضع للحملات الصحافية التي تناولته بسبب فضائحه المالية والنسائية. بالمقابل أظن أن مؤلف “الكوميديا الإنسانية” كان سيذعن الى التعايش مع الصحافة لو عاش في عصر مريديه، ومن بينهم «اميل زولا» الذي أطلق بواسطة الصحافة وظيفة المثقف الملتزم من خلال مقاله الشهير “إني أتهم” الذي دافع فيه عن الضابط الفرنسي اليهودي الأصل الفريد «درايفوس». ولعل سجال الفرنسيين والأوروبيين عموماً حول الصحافة انتقل إلى غيرهم من الشعوب والأمم ومنهم العرب حيث ما زلنا حتى اليوم نصادف في حياتنا اليومية آراء متذمرة من الصحافة ومطالبة بحجبها أو تقييدها وأخرى تدعو لعدم المس بها.
اقول هذا الكلام على هامش اغلاق وسائل اعلام «تيار المستقبل» في بيروت الشهر الماضي خلال الاشتباكات المسلحة التي دارت في شوارع العاصمة.
ما من شك في أن الطرف الذي بادر الى إقفال وسائل إعلام «تيار المستقبل» لثلاثة أيام ارتكب حماقة موصوفة، فقد عزز حجج التيار لدى جمهوره بخاصة ولدى الرأي العام اللبناني عموماً، وإذ نتحدث عن الطرف المسؤول دون تسميته فذلك لأن أحداً لم يتبن فعل الإقفال بطريقة رسمية ولم يبرره، علماً أن حزب الله المتهم بهذا الفعل الشنيع قد أصدر بياناً على لسان النائب حسن فضل الله يستنكر الواقعة ويطالب باستئناف عمل المحطة، وإن صح ذلك فلربما يتوجب على الحزب أن يبين وقائع ما حصل وان يكشف التفاصيل الكاملة أمام الرأي العام.
لا تنطوي الخريطة الإعلامية في لبنان على ملائكة في جهة وشياطين في جهة أخرى وبالتالي لا يملك أحد الحق في عقاب أحد على أدائه الإعلامي بالحجب والمنع، ولعل العقاب الوحيد المشروع يصدر عن المؤسسات الرسمية التي تضطلع وحدها بهذا الدور. تبقى الإشارة الى درس يرافق طلاب كليات الإعلام خلال سنواتهم الدراسية حول تعذر حجب الوقائع الساطعة، فكل حجب يستدعي رغبة جامحة في كشف اللثام عن المحجوب، وبالتالي تحرير الوقائع من قيودها، ولعل «مونتسكيو» كان سباقاً الى هذا الاستنتاج عندما قال: “مهما فعلنا فإن الحقيقة تهرب دائماً وتخترق الظلام الذي يحيطها.» 
  

في الخميس 05 يونيو-حزيران 2008 08:53:21 ص

تجد هذا المقال في 26سبتمبر نت
https://26sep.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://26sep.net/articles.php?id=1969