وصايا الاغنياء للفقراء
كاتب/فيصل جلول
كاتب/فيصل جلول
  صار الانترنت وسيلة اتصال لاغنى عنها في الحياة اليومية على كل صعيد في الدول المتقدمة حتى بات بوسعنا القول ان احدا لايجرؤ على المغامرة بتفادي هذه الوسيلة «الثورية» المعاصرة او رفضها. و مع انها غنية بلا حدود فان استخدامها المفيد يستدعي تحكما ذاتيا حتى لا يصبح النت عبئا ومصدرا لقتل الوقت.
حديثنا اليوم ليس عن النت عموما وتشعباته وانما عن البريد الالكتروني الذي يحمل اليك ان كان معمما على من تريد ومن لا تريد الكثير الكثير من الرسائل التي يمكن الاستغناء عنها والقليل القليل من المفيد والمدهش بينها.
ومن بين المفيد وصلني مؤخرا بريد من احد الاصدقاء الذي يختار وينتقي رسائله بعناية وذوق رفيع والرسالة تتحدث عن الفرق بين اسباب غنى الدول المتقدمة و فقر الدول الفقيرة.و يعدد البريد ثلاثة مجالات شائعة وينفيها وهي :
التاريخ
الفرق بين الدول الغنية والفقيرة لا يرجع الى قدمها وتوغلها في التاريخ فمصر والهند موجودة منذ اكثر من الفيتين ولكنها فقيرة في حين ان كندا ونيوزيلاندا واوستراليا لم تكن موجودة قبل قرن ونصف القرن ومع ذلك فهي متطورة وغنية. وهذا لايعني بطبيعة الحال ان كل الدول القديمة فقيرة وكل الدول الحديثة غنية فالعديد من دول افريقيا حديثة العهد وليست غنية والعديد من دول اوروبا موغلة في قدمها وهي متطورة وغنية.
الموارد الطبيعية
ليس فقدان الموارد الطبيعية سببا للفقر والغنى ذلك ان اليابان مساحتها محدودة وتغطي ثمانين بالمئة من ارضها الجبال غير الصالحة للزراعة وتربية الماشية وتضربها الزلازل والبراكين بصورة دورية ولكنها تمثل ثاني اكبر اقتصاديات العالم وهي عبارة عن مصنع كبير عائم يستورد المواد الخام لانتاج مواد مصنعة ويصدرها لكل دول العالم.
وسويسرا مثال اخر فهي لا تزرع الكاكاو ولكنها تنتج افضل الشوكولاتة في العالم اما مساحتها الزراعية الضئيلة فهي تستغل لمدة اربعة اشهر في السنة فقط ولكن سويسرا تنتج اهم منتجات الحليب في العالم ثم انها تعتبر بمثابة الخزنة المالية للكرة الارضية بسبب الامن والاستقرار فيها.
  التميز العرقي
ليس الاختلاف العرقي سببا للغنى والفقر ذلك ان الناس من كل الاعراق يتساوون عقليا. ونلاحظ ذلك في المنظمات الدولية وغيرها حيث يتجاورون ويعملون معا واذ يقال ان الناس كسالى في افريقيا والدول المتخلفة فهذا القول لا يستند الى ادلة علمية ذلك ان مهاجري هذه البلدان الموصوفين بالكسالى هم القوة المنتجة الاساسية في البلدان الاوربية ناهيك عن أن نجوما في كرة القدم يعودون في اصولهم الى البلدان الفقيرة نراهم لامعين في اوروبا مثلهم كمثل غيرهم من الاوروبيين.
وما دام التاريخ والموارد والتميز العرقي لا يفسر فقر وغنى البلدان فما هو التفسير الصحيح اذن؟ هنا تقول الرسالة ان الفرق يكمن في الثقافة وفي التربية وان الغنى في البلدان المتطورة ناجم عن المباديء التالية:
  مباديء تجلب الغنى:
اولا:الاخلاق كمبدأ اساسي.
ثانيا: الاستقامة.
ثالثا: المسؤولية.
رابعا: احترام القانون والنظام.
خامسا: احترام الناس لحقوق بعضهم البعض.
سادسا: حب العمل.
سابعا: حب الاستثمار والادخار.
ثامنا: السعي للتفوق والاعمال الخارقة.
تاسعا: الدقة.
وتنطوي الرسالة على تعليق يقول ان قلة من الناس تتبع هذه المباديء في البلدان الفقيرة في حين تتبعها الغالبية الساحقة في البلدان الغنية ما يعني ان الفرق بين الغنى والفقر ناجم عن السلوك الانساني اولا واخير. هنا تنتهي الرسالة فهل ما ورد فيها يتمتع بالصدق والموضوعية؟
ما من شك ان المباديء المذكورة تكتسب اهمية كبيرة في تراكم الثروة وبلوغ الغنى لكنها ليست حصرية. فالغنى والفقر بين البلدان يحتاج ايضا الى تفسير تاريخي حيث نلاحظ ان تجميع الثروة في المعسكر الغربي هو محصلة طويلة للنهب الذي طال القارات الثلاث وبخاصة افريقيا وقد بنى الاغنياء على الثروة المنهوبة نظام علاقات ما زال يحفظ الغنى ويعمل على توريثه من جيل الى جيل.
ويجب الا نهمل القوة والنفوذ ذلك ان البلدان الغنية محمية باقوى جيوش العالم واكثرها تطورا في حين ان الاغنياء يتسببون غالبا بعدم استقرار الفقراء وجعلهم يلتقطون انفاسهم لمراكمة الثروة و زيادتها في بلدانهم.
 تبقى الاشارة الى ان ثقافة الغلبة تولد الحاجة للتفوق والتغلب وبالتالي حفظ المسافة الفاصلة بين الغالب والمغلوب. وهذه الاشارة ليست لتبرير تخلفنا وليست لالقاء اسباب فقرنا على غيرنا وحده فنحن ايضا نتحمل المسؤولية من خلال تمسكنا بايديولوجيات زمنية وروحية انتهت مدة صلاحيتها ومن خلال بعض أنماط تفكيرنا التي تعود الى 14 قرنا ناهيك عن شعورنا المضمر بالدونية.
نعم هذه وتلك هي بعض ابرز اسباب غناهم وفقرنا وهي تستحق التامل والنقاش والجدل .
  mfjalloul@hotmail.com  
في الخميس 26 يونيو-حزيران 2008 08:15:27 ص

تجد هذا المقال في 26سبتمبر نت
https://26sep.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://26sep.net/articles.php?id=2033