الديموقراطية الوهمية إذ تصطدم بالوقائع القاهرة
كاتب/فيصل جلول
كاتب/فيصل جلول
 راهن كثيرون على تحول المثال الانتخابي الموريتاني الى نموذج يحتذى في الديموقراطية على الطريقة العربية وصدم كثيرون جراء التطورات الاخيرة التي نشأت عن الصراع في رأس الدولة بين الرئيس وقادة الجيش. الرهان كما الاحباط ينم عن تقدير مبالغ لوقائع هذا البلد وللديمقراطية نفسها اذ تغدو كعصا سحرية يؤمل من خلالها القضاء على مشاكل قرنية

   وتوفير حلول سهلة لقضايا معقدة والحصول على مستقبل وردي خلال دورة انتخابية واحدة. ومن غير المستبعد ان يكون هذا «الوهم الديمقراطي»- إن جاز التعبير- مسؤولا جزئيا على الاقل عما وقع مؤخرا في موريتانيا لكن كيف نصف ما حدث؟ وماذا لو توفرت حلول أخرى.؟

ربما كان الرئيس الموريتاني السابق سيدي محمد ولد الشيخ عبدالله يراهن على المجتمع الدولي في حمايته من ردود فعل قادة الجيش والدرك والامن الداخلي الذين اقالهم في بيان واحد صبيحة السادس من آب اغسطس الماضي. كان رهانه صحيحاً في الشكل وخاطئاً في المضمون فقد صدرت ادانات امريكية واوروبية وافريقية للانقلاب العسكري الذي تلا البيان وعلقت عضوية موريتانيا في الاتحاد الافريقي واتخذت اجراءات في المؤسسات الدولية وأدين الانقلاب بعبارات هادئة ولربما حدث ذلك على سبيل الضغط على السلطة الجديدة من اجل تحديد برنامج سريع لانتخابات جديدة. ومن ثم ساد الصمت وانصرف المعنيون لمتابعة الالعاب الاولمبية ومواكبة الحرب الروسية الجورجية المفاجئة حول اوسيتيا الجنوبية. في هذا الوقت كان الجنرال محمد ولد عبدالعزيز يستقبل سفراء الدول الكبرى ويجري اتصالات خارجية بمن يعنيهم الامر لترتيب شؤون الحكم الجديد وكأن شيئا لم يكن.

وربما كان الرئيس السابق يظن ان المعارضة والموالاة في نواكشوط ستهب للدفاع عنه إذا ما انقلب على الجيش حتى تحفظ حقها في السيرورة الديمقراطية التي اتفق الجميع حول وجوب حمايتها من الانقلابات.هنا ايضا كان رهانه صحيحا في الشكل وخاطئا في المضمون فقد صدرت بيانات مناهضة للانقلاب باسم بعض المعارضين في حين بارك المعارض الابرز احمد ولد دادة الانقلاب فضلاً عن ممثلين لارعين حزب ومن ثم تراجع الحماس في الدفاع عن الرئيس المخلوع رغم الفرص المتاحة للكلام والادانة ذلك ان العسكريين لم يعلنوا الاحكام العرفية ولم ينظموا حملة اعتقالات واسعة ولم يوقفوا الارسال المباشر للفضائيات العربية الى حد ان قناة «الجزيرة» بثت نشرتها المغاربية من نواكشوط بعد توقفها منذ شهور عن البث من الرباط. و لم تلاحظ القناة القطرية ان الشارع الموريتاني يغلي دفاعا عن رئيس انتخبه قبل 15 شهرا بأكثرية ساحقة كما لم تلاحظ ان هناك من يريد الموت فداء له.

لقد اهمل الرئيس المخلوع في حسابه لردود الفعل المتوقعة على بيانه حقيقة أن الشارع الموريتاني يعرف بالتواتر القبلي كل التفاصيل المتعلقة باختياره رئيسا (ولو بالاقتراع الشعبي) و من بينها ان العسكريين دعموا رئاسته وأن خلافه معهم ليس على «الديمقراطية» وانما على وسائل الحكم.هو يريد حيزا دائما له ولانصاره واقربائه وهم يريدون شيئا آخر.هو انتشى برئاسته وظنها محرمة ومحمية ومحصنة بالعلاقات الدولية وهم ارادوا القول لمن يسمع: إن الحصانة والحماية تكون منهم ولهم. هو اعتقد انه يتمتع بحق رئاسي كحقوق الرؤساء الغربيين وهم برهنوا ثانية انهم يتمتعون بحقوق وطنية عليا كحقوق الجنرالات الاتراك والجزائريين,

ثمة من يدافع عن الرئيس السابق بوصفه عنوانا ل «ديمقراطية» فريدة من نوعها في افريقيا وفيما كان يسمى ب «العالم الثالث» عموما وهو دفاع يستحق الثناء في جانبه المبدئي فالخطاب الديمقراطي لا يتناسب مع اساليب الانقلاب العسكري لكن الدفاع عن الديمقراطية الموريتانية يهمل لسبب ايديولوجي اخطاء الرئيس ومن بينها الاطاحة في بيان واحد بقادة الجيش الكبار في حين ان خطوة من هذا النوع ما كان لها ان تمر مرور الكرام حتى في الديمقراطيات الغربية العريقة فلو اقيل قادة الجيش في سويسرا الوادعة بهذه الطريقة لما تمت الاقالة على خير. علما ان الحكام المنتخبين في اوروبا يحترمون الهرمية العسكرية في جيوشهم ويباركون الترقيات والمناقلات التي تاتيهم من قادة تلك الجيوش ولعل الحالة الوحيدة التي يقال فيها قادة الجيش في ان واحد هي حالة الهزيمة العسكرية الشاملة اثر حرب طاحنة وهنا لا ينتظر العسكريون قرار اقالتهم فهم يبادرون الى التخلي عن مناصبهم احتراما لمجتمعهم وللمؤسسة العسكرية ولانفسهم اولا واخيرا.

لم يهزم الجيش الموريتاني في حرب طاحنة حتى يقال قادته في بيان مقتضب بدون تعليل مناسب ولم تترسخ قواعد الديمقراطية في البلاد بما فيه الكفاية حتى يصبح الجيش مهيئا للرضوخ لارادة السياسيين المنتخبين ذلك أن عمر التجربة الجديدة في هذا البلد لا يتجاوز الشهور الخمسة عشر وهي انطلقت بمبادرة من عسكريين انقلابيين قرروا في العام 2005 وضع حد لسلطة زميلهم معاوية ولد سيدي احمد الطايع المطلقة وتسليم السلطة المدنية للمدنيين عبر صناديق الاقتراع وبالتالي لا يمكن التخلي عنهم او معاقبتهم بهذه الطريقة المهينة.

 اغلب الظن أنه كان يمكن لاول تجربة ديمقراطية في العالم العربي ان تكون مفيدة كمثال لو اعتمد الرئيس السابق احد السناريوهات التالية:

أولا: الاستقالة من منصبه لتعذر الحكم بسبب ضغوط العسكريين وفي هذه الحالة كان سيضع الجنرالات في موقع شديد الحرج.

ثانيا:التوصل الى مساومة خلف الاضواء مع الجنرالات او مع مؤيديهم في مجلس النواب والشيوخ تتيح حفظ ماء الوجه للجميع وتعين الجميع على تجاوز ازمة الحكم.

ثالثا: الرهان على الوقت لحل الازمة الناجمة عن استقالة الشيوخ والنواب و من ثم التلويح بمساومة مشرفة.

رابعا: التشاور العلني مع الكتل السياسية المعارضة والموالية في وسائل حل المشكلة واعتماد حلول وسطية بعد هذه المشاورات التي يمكن نقل وقائعها عبر وسائل الاعلام.

 الراجح ان الرئيس السابق لم يعتمد هذه السيناريوهات لاعتقاده ان رئاسته محصنة دوليا وان اضواء العالم مسلطة على بلاده وهو اعتقاد صحيح لكن ليس الى حد توفير الحصانة الداخلية وهي شرط الرئاسة وعلتها.

     
في الخميس 21 أغسطس-آب 2008 09:27:11 ص

تجد هذا المقال في 26سبتمبر نت
https://26sep.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://26sep.net/articles.php?id=2177