الأزمة العالمية الحالية:إلى أين ستدفع بالعالم؟1
بروفيسور/سيف مهيوب العسلي
بروفيسور/سيف مهيوب العسلي
يجمع الكل على ان العالم يواجه أزمة غير مسبوقة لكن البعض يقر فقط بوجود أزمة مالية و القليل من الناس يعتقدون بالاضافة الى ذلك بوجود أزمة اقتصادية. لكن المؤشرات المتعددة تدل على اتجاه العالم نحو أزمة عالمية شاملة.
فالأزمة المالية تعني وجود اختلالات في القطاع المصرفي و المالي و بالتالي فان أثارها محدودة و ان المعالجات المطلوبة تقتصر على الجوانب المصرفية و المالية. أما الأزمة الاقتصادية فتعني ان الاختلالات المالية و المصرفية هي نفسها ناتجة عن اختلالات اقتصادية حقيقية و ان أثارها لن تقتصر فقط على القطاع المالي و المصرفي و إنما ستمتد الى القطاع الحقيقي إي الى الاستهلاك و الإنتاج و ما يتعلق بهما من جوانب و بالتالي فان المعالجات المالية و المصرفية غير كافية الامر الذي يتطلب وجود معالجات اقتصادية واسعة. أما الأزمة العالمية الشاملة فإنها تعني ان الاختلالات الاقتصادية قد تتسبب في أزمات سياسية و اجتماعية و ثقافية و بالتالي فانه يجب ان تكون هناك معالجات سياسية و اجتماعية و ثقافية الى جانب المعالجات الاقتصادية و المصرفية.
و لمعرفة ما يجري فانه لا بد من التعرف على الحقيقة كما هي بدون تهويل او تهوين. فلا توجد إي علامة على ان القيامة ستقع في الوقت القريب و لا توجد مؤشرات على ان النظام الاقتصادي العالمي سينهار تماما و لا توجد دلائل على ان العالم سيشهد تغيرات جذريا كما حدث في بداية القرن الماضي. و مهما كانت حقيقة ما يجري سواء كان ذلك يعبر عن أزمة مالية أو ازمة اقتصادية أو ازمة عالمية فانها قابلة للحل و ان الحياة ستستمر بعدها. فلا زال بمقدور الإنسان النجاح في تجاوزها مهما كانت تكلفة ذلك كبيرة. لكن من المؤكد ان العالم بعد الأزمة لن يكون كما كان قبلها.
و مهما كانت هذه الأزمة قاسية فان لها بالتأكيد نتائج ايجابية. فالإنسان دائما يقاوم التغير و تأتي الأزمات لإجباره على ذلك لان الحياة تكون رتيبة بدون التغير. فتجارب الإنسانية السابقة مع الأزمات تؤكد على ذلك. فقد أجبرت الأزمات الإنسان على التأقلم مع التغيرات الجديدة التي لا يستطيع او لا يرغب بالتعامل معها إلا في حال وقوع الأزمات. إنها تدفعه لتغير ظروف عيشه و قواعد تعامله مع بعضه البعض. و في حالات كثيرة فان هذا التغير يكون للأفضل و ليس للأسوأ.
و لذلك فان تلمس الاتجاه الذي سيأخذه العالم نتيجة لهذه الأزمة ينبغي ان يكون واقعيا و بعيدا عن التشاؤم او التفاؤل المفرطين. و لذلك فمن الأهمية بمكان التعرف على حقيقة الأزمة التي يواجهها العالم على التكاليف المترتبة عليها و على الايجابيات التي تحملها.
و بما ان هناك إقرارا عالميا بوجود أزمة مالية فان هذا المقال لن يناقش دليل او أدلة و جودها و إنما سيركز على معرفة ما اذا كانت هذه الأزمة مالية فقط أم اقتصادية او شاملة و متطلبات التعامل معها و النتائج المتربة عليها سواء كانت ايجابية او سلبية. ان فعل ذلك مهم للتعرف على الاتجاه الذي سيأخذه العالم نتيجة لذلك.
و لتوضيح ذلك فانه لا بد من إيجاز أهم الوظائف المفترضة للقطاع المالي و المصرفي و التي هي الوساطة المالية و توفير السيولة و تسهيل المدفوعات و تطوير و تحويل الأصول المالية و إدارة التمويلات و تسهيل التجارة الدولية و تقديم النصائح و الاستشارات المالية للمتعامين معها وعلاقة ذلك بالأنشطة الاقتصادية الحقيقية مثل الإنتاج و الاستهلاك.
و من الأهمية بمكان ان نشير هنا ان هذه الوظائف لم تظهر دفعة واحدة و إنما ظهرت عبر تطور تاريخي. فقد وجدت الوساطة المالية مع ظهور البنوك التجارية و التي مثلت النواة الأولى للقطاع المصرفي و المالي. فقد كان قبول الودائع من المدخرين و تقديم القروض للمستثمرين أهم أنشطة البنوك التجارية. و قد توسع نشاطها مع الزمن ليشمل أنشطة أخرى مرتبطة بالوساطة المالية مثل توفير السيولة من خلال فتح الحسابات الجارية و تسهيل المدفوعات من خلال الشيكات و إجراء المقاصة و غيرها من الوسائل الاخرى. و مع تراكم الخبرات لديها فقد وسعت نشاطها استجابة لتطور عمليات التجارة الدولية إلى مجالات جديدة مثل تقديم الضمانات و الاعتماد المستندية و خصم الأوراق التجارية و غير ذلك من الخدمات المالية و النقدية. فلم يتوقف نشاطها في بعض الدول عند هذا الحد بل انه سمح لها بتملك السلع الحقيقة مثل الأراضي و المصانع و الدخول مباشرة في أنشطة حقيقية مثل المتاجرة في السلع و غير ذلك من الأنشطة الحقيقية الأخرى. و لقد سهل ذلك تطور البنوك التجارية الى ما يطلق عليها اليوم بالبنوك الشاملة و التي تعمل في دول مثل ألمانيا و غيرها من الدول.
و لقد مثل هذا التطور ظهور قوة اقتصادية احتكارية كبيرة. فإلى جانب تحكم هذه البنوك بالتمويل فانها ايضا تنافس المؤسسات الاستثمارية و التجارية في أنشطتها. و لا شك ان عملية التنافس هذه كانت لصالح المؤسسات المصرفية و مضرة بالمؤسسات الاخرى. و لا شك ان بذور الأزمة الحالية يرجع و بشكل كبير الى هذا التركز و الذي انتقل من المستوى المحلي الى المستوى الدولي بفعل تأثير العولمة.
و من الغريب في الامر ان هذا التركز قد حدث حتى في الدول التي سعت الى منعه بكل الوسائل الممكنة. فقد عمدت بعض الدول مثل الولايات المتحدة الأمريكية إلى إصدار تشريعات تمنع البنوك التجارية من ممارسة الأنشطة الحقيقية وحصر نشاطها في الأعمال المصرفية أي في الوساطة المالية و توفير السيولة و تسهيل عملية المدفوعات. و على الرغم من ذلك فقد نجحت البنوك في هذه الدول في التحايل على هذه التشريعات و وسعت نشاطاتها غير المصرفية بإشكال مختلفة. و قد نجحت هذه البنوك بالضغط على حكوماتها لتعديل القوانين المنظمة للأعمال المصرفية لتسمح لها بممارسات الأنشطة الحقيقة من التجارة و الاستثمار و غيرها.
و لعل من أهم الطرق التي اتبعتها هذه البنوك هي إقامة مؤسسات مالية و مصرفية تحت مسميات مختلفة مثل صناديق التوفير البريدي و صناديق الادخار التعاوني و الاتحادات الائتمانية المهنية المختلفة و بنوك الاستثمار و شركات التمويل المختلفة والشركات المصرفية القابضة و الشركات التمويلية القابضة و غيرها من المسميات. و نتيجة لذلك فقد توسعت أنشطة هذه المؤسسات لتشمل الأعمال المصرفية و الأنشطة الحقيقية. و يمكن القول بان هذه المؤسسات فقد نجحت في إزالة معظم الحواجز بين الأعمال المصرفية و المالية من ناحية و الأعمال التجارية و الاستثمارية من ناحية أخرى.
و لقد ترتب على ذلك ليس فقط توسع نشاط الوساطة المالية و توفير السيولة و تسهيل المدفوعات و التي تمثل المجالات المصرفية و إنما توسع نشاطها ليشمل قيامها بخلق و تطوير و تحويل الأصول المالية و ممارسة الاستثمار و المتاجرة و تقييم الأصول و إدارة المديونيات و الأموال و المشاركة في الصناديق الاستثمارية المختلفة. و نتيجة لذلك فلم تعد الأصول المالية مقتصرة فقط على السندات و الأسهم و إنما توسعت لتشمل أصول هجينة أطلق عليها المشتقات المالية. أنها تتميز بأنها ليست أصيلة و إنما هي تغير و تحويل لها. و قد تعددت هذه المشتقات ليس فقط لتعدد أصولها و إنما لاختلاف العوائد عليها و فترات استحقاقها. و قد ساعدها على التعدد و التنوع ابتكار هذه المؤسسات طرق للتعامل بها مثل طريقة مقايضة الأصول الأصلية و المشتقة بعضها ببعضها الآخر. و لذلك فقد تداخلت عمليات الوساطة المالية مع عملية توفير السيولة مع عملية توفير التمويلات مع عملية الاستشارات مع عمليات تقديم الخدمات المالية و المصرفية الأخرى.
و بالإضافة إلى ذلك فقد طورت هذه المؤسسات أصول مالية جديدة مثل عقود الشراء و البيع المستقبلي للعديد من الأصول و السلع مثل العملات الأجنبية و المعادن النفيسة و السلع الإستراتجية. و هذه هي الأخرى قابلة للمقايضة ببعضها البعض. لذلك فقد تداخلت العمليات المالية مع العمليات التجارية و الاستثمارية الحقيقية بشكل كبير يصعب التميز فيما بينها.
و بالاضافة الى آفة التركز التي أصابت هذا القطاع فقد إصابته آفتان أخريان هما ضعف الشفافية و صعوبة المسائلة. فعملية تمويلية معينة قد تبدأ بشكل معين مثل سند او سهم و لكنها تأخذ سلسلة من التحولات و تنتهي بأصل مالي مستقبلي مرتبط بأسعار النفط او أسعار أي سلعة أخرى. و نتيجة للعدد الكبير من التحولات و تعدد الجهات التي تداولت هذا الأصل فقد أصبح من الصعب تتبع عمليات توزيع المخاطر نتيجة لتعدد عملية التحويل و قد أصبح من الصعب محاسبة من تعمد الغش و التصرف بشكل غير قانوني و غير عادل.
و فعلى سبيل المثال فقد تداخلت أنشطة البنوك التجارية و نبوك الاستثمار و البنوك الشاملة و صناديق التوفير و مؤسسات الادخار و صناديق التوفير وصناديق التقاعد و أسواق البورصة و شركات التطوير العقاري و شركات إنتاج السيارات و مراكز التسويق الكبرى.
و قد مكنت التطورات التكنولوجية المتمثلة في تقنيات الاتصالات و المعلومات هذه المؤسسات ان تمارس هذه الوظائف على نطاق عالمي. و قد تركزت معظم هذه الأنشطة في ثلاثة أنواع من الأسواق هي سوق النقود و التي يتم فيها تداول الأصول المالية و النقدية قصيرة الاجل و يغلب عليها التعامل بين البنوك و سوق العملات و التي يتم فيها تبادل العملات الأجنبية و أسواق البورصة و التي يتم التبادل فيها السندات طويلة الاجل و الأسهم و مشتقاتهما و العقود الآجلة و مشتقاتها.
و تتركز هذه الأسواق في مراكز مالية عالمية مثل مراكز ينورك و لندن و طوكيو. يتمتع مركز ينورك المالي بهيمة خاصة و ذلك للدور الذي يلعبه محليا و عالميا. فعلى المستوى المحلي فانه يتمتع بكبر حجمه. فيوجد في أمريكا حوالي 7770 بنكا تجاريا و مع ذلك فان 70% من أصول هذه البنوك تتركز في حوالي خمسة بنوك فقط. و يوجد في أمريكا حوالي 1413 مؤسسة ادخارية و حوالي 9529 اتحاد ائتماني و حوالي 4000 بنك استثماري و عدد كبير من شركات التامين و الشركات المالية الأخرى متعددة الأغراض.
و قد ترتب على هذا التركز الكبير تمتع هذه المراكز بقوة احتكارية كبيرة. و لذلك فان اقتصاديات الدول الصناعية الكبرى لم تستحوذ على مواردها المالية فقط بل فقد تمكنت من الاستحواذ على الموارد المالية للدول الاخرى على مستوى العالم. و لقد ترتب على ذلك تركز الثروة في الدول الصناعية الكبرى و توسع ظاهرة الفقر في الدول الاخرى. فمن ناحية فان هذه البنوك لا تتردد في قبول الودائع من أي دولة في العالم لكنها لا تقبل ان تمول أي مشاريع استثمارية خارجها أي في الدول النامية أو الفقيرة.
نجحت هذه المؤسسات في بداية التسعينات في توظيف الفائض من هذه الأموال في الصين. لكن الصين في الوقت الحاضر قد أصبحت مصدرة لرأس المال. و لذلك فان الدول الصناعية الكبرى لم تستطع ان تجد مجالات مربحة لتشغيل هذه الأموال الفائضة حتى في بلدانها. فقد اثر عليها زيادة حصة الصين من الأسواق العالمية بما فيها أسواق الدول الصناعية الكبرى نفسها. و بدلا من ان تبحث هذه المؤسسات على مجالات مربحة و عالية العائد في بقية دول العالم فانها بدلا من ذلك حاولت ان توظيفها في داخلها من خلال التساهل في عملية الإقراض و التمويل. و لقد ترتب على ذلك تضخيم نشاطات بعض القطاعات الاقتصادية في هذه الدول بشكل غير طبيعي و كذلك تشجيع مواطني هذه الدول على الاستهلاك بشكل غير طبيعي ايضا.
و قد ترتب على تركز العمليات البنكية و التمويلية و الاستثمارية في هذه المراكز ان أصبحت عملية الإشراف عليها صعبة جدا. و يرجع ذلك لكبر حجم هذه المراكز و خضوعها لسيطرة عدد قليل من المؤسسات المالية و التمويلية. و كذلك فان ذلك يرجع إلى اختلاف التشريعات الرقابية من دولة إلى أخرى و إلى اختلاف الجهات التي تتولى عمليات الإشراف و الى اختلاف أسليب و طرق الإشراف. ففي أمريكا هناك تسع جهات مشرفة على هذا المؤسسات هي البنك المركزي ووزارة المالية و مؤسسة التامين الائتماني و اتحاد جمعيات الأقراص الخاص و مؤسسات الإشراف على المؤسسات الادخارية و الحكومة الاتحادية و الولايات و هيئة الأسواق المالية و هيئات تنظيم شراكات التامين.
لقد ترتب على ذلك صعوبة السيطرة على هذا القطاع. و يرجع ذلك إلى تركز هذا القطاع و انتشاره في نفس الوقت. و لقد ترتب على ذلك تداخل كبير في الأصول المالية من حيث منشئها الأولى و مائلها الأخير و من حيث توزيع المخاطر على مستوى القطاعات و المستثمرين و غير ذلك من الاعتبارات. فتركيز هذا القطاع يعني ان فشل أي مؤسسة مالية و استثمارية في أي من المراكز الرئيسية لا يقتصر أثره على اقتصاديات الدول التي توجد فيها و إنما يمتد إلى كل العالم و كذلك فان تكلفة هذا الفشل لا تقدر دولة واحد على تحمله. فعلى سبيل المثال فان حجم الأموال المستثمرة في هذه المؤسسات قد يصل الى حوالي 55 تريليون. و لا شك ان ضمان مبلغ كهذا يفوق قدرات الدول الصناعية مجتمعة.
ان ذلك يعني صعوبة التنسيق بين الدول في هذا المجال لصعوبة تحديد الغنم و الغرم. فوسائل التعامل مع الأزمات المالية المعروفة تنحصر في تدخل البنوك المركزية و في الاستحواذ و في التصفية و في تقديم الدعم من خلال مساعدة المؤسسات المالية على تحمل الخسائر التي لحقت بها و من خلال تأميمها و تحوليها إلى مؤسسات عامة. فالمحاولات الفردية الحالية غير قادرة على التعامل مع هذه الأزمة. و كذلك ان الأوضاع السياسية قد لا تسمح للدول بالقيام بما ينبغي القيام به في الوقت المناسب. و لا شك ان ذلك يشير إلى احتمال حدوث أزمة اقتصادية بل وحدوث أزمة عالمية.
ان هذه الأزمة تختلف عن أزمة عام 1930 في أمريكا أو عن الأزمات المالية الاخرى التي حدثت فيها في فترات مختلفة من القران الماضي أو عن الأزمات المالية التي حدثت في مختلف أنحاء العالم و لعل من أهمها الأزمة المالية التي حدثت في دول جنوب شرق آسيا خلال القرن الماضي. إنها تختلف من حيث الحجم و من حيث المكان و من حيث التأثير. و لذلك فانه ليس من السهل التعامل هذه الأزمة المالية الحالية.
فالأزمة الاقتصادية ستنتج من التأثرات السلبية للازمة المالية الحالية على بقية القطاعات الاقتصادية و كذلك نتيجة لعدم رغبة البعض للتأقلم مع التغيرات الاقتصادية التي حدثت في الفترة الماضية. ان ذلك يعني ان التركيز على المعالجات النقدية وحدها غير كاف. و لذلك فانه لا بد ان تكون هناك معالجات اقتصادية أخرى.
فمن وجهة نظري فانه ليس بالإمكان تجنب حدوث كساد عالمي أو على الأقل ركود عالمي. فاضطراب عملية الدفع نتيجة للازمة المالية سيؤثر حتما على عملية إنتاج السلع و الخدمات. فاعتماد عملية الدفع و بنسبة كبيرة على النقود الالكترونية التي ستتضرر كثيرا بسبب الاضطراب الحادث في الأسواق المالية سيجعل من الصعب إتمام عمليات التبادل أو الصفقات كما كان في الماضي. و لا شك ان ذلك سيحد من عملية الإنتاج حتى في حال توفر مدخلاته. و من الواضح ان اضطراب عمليات توفير السيولة سيؤثر حتما على توفير مدخلات الإنتاج مما سيؤثر سلبا على عمليات الإنتاج. و في نفس الوقت فان صعوبة الحصول على السيولة من قبل المستهلكين و كذلك فان الانخفاض الكبير في ثرواتهم نتيجة لتدهور قيم أصولهم المالية سيدفعهم حتما إلى تخفيض استهلاكهم من السلع و الخدمات. و لا شك ان ذلك سيؤدي إلى انتشار البطالة و انخفاض مستويات المعيشة و المعانة من الآثار السلبية للتضخم.
بالإضافة إلى ذلك فان الاضطراب في قيمة العملات إلى بعضها البعض سيؤثر على عمليات الاستيراد و التصدير.و لا شك ان حدوث ذلك سيعني انتشار البطالة على المستوى العالمي و انخفاض أسعار بعض السلع و زيادة بعضها. و بما ان العولمة قد عملت على تغير هيكلية العديد من الاقتصادية بحيث أصبحت تعتمد على التصدير و الاستيراد فان ذلك سيعمل على خلق أزمات سياسية في العديد من المناطق في العالم.
و لذلك فانه من المتوقع ان يترتب على الأزمة الاقتصادية أزمة عالمية أهم مظاهرها حدوث اضطرابات سياسية و اجتماعية و ثقافية. فالعديد من الدول الحالية لن تكون قادرة على التعامل مع الآثار السلبية المتوقعة للازمة الاقتصادية بالشكل التي يرضي مواطنيها. و لذلك فان القوى المعارضة ستستخدم عدم الرضا هذه للسعي لتغير هذه الأنظمة. و من الواضح ان عملية السعي هذه لن تكون منسجمة مع الأعراف الديمقراطية. و لذلك فان الصراعات السياسية المسلحة قد تكون وسائل التغير الفعلية.
و من الناحية الاجتماعية فان الفقراء على مستوى العالم و على المستوى المحلي سيتحملون الجزء الأكبر من أعباء هذه الأزمة. و لا شك ان ذلك سيعمل على إحداث تغيرات اجتماعية غير مرغوبة و لا تنسجم مع قيم العدل و التكافل الإنساني. و بما ان الضمير الإنساني لا يحمل نتائج ممارسات كهذه فان ذلك سيعمل على خلق أزمة ثقافية ايضا.
و من مظاهر هذه الأزمة الثقافية انتشار ممارسة التميز و الإقصاء و التهميش و غير ذلك من الممارسات غير الإنسانية. و لاشك ان ذلك سيعمل على توفير بيئة إضافية لما يسمى بالإرهاب و عمليات مكافحاتها.
لذلك فان محاولة المعالجات التقليدية لن تكون كافية. ان ذلك يتطلب البحث عن طرق و أفكار جديدة للتعامل مع ذلك. فمن اجل معالجة الأزمة المالية فانه لا مفر من إعادة ترتيب الأسواق المالية و على وجه الخصوص البنوك و مؤسسة التمويل سواء من حيث حجمها أو طرق إدارتها أو عمليات الرقابة عليها. و لذلك فانه لا بد من العمل على تخفيف تركيز عمليات التمويل سواء على مستوى مؤسسات التمويل أو مراكز التمويل أو مجالات الاستثمار.
و من اجل معالجة الأزمة الاقتصادية فانه لا بد من إزالة العوائق التي تقف أمام إعادة تمركز الإنتاج و الاستهلاك بحيث يسمح للدول الفقيرة ان تشارك بعملية الإنتاج بشكل فعال و كذلك بحيث يتم تخفيض استهلاك الدول الصناعية بما يتناسب مع مواردها.
و من اجل معالجة الأزمة السياسية فانه لا بد من العمل على إزالة كل أنواع الهيمنة السياسية بكل أنواعها سواء على المستوى الدولي أو الإقليمي أو المحلي. ان ذلك يتطلب الاستمرار في توسيع و ترسيخ الأعراف و الممارسات الديمقراطية. و هنا ينبغي ان لا يسمح بان تستخدم هذه الأزمات ذريعة لعرقلة الديمقراطية أو تقوية الممارسات الشمولية.
و من اجل معالجة الأزمة الاجتماعية فانه لا بد من إعطاء دور اكبر لمنظمات المجتمع المدني و للمنظمات الاجتماعية و الخيرية مثل الأسرة و التكافل الاجتماعي. و لذلك فانه لا بد من محاربة التميز و الإقصاء و التهميش بكل أنواعه.
و من اجل معالجة الأزمة الثقافية فانه لا بد من إعادة الاعتبار للدين كي يكون قادرا على القيام بوظائفه التي فشلت كل من الدولة و منظمات المجتمع المدني القيام بها. و في هذا الإطار فانه لا بد من الاعتراف بكل الأديان بدون استثناء مادام ان هناك من يرغب في التمسك بها بشكل طوعي. ان ذلك سيعمل على الحفاظ على التوازن الاجتماعي و الثقافي المفقود حاليا. 
في السبت 11 أكتوبر-تشرين الأول 2008 09:10:20 م

تجد هذا المقال في 26سبتمبر نت
https://26sep.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://26sep.net/articles.php?id=2283