تسونامي الانتخابات الأمريكية
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنية
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنية
مما لا يختلف عليه اثنان أن اختيار المجتمع الأمريكي للمرشح الديمقراطي/ باراك أوباما / وانتخابه رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية كان مدفوعاً برغبة في التغيير وهو الشعار الذي رفعه أوباما في حملته الانتخابية.
وقد عبرت هذه الحالة عن نفسها بشكل واضح وصريح من خلال ذلك الزخم غير المسبوق الذي ساد أجواء الانتخابات الأمريكية هذه المرة والتي تميزت بارتفاع حجم المشاركة في التصويت وانحياز المجتمع الأمريكي لقيم التعايش والتوحد والوئام الاجتماعي وتغلبيبه هذه الروح الحضارية على مادونها متجاوزاً مثالب أشكال العنصرية والتمييز. الأمر الذي يعكس معه حقيقة تطلع الجميع داخل الولايات المتحدة وخارجها إلى عهد جديد تتعزز فيه عوامل السلام والاستقرار وجسور الشراكة الإنمائية بين المجتمعات البشرية، وتحل لغة التفاهم والحوار ومنطق الثقة والتعاون بدلاً من نوازع القوة والاحتراب والاحتقانات التي لا يتولد عنها سوى الكوارث والأحقاد والضغائن بين المجتمعات الإنسانية.
ولعل أهم ما تجمع عليه تحليلات المراقبين حول الانتخابات الأمريكية أنها كشفت أن مظاهر التململ والضيق بسبب الانعكاسات الناجمة عن الأزمة المالية العالمية إلى جانب المؤثرات التي تفرزها البؤر المشتعلة في العديد من مناطق العالم، صارت حالة عالمية بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى. ولم يعد مثل هذا التذمر مسألة مقتصرة على الدول الفقيرة أو الدول الآخذة في النمو، التي تشعر بالغبن جراء عدم إيفاء الدول الغنية بمسؤولياتها في التصدي لاستشراء مظاهر الفقر والبطالة، وغيرها من المشكلات التي صارت تسحق المجتمعات الفقيرة والنامية، التي وجدت نفسها مستهدفة من جبروت قوانين العولمة، التي بدأت كنظرية اقتصادية ثم تحولت إلى عولمة سياسية لتنتقل بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م إلى مضمون غامض اتخذ كستار لتغطية الكثير من التجاوزات وتصفية الحسابات وتبرير الانتهاكات للقوانين الدولية.
ولا نجانب الحقيقة إذا ما قلنا أن ما أفضت إليه الانتخابات الأمريكية من انحياز كلي لمبدأ التغيير لم يكن منفصلاً أو منقطعاً عما يعتمل في جهات العالم الأربع التي تنتابها مشاعر الضيق والقلق وتنتظر اللحظة التي تستعيد فيها توازنها ولتبدأ مرحلة جديدة بعيداً عن تلك المؤثرات الطاحنة التي جعلت هذا العالم يموج بأزمات لا حصر لها.
واستناداً إلى ما شهدناه في الانتخابات الأمريكية والتي برز فيها - ولأول مرة - تصويت الناخب الأمريكي لصالح البرنامج الذي يتوافق مع قناعاته وليس للحزب الذي ينتمي إليه، يمكن القول بأن ذلك دليل حي على أن الإنسان بطبيعته سواء كان في دولة فقيرة أو غنية يميل إلى البحث عن الاستقرار والسلام والتعايش. ومثل هذه اللحظة لا شك وأنها تعيد البشرية إلى البداية التي سبقت سقوط الثنائية القطبية في منتصف الثمانينات من القرن الماضي، حينما اطلق ميخائيل غورباتشوف قنبلة البيريوسترويكا. فما يؤسف له أنه وبدلاً من أن يتجه العالم إلى استثمار انكفاء حالة الصراع بين المعسكرين الشرقي والغربي بإيجاد نظام يقوم على العدل والتعاون والشراكة، أهدرت تلك الفرصة وكان أخطر ما في ذلك اندفاع بعض القوى العالمية إلى التربص بالعالم العربي والإسلامي بدءا بتعطيل مسيرة السلام وحل القضية الفلسطينية بالتزامن والتلازم مع تحويل منطقة الشرق الأوسط إلى منطقة ملتهبة تتجاذبها الصراعات المذهبية والطائفية والاجتماعية، فيما تم إغراق المناطق الأخرى بأزمات متنوعة مثل أزمة الغذاء الناتجة عن الارتفاعات السعرية للحاصلات الزراعية وكذا تداعيات الأزمة المالية العالمية وغيرها من العوامل والمؤثرات التي أدت إلى تعطيل برامج التنمية في البلدان الفقيرة والنامية.
وفي خلاصة الأمر يصبح من المؤكد أن الانتخابات الأمريكية لم تطرح التغيير كمبدأ مقترح.. بقدر ما طرحته باعتباره حلاً ضرورياً لبداية عهد جديد يساهم في إخراج المجتمع الإنساني من المأزق الذي انتهى إليه.
 



في الخميس 06 نوفمبر-تشرين الثاني 2008 08:33:09 ص

تجد هذا المقال في 26سبتمبر نت
https://26sep.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://26sep.net/articles.php?id=2350