الإمامة : من المرض التاريخي إلى الانتحار والجنون
استلذ/محمد عبدالإله العصار
استلذ/محمد عبدالإله العصار
كأنَّك تجوّلت في كل أرجاء وأركان الكون وأنت في مكانك! كأنَّك نظرت إلى كل تفاصيل جزيئاته وذرَّاته.. بل نظرت إلى خلايا الخلايا وأدق أفكار وطبائع تلك الخلايا والتفاصيل! فلا حاجة بك إلى الانتقال المباشر وبواسطة آلة معدنية أو زمنية أكبر من حجمك أو توازي حجمك.. في أنك تتنقل بحريّة عبر مجال مدهش من العلم والمعرفة. لماذا تسافر وتتجول عبر الزمن والمكان كما تتمنى وتحلم أو حتى تفكِّر؟! كما أن المسألة أو الأمر الذي نتحدث عنه أو عنها معقدة علمياً وبسيطة في ذات الوقت! أليس العلم مدهشاً؟! أليس العلم عظيماً في قوته وجبروته متواضعاً متبسطاً جميلاً في هدوئه وسلوكياته؟! في ذلك كله تكمن أكبر الألغاز وأعظمها، وفي ذلك أيضاً أروع الأجوبة وأبسطها!! نصف كوب من الماء فقط يولِّد من الطاقة ما يكفي مدينة عصرية متحضرة وقد يفيض عن حاجتها لمدة أيام قليلة!! أليس الماء مكوَّناً من ثلاث ذرات لعنصرين متضافرين هما الهايدروجين والأوكسجين؟! لذلك فالهيدروجين الموجود في كوب الماء ذاك قادر على إنتاج تلك الطاقة! بالطبع فالجهل يسمّى ذلك خرافة وباطلاً.. لأن الجهل نفسه أبو الخرافات والأباطيل وهذا جزء ضئيل من السؤال الأعظم الكبير.. نقصد سؤال الوجود! هذا السؤال المحزن.. الغريب.. الضائع بين سطور وأطنان المؤلفات الصفراء الحقودة على براءة ونظافة وسطوع هذا الكون الذي لا يقبل الاختلال والاعوجاج وجهالة التفكير وتخلُّف وانحطاط المعتقدات.. مثلما أنه لا يتناغم مع المفاهيم والأفهام الميتة الكئيبة المريضة! العلم.. هو أرقى أنواع السلوك الذي بلغته حضارة الإنسان.. نقول العلم بحلوه ومُرِّه.. لكنه بلا جدال أرقى أنواع السلوك.. ولا غرابة أن يمر سدنة وكهنة الجهل مرور العابثين المغلقة شرايين مداركهم أمام كلمة «العلم» العظيمة المهيبة وهي كلمة البدء وفاصلة الختام والاسم المقدَّس الأعظم من أسماء الله!! العلم يدعونا ويفتح أبواب الحضارة لندب ونمشي ونعمل ونعمر الأرض ونفهم أسرار الخلق والكون.. والجهل يمرضنا ويشدنا كهنته وكتبهم وأقانيمهم الصفراء إلى الخلف مئات وعشرات السنين! إنَّه لشقاء مخيف وتعاسة لا حدود لها تعيشهما مجتمعاتنا المسكينة الضعيفة المرهقة. سؤال حزين هذا الذي نطلقه اليوم.. سؤال الوجود يصفعنا بقوة على الوجه.. هذا الوجه غير الأمثل الذي تحمله رؤوسنا وتتزيّا به أفعالنا وسلوكياتنا الرافضة بجهل وعناد أن تنفتح الأفهام والأعين لترى النور وتبتسم لقوة ونبل وعظمة المعرفة! كان لزاماً وفي سؤال الوجود ذاته.. وفي بدء صميم الكون أن توجد طاقة مرعبة هائلة أقوى من بدن وطاقة حرارة الشمس لكي يتخلَّق عنصر «الهليوم» من عنصر آخر هو «نيترونات الهيدروجين».. كان لزاماً أن يحدث هذا الضغط الحراري الهائل لينتج الهيدروجين ذلك العنصر الآخر لتتكون ما نسميه اليوم هذه الأفران السماوية «البسيطة!!» التي نسميها (شمس وشموس) .. ولم يكن لزاماً على الإنسان أن ينتظر في هذه الأرض أو البقعة الجغرافية أو تلك الأرض وتلك البقعة الجغرافية.. أن ينتظر أفران، أو بالأصح محاضن الظلام والجهل التي تعفنت خميرة ضلالها طويلاً لتفتيه - أي هذا المخلوق وذاك الإنسان - في حلال وحرام سلوكياته وتفكيراته بأسانيد وحجج مكانها الحقيقي قعر الجحيم الموصود لا فضاءات فردوس العلم الموعود والموجود! انتحار إنساني غير جليل وغير كفؤ تحت أقدام العلم والمعرفة والحضارة.. مخالف ومتضاد مع استمرارية عمارة وبناء الأرض والكون! جنون ومرض نفسي.. تاريخي لا مصير ولا نهاية له سوى الانتحار والتلاشي والاضمحلال. ما أفدح أن يخطئ الإنسان في تقدير وفهم سر وجوده!! معناه ومغزاه.. طبيعة نشأته والأصل الحقيقي الجذري لضرورة مسيرة تطوره.. من الولادة أو البدء إلى التجدُّد والرقي المحتوم دواليك.. جدال لا يحسمه ولا يفضّه جدال سوى الهرطقات التي توشح جلدها الفاني بألوهية ضلالها الذي جعلت منه وله حرمات وقداسات وباسمه استباحت عقول الناس وأفرغت رسالة وجودهم من كل المحتويات الرفيعة السامية.. فهي تجدد ظهورها المخنوق الجاهل اليوم لتسبغ على أكثرهم «نعمة!!» عدواها وضحالة أوهامها. عند هذا المستوى تنطفئ شعلة العلم وتخبو نار المعرفة.. وعلى نفس المستوى تنفرط عقود البناء وعمارة الأرض وتعظم كبرياء الخوف وتنطفئ معاني وأحلام حرية المجتمعات والشعوب. لا بريطانيا ولا الصين ولا أمريكا وروسيا أو حتى موزمبيق! طلبت أن تنتحر هذه المجتمعات أو تلك الشعوب أن تبرهن على حبها للوجود الحر الكريم العاقل المتقدم، أن تقدم أروع أمثلة الانتحار في إهدار النفس والمال والإنسان والطاقات وأسمى ما في معاني حق المشاركة في الوجود لتقول وتؤكد حقها على هذه الأرض، وضمن ملف عمارة هذا الكون! وليس بوسع كل ذي علم ومعرفة أن يقبل أو يرضى لنفسه ومجتمعه وأهله وأمته العيش ضمن مصحَّات نفسية تاريخية فاحشة التعقيد مفرطة الجهالة. من حقنا أن نصرخ في وجه كل ظلام يدعي لكهنته الربوبية ويسبغ على ذاته القداسات الزمنية العائلية ولا حتى كياناته القومية العنصرية خارج نطاق كل كرامة إنسانية وحق المشاركة في علم ومعرفة عمارة الأرض وفهم المعنى من الوجود منذ أول آدم حتى آخر ابن لآدم في السماء والأرض. نحن وحدنا - ويا لمرارة كلمة «نحن» متبوعة بكلمة «وحدنا» - نكتوي بنار الحضارة ونتحول إلى مفردات في شظايا مداميكها الهندسية الأفضل.. نحن وحدنا نمارس بل نندفع إلى المرض فالجنون فالانتحار.. نؤمن بما تصنع الصين وأمريكا وغيرهما وأمثالهما ولا نثق أو نؤمن بأننا بشر كالآخرين نتمتع بنفس القدرات والإمكانات والطاقات الإنسانية كسائر مخلوقات الله.. نريد أن نعلم «كما ندعِّي!!» ونحن في أحوال مزرية من التخلف المعرفي والجهل التقني. فلا غرابة أننا أيضاً نندفع بكل حماساتنا للمساءلة والنقد وإجراء الدراسات والبحث عن أسباب ذلك دهوراً.. ولا نندفع مباشرة إلى العمل وتقديس الإنتاج دون الخوض دهوراً أخرى في صحة هذه المذاهب وتلك المعتقدات.. وما جدوى الضم وإسبال اليدين أو الضرورة في شتم الصحابة من عدمه وأيهما أولى أن ندعو الله بنصرنا في معركة بدر الكبرى أم إخوتنا الخائضين ذات الصواري!! ما الذي حدث لأفرادنا ومجتمعاتنا في هذا المعتقل الكبير.. هذا المأوى الجغرافي المتهم بأنه ضمن مدماك الحضارة وتروس عجلة التقدم؟! سؤال لا يفترض بمعاقل الجهل وكهنة الظلام أن تجيب عنه.. وغير خليق بنا أن نسأل هذه الصدمة المعرفية الكبرى التي أصابتنا ثم ننتظر أجيالاً أخرى لنسمع الإجابات لنحصد خيباتها في المتقدمين على حد سواء. وقفات شجاعة يجب أن تمتد لتعانق فضاءات الله على مشهد تعظم به الغايات.. وقفات شجاعة ضد استرخاص الدماء.. ضد العبث بالمشاركة في حق الوجود وحق العلم والمعرفة وشرف قدسية البناء.. بل ضد هذا المرض والخوف وسُعار الانتحار والفناء. ثورة جديدة.. على الأقل يجب أن تبدأ من بلدنا الصغير هذا.. ثورة جديدة لا يقودها ولا يفكر لها المأزومون الذين يعيشون حالات الخصام مع أنفسهم ومجتمعاتهم وأمتهم.. فلقد قدمت اليمن ثورة حقيقية في أهدافها ومضامينها وتطلعاتها منذ ما يقرب النصف قرن.. وهي بحاجة اليوم وليس عيباً أن تجدد نفسها وتحافظ على ما بلغته مناخاتها الحرة «ذات الحسد» من مستويات متقدمة ظن بها أدعياء الظلام ومتربصو أزقة الجدالات والحوليات والحوزات المستوردة فرصاً لفوضى التجهيل ودفع بسطاء الناس إلى الانتحار بهم ومعهم. وفي الحقيقة لم تكن الإمامة ولا أئمتها تقدر على الخروج من قرية أو مدينة لتواجه الأطماع التي كانت ومازالت تحدق باليمن عبر التاريخ.. فقد كانت تستأثر لنفسها ما استطاعت أضيق نطاقات الحكم الجغرافي التي تستضعف وتستعبد فيها وخلالها الناس.. فلا عجب أن الأئمة كانوا يتناحرون في ما بينهم على تلك المدينة أو القرية أو بالأصح الإقطاعية.. من حيث لم تكن وحدة اليمن في صميم قواميس عقولهم وجهالات أسانيدهم الصفراء. ثورة نفخر أن يكون لها شجعانها اليوم كما كان من سبقهم وسيظل من بعدهم.. تليق بيمن يقف حُراً على مشارف الألفية الجديدة.. القرن الحادي والعشرين بعد الميلاد وليس قبله!!      

 


في الأحد 01 نوفمبر-تشرين الثاني 2009 08:44:59 ص

تجد هذا المقال في 26سبتمبر نت
https://26sep.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://26sep.net/articles.php?id=3165