حوار الحضارات في أصيلة المغربية
كاتب/فيصل جلول
كاتب/فيصل جلول
 تستأثر مهرجانات عربية دورية و مركزية باهتمام تعكسه أصداء إعلامية واسعة و حضور نسبة مهمة من "أهل القلم" والتسمية لابن خلدون الذي كان يميزهم عن "أهل السيف" اعترافا بأهميتهم للدولة خلال فترة السلم. ومن بين المهرجانات التي شقت طريقها وصار لها صدى واسعا في العالم العربي نذكر مهرجان "أصيلة" الذي يرعاه منذ نشوئه الوزير المغربي الأشهر محمد بن عيسى. وقد تعود "أهل القلم" من المشرق والمغرب أن يلبوا دعوة الوزير بن عيسى لنقاش عدد من القضايا التي تشغل العالم العربي والتي يمكن للحضور أو بعضهم الإدلاء بآراء مفيدة حولها. وينعقد المهرجان في المدينة القديمة ويتوفر على تجهيزات مهمة تتيح للمؤتمرين الإفادة من تقنيات الاتصال الحديثة وهو مناسبة أيضا لكي يتفاعل سكان المدينة مع المهرجان والقضايا المطروحة وليس من النادر أن يتوافد إلى أصيلة في هذه المناسبة أشخاص مهتمين من مدن مغربية أخرى لاسيما طنجة وتطوان وفنيدق والعرائش وغيرها وان كان الجمهور الأساسي يفد من المدينة نفسها. بيد أن مهرجان أصيلة الذي يشرف عليه معالي الوزير بن عيسى يحجب مهرجان أصيلة لفنون الشباب الذي يشرف عليه مثقف مغربي شاب هو عبد الإله فؤاد وهو مختص بالمسرح وله في هذا المجال دراسات ومقالات ومواقف معروفة على الصعيدين المحلي والأوروبي أكثر من العالم العربي. وقد شاءت الصدف أن نلتقي فؤاد وأنا وصحبة عربية أخرى على هامش موسم الحج ما قبل الأخير في جدة بدعوة من معالي وزير الثقافة والإعلام الدكتور الشاعر عبد العزيز الخوجة و برعاية زميلي وصديقي الدكتور عبد العزيز بن سلمة احد ابرز أعمدة الوزارة وقد عرفته طالبا على مقاعد الدراسة في جامعة السوربون ومن ثم سفيرا لبلاده في اليونسكو في باريس. وقد علمت أن وزارة الثقافة والإعلام تدعو سنويا جماعة من أهل القلم من مختلف الانتماءات العربية والإسلامية . قصارى القول أن الصديق فؤاد أراد أن ألبي مع أصدقاء آخرين دعوته لمهرجان أصيلة الذي يديره ويشرف عليه وبما أنني لست مختصا بالمسرح ولا بفنون التمثيل وان كنت استمتع بها فقد ارتأى أن تكون مشاركتي في ندوة على هامش الملتقى حول الدور ألتأهيلي للشباب في تفاهم الحضارات عوضا عن الصراع فيما بينها. وأكد لي أن الندوة ستضم نخبة من مثقفي و جامعيي مدينة اشبيلية ومدعوين آخرين من أوروبا والعالم العربي فكانت فرصة للإطلاع على مهرجان أصيلة الأول الذي يسبق مهرجان معالي الوزير محمد بن عيسى علما انه لا تضارب بين المهرجانين لان لكل منهما اختصاصه واهتماماته وجمهوره ونوع مدعويه . وعلى الرغم من الجهد الرائع الذي بذله الجامعيون والمسرحيون الأسبان في هذا المهرجان وعلى الرغم من انعقاده تحت شعار تكريم الشارقة وحضور خليجيين وعراقيين وفرنسيين وسودانيين ومشاركتهم في ندواته ومسرحياته وأنشطته المختلفة وعلى الرغم من العروض النوعية التي شاهدناها خلال أيام المهرجان فأنني أشير فقط إلى ندوة "دور الشباب في تفاهم الحضارات" التي شاركت فيها وإذ اقتصر على الندوة فلضيق المجال علما بأنني تفاعلت واستمتعت كمشاهد بالعروض المتعددة والمتنوعة والممتعة في الآن معا. من جهتي أرى أن تفادي صراع الحضارات يستدعي منذ الآن نشر ثقافة التسامح والتعاون بين الشبان من الغرب والشرق معا ذلك أن تكوين الشباب اليوم والثقافة التي يراكمونها هو الذي يحدد كيف ستكون العلاقة بين الحضارات في المستقبل وقد رأيت أن نبدأ في هذا المجال بالتنديد بعدد من ظواهر القطيعة المتوارثة بين الحضارات وبخاصة بين العرب والأوروبيين والأسبان على وجه أخص وهذه الظواهر هي: أولا إدانة ثقافة القطيعة التي انتشرت في القرنين العاشر والحادي عشر(ميلادية) بين الفقهاء المسلمين الذين دعوا إلى الفصل بين علوم العرب الدينية وعلوم الأجانب الفلسفية وقالوا إن كل علم أجنبي هو علم كافر ولا يجوز الأخذ به وبما أن غاليليه أجنبي وبما انه قال بان الأرض كروية فقد رفض فقهاؤنا هذا الاستنتاج الأجنبي الكافر في حينه وظل بعضهم يرفضه إلى عهد قريب بل أكثر من ذلك فقد حرقت كتب ابن رشد الذي حاول إعادة الاتصال بين الإيمان والحكمة معتبرا " أن الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له"وقد ظلت الرشدية هامشية في صفوفنا في حين اعتمدها الغرب وجعلها بين ابرز عناصر نهضته. ثانيا إدانة محاكم التفتيش الأسبانية التي استخدمت في القرن الخامس والسادس عشر من أجل تطهير الوجود العربي والإسلامي في الأندلس وقد أججت هذه القطيعة صراع الحضارات الذي افتتحته الحملات الصليبية في أواخر القرن العاشر. ثالثا إدانة المرحلة الاستعمارية التي أدت إلى نشوء هرمية الحضارات الغالبة والحضارات المغلوبة وبالتالي انطوت على احتقار ثقافة وحضارة المغلوب الذي قاوم ومازال يقاوم دفاعا عن ارثه وتاريخه ووجوده. رابعا الدعوة إلى علاقات شراكة وتعاون بين الحضارات يعترف فيها كل طرف بإسهام الطرف الآخر في الحضارة الكونية ويعرب فيها كل طرف عن احترام الطرف الآخر وبالتالي تعلم لغته والتعرف إلى ثقافته وتبادل المعارف والمنافع معه. تلك بعض ملامح الندوة وخطوطها العريضة التي أثارت اهتماما وجدلا من المشاركين الذين حضروا أعمالها. والرهان يقوم على توسيع هذا النوع من المبادرات وتحويلها إلى ثقافة تربوية تساعد الشبان العرب والأوروبيين على بناء وجهة جديدة في علاقات الطرفين تحل فيها شراكة الحضارات وتفاهمها وتسامحها مكان مفاهيم "الحضارات التابعة" و"الحضارات المتبوعة" .

في الخميس 20 يناير-كانون الثاني 2011 09:16:39 ص

تجد هذا المقال في 26سبتمبر نت
https://26sep.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://26sep.net/articles.php?id=4444