اليمن ليست تونسا أخرى
دكتور/محمد حسين النظاري
دكتور/محمد حسين النظاري
تربطني بتونس وأهلها علاقة قديمة وتحديدا بين عامي 1996ـ2000 حين كنت ادرس البكالوريوس أو ما يسمونها هناك بالأستاذية , وخلال الأربع سنوات التي عشتها في ذلك البلد الجميل وتعايشت فيه مع إخوتي التوانسة في الجامعة أو الحارة وبين هؤلاء واؤلئك كونت العديد من الصداقات مازلت متواصلة رغم مرور الزمن , ولعل ما جعل علاقتي بتونس أكثر ارتباطا هو أنها مسقط رأس ولدي الأكبر حسين ولهذا ظلت المشاعر متوقدة في داخلي كلما أتى ذكر تونس على مر هذه السنوات , وللحقيقة ورغم أن معظم الذين كنت اعرفهم لم يكونوا يعرفون شيئا عن اليمن أو عن موقعها الجغرافي إلا إذا أخبرتهم بأنها بجوار العربية السعودية على اعتبار أنها قبلتهم كمسلمين , ورغم ذلك إلا أنهم كانوا شديدو الاحترام والمودة ربما لان تونس في الأساس هي بلد سياحي من الطراز الأول , ولكن ذلك لم يكن السبب الرئيسي بل كان الكرم التونسي هو الحاضر رغم ضيق حال بعضهم وهو ما عمق العلاقة بيني وبينهم وجعلها متواصلة طيلة هذه السنوات .
• شاء القدر أيضا أن أعيش فترة من عمري في العراق الشقيق بين عامي 2001ـ2004 م وكان ذلك لتحضير الماجستير ,وكانت تلك السنوات هي الفترة الحرجة التي مرت على العراقيين ومعهم العرب والعالم بأسره , عاصرت حينها دولتين متناقضتين تماما عراق صدام وعراق الاحتلال الأمريكي , وللأمانة فقد كان حب العراقيين لي كيمني يفوق ما وجدته في تونس وأرجعت هذا للارتباط الجغرافي والتاريخي الذي يربطنا بالإخوة العراقيين , وربما لان جالية يمنية كبيرة كانت تقيم في العراق بعكس تونس التي لم يكن فيها حينها سوى 20 طالبا فقط .
• إن ما جعلني أتذكر هاتين الدولتين الآن هو أنهما شهدتا إسقاط رئيسي البلدين فيهما , وان كان السقوط بين الرجلين صدام وبن علي فيه من الاختلاف ما فيه فالأول جاء بايايدي المحتلين والأخير بثورة شعبية , ولكن ما جعلني اربط بين الحادثتين هو أنني عشت قريبا من موقع الحدث فعند سقوط صدام كنت في العراق وعند إسقاط بن على لم أكن بعيدا عن تونس على اعتبار أني ادرس الدكتوراه في الجزائر , ولكن وجه الشبه أنني أمضيت سنينا من عمري فيهما واستطيع أكثر من غيري على الحكم فيما كان يجري فيهما من أحداث شهدتها بنفسي .
• استطيع إن أرد على الصديق الذي راسلني عبر بريدي وقال لي بأن اليمن ستكون تونسا وهو نفس الكلام المكرر الذي كنت اسمعه حين كنت في العراق وكانوا يقولون لي بان اليمن ستصبح عراقا آخر , وأقول لك الذين لا يتمنون الخير لبلدي اليمن السعيد , أن ذلك بعون الله لن يحدث , وكما مرت السنين وتجاوزنا مرحلة التهديد بأن نكون كالعراق ومرت من الأعوام ما يقارب العشر سنوات , ومازالت اليمن بفضل توحد أبناءها حولها موحدة صامدة في وجه من يريد النيل منها .
• قد نكون أكثر أمية من إخوتنا في العراق وتونس على اعتبار بأن رقعة التعليم في البلدين خصوصا تونس تفوقنا بكثير , لكننا مجتمع يختلف في التكوين المدني والريفي والقبلي والحضاري بل ويختلف في التركيبة السياسية عنهما كلية , فاليمن يعيش انفتاحا سياسيا يفوق تونس بكثير , كما أن العراق كان بلد الحزب الواحد , حرية التعبير لا سيما في الصحافة وان كانت لا ترضي البعض إلا أنها أفضل بكثير من العراق وتونس , فقد كان ممنوع فيهما أي هامش للحرية وهو ما ولد كبتا شديدا في أعماق الشعبين , وذلك الكبت انفجر على حين غفلة من الذين كانوا يظنون أنهم يسيطرون على الأمور ويمسكون بزمامها , مع أن ما حدث هو عكس ذلك الضغط يولد الانفجار , كما اليمن بلد يطبق الشريعة الإسلامية بعكس بلدان أخرى كتونس التي لم يكن يجرأ أن يدخل المواطنين فيها إلى المساجد إلا تحت رقابة شديدة .
• الرئاسة في اليمن طريقها صناديق الاقتراع وقد أقيمت عدة دورات انتخابية على مستوى الرئاسة وشهدت آخرها منافسة شديدة من قبل أحزاب المعارضة كما النتائج لدينا تعتبر منطقية فلا وجود لنسبة 99 بالمائة وان كان يؤخذ علينا تجديد العهد للرئيس علي عبد الله صالح فذلك بحسب ما تفرزه الصناديق عبر اختيارات الناخبين , كما يوجد في اليمن برلمان فاعل في حده الأدنى , ولكنه يلبى الطموحات كون اليمن مازالت ناشئة في نادي الديمقراطيات , وتنتشر الأحزاب السياسية على طول البلد وعرضها ولكل منها صحيفته ومقره وأنصاره , ويجاهر الجميع بما يريد قوله في الساحات العامة وعبر الصحف وعلى شاشات القنوات الفضائية وذلك حق كفله الدستور , كما أن الانتخابات النيابية والمحلية تجرى باستمرار وسط مراقبة دولية تشهد دائما بأن الانتخابات اليمنية تجري في إطار سلمي , والتغيير مكفول في اليمن عبر طريق الاقتراع السري بواسطة صناديق الانتخابات , وان على من يفكر بتغيير الوضع عليه أن يشجع الجماهير إلى هبة قوية يوم 27 من ابريل القادم , عليه ان كان يؤمن بأن لديه قاعدة شعبية أن يحرض الناس ويجيشهم نحو صناديق الاقتراع لا نحو الفوضى وإشعال الفتن .
• المجتمع اليمني مجتمع مسلح بعكس المجتمع التونسي الذي يمنع فيه حمل مقص الأظافر , ورغم أن الإحصاءات تقدر بأن الأسلحة في اليمن يبلغ عددها 60 مليون قطعة سلاح إلا أن ذلك لم يقد إلى حرب أهليه أو اقتتال طائفي أو انتزاع للسلطة بقوة السلاح , ولو كان هذا الانتشار موجودا في تونس كمثال قريب لحدث ما يحمد عقباه , فالمجتمع اليمني ما زال يحكمه الوازع الديني وما زالت الحكمة هي التي تنهي الكثير من الخلافات , فلو أن الأحداث التي يزرعها المغرضون والتي ترمي إلى زعزعة الاستقرار والموجود في بعض المناطق اليمنية , لو كانت موجودة في مناطق أخرى من العالم وتقترن بمعدلات عالية من البطالة وارتفاع نسبة الفقر وانتشار الأمية كما هو حاصل لدينا بسبب قلة موارد الدولة وتنامي عدد السكان وتراجع قيمة الصادرات , كل ذلك كان كفيلا بأن يفكك أي دولة ,ورغم ذلك فالجمهورية اليمنية صامدة .
• لو أن بلدا آخر غير الجمهورية اليمنية يقاوم على كل اتجاه فالقاعدة من جهة والحيثيون من جهة ثانية والانفصاليون من جهة ثالثة والمفسدون من جهة رابعة وغيرهم وغيرهم , لا احد يعينه من العالم إلا إذا أحس هذا الأخير بتضرره هو , ويتناسى العالم بأسره بأن اليمن هو أول من نادى بخطر الإرهاب وحينها أدار له العالم ظهره , لو أن يذلك يحصل في بلد غني لانهار من فوره فما بالنا باليمن محدود الموارد كثير السكان قليل التعليم منتشر الأمراض , أن ذلك يدل على ما يراهن عليه البعض لن يرى طريقا له في اليمن بإذن الله تعالى .
• ولكي نعين أنفسنا يجب علينا أن نحارب الفساد في كل المرافق و وكل منا عليه أن يبدأ بنفسه ليحاسبها , وعلى الجهات التي تم تشكيلها كهيئة مكافحة الفساد أن تطلع الشارع عن المفسدين ليطمئن الجميع إلى أن يد الهيئة قد طالت قد من يسرق المال العام وكل من يحد من تطور البلاد , علينا نحن أبناء الشعب اليمني أن نستثمر المؤسسات الدستورية والرقابية والقضائية والتشريعية والنقابية والتي أوجدتها الدولة من اجل أن نخدم جميعا وطننا العزيز و فالوطن ليس ملكا لشخص أو لأسرة أو لقبيلة أو لحزب , انه وطن الجميع وللجميع كما يؤكد دائما على ذلك رئيس الجمهورية , وعلى المسئولين كل في مجاله أن يراقب الله عز وجل في عمله وان يجعل عمله تكليفا لا تشريفا وان يعي بأن المنصب الذي يشغله هو مغرم لا مغنم , وإذا لم يستطع أن يؤدي مهامه عليه أن يتيح الفرصة لغيره , وان كانت بعض الأطر السياسية تريد أن تظهر أنها على حق عليها أن تقوم بمناظرة حية أمام جماهير الشعب وعد التستر بأولئك المواطنين البسطاء الذين يلعب بعواطفهم من اجل الوصول إلى مآرب شخصية . .
• رغم أني عشت في بلدان كثيرة وتنقلت بين دول أكثر , عشت ي ظل بلد امن وآخر محتل , عايشت الحروب أحيانا والسلام في أحايين أكثر , إلا أنني لا أرى بلدا أجمل من بلدي , واعتز حين أقول للآخرين بأني يمني , وكنت كلما أنهيت مرحلة دراسية أعود بعد نهاية دراستي بأسبوع وذلك لإيماني بأني بلدي الذي اقتطع جزء من موارده من اجل تعليمي أنا والآلاف من الطلاب ينتظر مني أن أبادله الوفاء , وأيقنت أن ذلك الوفاء لن يتحقق إلا إذا عدت إلى بلدي لأخدمها في أي مرفق كنت فيه , فاليمن ورغم موارده المحدودة إلا أنها تجتهد قدر الإمكان لفعل شيئ لابناءها وما على أبناءها إلا أن يبادلوها الوفاء بالتضحية والعمل الجاد من اجل ازدهار الجمهورية اليمنية بفضل المخلصين والشرفاء من أبناء اليمن السعيد الذين يجب عليهم ان يضعوا يدهم بيد رئيس الجمهورية الذي يدعوا إلى البناء وان كنتم تؤمنون بأن هناك فسادا في بعض المرافق كما نؤمن بذلك جميعا فعليكم أن تعينوه على القضاء على كل المظاهر السلبية بالطرق السلمية , ولهذا نقول للجميع اليمن ليست تونسا أخرى , والله من وراء القصد .
*باحث دكتوراه بالجزائر
mnadhary@yahoo.com
في الأحد 23 يناير-كانون الثاني 2011 10:39:59 م

تجد هذا المقال في 26سبتمبر نت
https://26sep.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://26sep.net/articles.php?id=4460