العرب أمام خيار مصيري بين الخضوع والممانعة
كاتب/فيصل جلول
كاتب/فيصل جلول
هل يدرك العرب نوع التغيرات الدولية والاقليمية التي طرأت من حولهم، وهل يرسمون سياساتهم وفق هذه التغيرات ؟ و هل من سياسات أفضل من السياسات العربية الراهنة؟هذه الاسئلة يبدو انها لم تكن حاضرة كفاية في قمة الخرطوم الأخيرة، كما انها لا تحضر خلال تنظيم أو اعادة تنظيم العلاقات العربية- العربية في الفترة الفاصلة بين قمتين.
بداية يتوجب لفت الانتباه او اعادة التذكير بعناوين اللعبة الدولية الدائرة في منطقتنا. لا حاجة للتأكيد أن قواعد اللعبة الدولية التي كانت سائدة خلال الحرب الباردة قد انتهت عمليا في الشرق الاوسط .لم يعد التوجه الى مجلس الامن الدولي للشكوى او المطالبة بحق شرعي تحمل نفس المعنى الذي كانت تحمله من قبل، علماً ان تحصيل الحقوق عبر المؤسسات الدولية لم يكن ميسراً للعرب في الفترة السابقة مع فارق كبير، هو ان تلك المؤسسات كانت تلعب دوراً رادعا في التمادي على الحقوق العربية، وبالتالي في كبح محاولات سلب حقوق جديدة منهم. اليوم بات من السهل على الاقوياء التفكير بسلب حقوق العرب والتعدي عليهم دون رادع، والدليل: حديث كبار قادة الكيان الصهيوني الموجه لسوريا بان عليها الا تحلم بعودة الجولان المحتل وحديث ايهود اولمرت عن رسم الحدود النهائية لاسرائيل دون الاخذ بعين الاعتبار الشريك الفلسطيني والتصرف معه، وكانه غير موجود واهانة الفلسطينيين بطريقة سافرة عبر اعتقال احمد سعادات دون ايلاء اية قيمة لاتفاق موقع او لتعهد مقطوع، وفي السياق نفسه تم احتلال العراق وكأن مجلس الامن غير موجود و ارتكاب اعمال القتل اليومي دون الخوف من اي رادع دولي او اخلاقي والتهديد بتهديم دول واقامة اخرى واحتلال وقصف دولة ثالثة ما يوحي ان في نية اسياد العالم طرح املاءات على الضعفاء وصرف النظر عن التفاوض حول مطالبهم. بتعبير آخر هم يحددون للضعيف ما يريدون ويقولون نفذ ولا تعترض ولا تخطب لأن الاعتراض والخطاب غير مفيد ولا جدوى منه.
واذا كان أسياد العالم يملكون قوة الفرض والاملاء، فانهم كسائر الدول التي سادت تاريخياً مضطرون للتعامل مع الممانعين والذين يملكون تأثيراً معينا ضمن حسابات ليست كلها مبنية على استخدام القوة، ذلك أن استخدام القوة الفعلي للحصول على الاملاءات المرفوعة يمكن ان يكون فعالا في حالة واحدة او حالتين لكن ليس في كل الحالات والا تطلب الامر احتلال القسم الاكبر من العالم وهذا الامر ليس متاحا ولم يكن متاحا في اية فترة من الفترات الا عندما تقرر الشعوب الخضوع في هذه الحالة يمكن لبضعة جنود فرض ما يريدون على بلد بكامله كما كانت حال بريطانيا مع العديد من مستعمراتها او حال تركيا العثمانية في العديد من ولاياتها.
نعم تسود الولايات المتحدة الامريكية العالم، وترغب في ان تسود مع اسرائيل الشرق الاوسط بكامله دون ممانع او رافض لكنها لا تستطيع ان تحتل كل هذه المنطقة اذا قرر اهلها عدم الخضوع والانبطاح للاحتلال ومثال العراق برهان واضح على ما نقول فلو ان العراقيين خضعوا للاحتلال لتكررت التجربة العراقية في ايران وفي سوريا لكن المقاومة العراقية انقذت - موضوعياً - البلدين المذكورين من السقوط. في حالة رفض الخضوع و الممانعة الناجحة سيكون على السيد ان يخفض حجم املاءاته وان يقبل بمصالح غيره ما دام هذا الغير لا يضرب مصالح السيد بجوهرها من هنا يمكن فهم معنى التفاوض الامريكي الايراني المحتمل حول العراق ومن هنا يمكن النظر الى الحذر الامريكي في التعاطي مع الملف السوري اللبناني.
في ضوء ذلك يبدو ان السياسات التي يعتمدها العرب في التعاطي مع التغيرات الدولية وفي الصراع العربي - الاسرائيلي لا تحسب دوراً كافياً للممانعة وتبدو وكأنها مبنية على خوف من الاحتلال وقابلية للخضوع وفي ذلك ضرر كبير على مصالح العرب ذلك ان الخضوع يحرر السيد من الاستجابة لمطالب الخاضع والنظر في حقوقه.بكلام آخر نقول ان فعل الخضوع ينطوي على تنازل مؤكد عن الحق وتسليم بارادة السيد دون شروط ودون مبرر.
لا يحق للعرب ان يخضعوا لأسياد العالم ويضعفوا في حماية مصالحهم ويفرطوا في حقوقهم فيما شعوب صغيرة في امريكا اللاتينية تمانع الأسياد وتفرض مطالبها عليهم. هكذا فرض هنود بوليفيا انفسهم على السيد الامريكي في صناديق الاقتراع وجاؤوا برئيس هندي الاصل للمرة الاولى منذ استعمار القارة قبل خمسة قرون.
و لايحق للعرب ان يواصلوا الاعتقاد ان آحادية القطب في النظام العالمي الجديد تعني الانبطاح وتعني القبول بما كانوا يرفضونه من قبل، فالاحتلال غير قابل للتفاوض في اي نظام عالمي ولم يكن يوماً خاضعاً للتفاوض والحق في الارض والاقامة عليها هي مسألة حياة أو موت بالنسبة للشعب الفلسطيني وبالنسبة لأي شعب في العالم ان تخلى عنه يصبح مصيره الزوال الحتمي.
بالمقابل يمكن التفاوض على المصالح وحمايتها ويمكن التفاوض على عدم التسبب باضرار للغير ويمكن التفاوض على احترام قواعد وقوانين متفق عليها حتى وان كانت هذه القوانين والقواعد لا توفر للعرب كل ما يطمحون اليه وما يرغبون في تحقيقه.
بعدمضي عقد ونصف العقد على نهاية الحرب الباردة وسيادة نظام القطب الواحد لم يعد جائزاً ان يرسم العرب سياساتهم بالاستناد الى وعي سياسي بهلواني يتأرجح بين عهد دولي مضى وعهدآخر آخذ في الاستقرار.
بعد مضي عقد ونصف العقد على نهاية الحرب الباردة لا مناص للعرب من اعادة الاعتبار للقوة الكامنة في جامعتهم ولفكرة التعاون المشترك والتصميم على رفض الخضوع واللجؤ الى الممانعة دفاعاً عن المصالح والمقاومة من اجل ازالة الاحتلال وضمان البقاء..وفي الحالتين ضمان الحق في الحياة الحرة والتي بدونها تفقد السياسة جوهرها ومعناها.
mfjalloul|@hotmail.com

في الخميس 30 مارس - آذار 2006 06:37:12 م

تجد هذا المقال في 26سبتمبر نت
https://26sep.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://26sep.net/articles.php?id=452