الاضطراب لعرب "الثورة" والاستقرار لعرب الثروة
كاتب/فيصل جلول
كاتب/فيصل جلول
لا جدال في أن موجة الانتفاضات التي تشهدها الدول العربية قد استقرت على حال شديدة الصراحة في وضوحها. فهي تتأجج من جهة في الدول العربية الفقيرة في مصادرها الاقتصادية كمصر واليمن وسوريا وتونس أو الفقيرة في نظامها السياسي كالجماهيرية الليبية وتنحسر الموجة من جهة ثانية أو تخنق في مهدها في الدول العربية الثرية وذات النظام السياسي الملكي والإشارة هنا إلى مصر وتونس ناجمة عن استمرار مشكلة الحكم في البلدين وان حلها لم يكتمل برحيل الحاكم السابق.

 والفارق الاول بين الفئتين (أي البلاد الجديرة بالثورة والبلاد غير الجديرة بها) يكمن في أن تأطير الاحتجاجات وتعبئة الناس ضد دولهم وحكوماتهم تتولاها فضائيات عربية ملكية ذات موازنات عالية السقوف وهي نفسها أي الفضائيات تحجب أو تردع " الثورات" المزعومة أو الاحتجاجات في الدول الملكية. والفارق الثاني يكمن في أن البلدان الأجنبية التي تسيطر على المجتمع الدولي تنحاز إلى هذا الاصطفاف فنرى مسؤوليها يبلعون ألسنتهم إذا ما انتهكت حقوق" الثوار" في بلاد العرب الغنية ويرفعون أصواتهم عالية إذا ما سقطت مجموعة من المقتحمين لثكنة عسكرية أو مخفر للشرطة أو مبنى حكومي في بلد عربي فقير ولسان حالهم يقول ضمنا أن من حق المقتحمين السيطرة على الثكنة ولا يحق لعسكرييها الدفاع عنها وهو منطق لا ينطق بالمنطق.

ولشدة الوضوح في هذا الانقسام بين بلدان عربية يمكن السماح باندلاع "ثورات" فيها وأخرى عصية على "الثورات" ليس لأنها ختمت "عصر الديمقراطية" والتعبير الحر والتعددية السياسية وليس لأنها وجدت حلولا ناجعة للبطالة وأزمات السكن والمساواة في الفرص بين كل المواطنين وليس لأنها تخلو من سجناء الرأي والتمييز بين الجنسين ليس من اجل ذلك كله بل لأنها محمية من أسياد العالم الذين يصدرون قيمهم ويتصرفون كمالكي السلع المصدرة فيفرضون شروطا لسلعهم ملائمة للسوق هنا وأخرى ملائمة للسوق هناك.

والثابت أن السادة الاجانب قرروا أن قيمهم الحقوقية جديرة بالتصدير إلى البلدان العربية الفقيرة وليس إلى البلدان العربية الغنية وان في الأولى يجوز دعم" الثورة " وتأطيرها ومواكبتها تحت شعار" الشعب يريد إسقاط النظام " وفي الثانية يتوجب اعتماد سياسة الصم والبكم فلا عينا رأت ولا أذنا سمعت ومن لا يعجبه ذلك بوسعه أن يشرب مياه البحر الأقرب إلى مقر سكنه . بل يذهب البعض إلى حد السخرية من الحديث عن تهمة ازدواج المعايير ويقول لك نعم أنها معايير مزدوجة ماذا بعد؟ أليست الحملة الأطلسية على ليبيا رغم فظاعات النظام الليبي وطغيانه من جهة وحماية الأساطيل الأجنبية لحملات التعذيب وإخفاء الناشطين في بلد عربي ثري من جهة أخرى أليست التجسيد العملي لهذا الانقسام والازدواج الصارخ في المعايير الثورية ؟.؟؟

 وإذ تستقر حال "الثورة" العربية المزعومة على هذا الانقسام فإنها تفضي إلى مآلات شديدة الخطورة في بلدان عربية فقيرة حيث تصر " فضائيات الترف الثوري " على تعبئة الناس حتى الرمق الأخير ولو أدت هذه التعبئة إلى الانفجار الكبير وإلى تدمير البلد عبر الحرب الأهلية. وإلا ما معنى أن تصر هذه الفضائيات على تعبئة الناس بعد أسابيع طويلة من استعراض القوة الشعبية في الشوارع والساحات وظهور الانقسام الواضح بين فريق يريد قلب الحكم وفريق يريد الحفاظ عليه أو بين فريق يريد قلب الحكم وفريق آخر يدافع عنه حتى الموت؟ ما معنى مواصلة التعبئة والتحريض غير القول للناس أن مشكلة الحكم في بلادكم لا تحل بالتفاوض وإنما بالانقضاض على الدولة. هذا الانقضاض الذي يقود إن وقع -لا سمح الله- إلى نوع آخر من الخراب قد يكون الخراب الليبي معه ضرباً من المزاح.

إن الحل الديمقراطي لمشكلة الحكم يكمن في استعراض القوة في صناديق الاقتراع أو في الشارع بين الأطراف المعنية، حيث يمكن لكل طرف أن يقيس قوة تمثيله وان يستخدم هذه القوة في تعديل النظام أو تغيير الدستور أو التوافق مع الخصوم حول صيغة وطنية للحكم يشارك فيها الجميع كل بحسب حجمه وتمثيله.

لقد مضى الزمن الذي كان بوسع قوة صغيرة منظمة أن تتولى الحكم عبر انقلاب عسكري كما وقع في العديد من بلدان العالم الثالث بعد الاستقلال عن الاستعمار او بقدر من التكتيك والتصميم أو الإرهاب كما فعل البلاشفة في روسيا وقد سيطروا على الحكم بقبضة ضئيلة من المناضلين أو كما فعل اليعاقبة الذين سيطروا على الحكم في فرنسا بعد أن أرسلوا إلى المقصلة مائة ألف مواطن خلال سنتين.

بالمقابل مضى ذلك الزمن الذي يمكن فيه السيطرة على الحكم بواسطة القوة والجيش والحلول الأمنية إلى الأبد وما عاد بوسع حاكم أن يرد على مطالب شعبه المحقة بالتسويف تارة والقمع تارة أخرى وبما أن زمن الحكم السييء ما عاد متاحا وزمن السيطرة على الحكم بالوثبة الثورية ما عاد هو الآخر ممكناً وبما أن الحل الديمقراطي لمشكلة الحكم هو الحل الأمثل فإن طاولة الحوار تظل الخيار الأسلم والأفضل للخروج من صراع سياسي طال امده في هذا البلد العربي  أو ذاك ولنا في ذلك عبرة من التجربة الليبية التي يقول الحلف الاطلسي انها لن تحل بالقوة تاعسكرية وانما بالمفاوضات .. فلماذا التدخل اذا في نزاعات سيقود عاجلا ام اجلا الى طاولة التفاوض ؟

اما الذي مازالوا يراهنون على حل لمشكلة الحكم على الطريقة المصرية او التونسية فلربما عليهم ان يعيدوا النظر في رهانهم ذلك وان الحكم في مصر وفي تونس كان معزولا الى حد ان احدا في الداخل لم يتصدى للدفاع عنه واحدا في الخارج لم يرغب في حمايته من السقوط فهوى خلال اسابيع معدودة . نعم لم يخرج الف متظاهر دفاعا عن الحاكم التونسي والمصري مايعني مايعني ان سقوطه كان محل اجماع ولم يكن محل انقسام بين مؤيد ومناهض كما هي الحال في البلدان الاخرى مايعني ان على هذه البدان ان تختار ليس بين الحاكم وخصومه بل بين الحل التفوضي والخراب 


في الخميس 12 مايو 2011 01:34:13 م

تجد هذا المقال في 26سبتمبر نت
https://26sep.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://26sep.net/articles.php?id=4716