عرب الالفية الثالثة: "المجتمع الدولي" يرقد على صدر غزة
كاتب/فيصل جلول
كاتب/فيصل جلول
 تكافح مجموعة من البواخر المدنية السلمية في أثينا من اجل الانطلاق نحو غزة لكسر الحصار عن مليون ونصف المليون من الفلسطينيين الذين ينام العالم على مأساتهم منذ سنتين.ويواجه مكافحو الحصار الصهيوني على القطاع ليس فقط السلطات الإسرائيلية وإنما القسم الأكبر مما يسمى ب "المجتمع الدولي". فقد بعث الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون برسائل إلى الدول المتوسطية دعاها إلى منع انطلاق الأسطول أو إحدى سفنه من موانئها نحو غزة. ويبدو أن حماسه في خدمة إسرائيل مضاعف هذه المرة وذلك ربما لاعتقاده أن الأسطول يحظى بتعاطف وبمساهمة خاصة من أنصار دمشق التي يمتنع رئيسها عن الرد على مكالماته الهاتفية المتعلقة بالوضع السوري الداخلي، ولئن كان حماس بان كي مون عائداً لهذا السبب أو لغيره فهو يتجاوز الدور التقليدي للامين العام للأمم المتحدة بالتزام الحياد وعدم الاصطفاف إلى جانب طرف من أطراف النزاع فما بالك إذا كان الأمر يتعلق ب "الدولة العبرية" وهي الدولة الوحيدة في العالم التي ولدت بقرار أممي و الوحيدة التي لم تنفذ يوماً قرارات المنظمة التي أوجدتها.

والجدير ذكره في هذا الصدد أن منظمي أسطول الحرية عرضوا على الأمم المتحدة تفتيش الأسطول قبل انطلاقه وإرسال مراقبين على متنه طيلة الرحلة للتأكد من سلميته وطابعه الأغاثي غير أن الإدارة الأممية رفضت العرض بداعي الحيادية التي انتهكها الأمين العام برسائله التحريضية لرؤساء الدول المتوسطية ضد الأسطول والتي يبدو من خلالها أن الأمين العام يحبذ بقاء الحصار الصهيوني على غزة بدلاً من كسره.

ويواجه البحارة المدنيون (ينتمون إلى حوالي ثلاثين جنسية) أيضاً الاتحاد الأوروبي الذي يعارض انطلاق أسطول الحرية 2 إلى ساحل غزة ومن ثم اللجنة الرباعية التي طالبت بمنعه من الابحار نحو شواطيء القطاع الفلسطيني. ولو قدر لمجموعة الثمانية أو مجموعة العشرين أن تلتئم هذه الأيام لربما صدر عنها ما يفيد الإبقاء على الحصار والحؤول دون كسره عبر مبادرات من هذا النوع.

وإذا كانت مؤسسات المجتمع الدولي مناهضة لأسطول الحرية 2 فإن مواقف بعض الدول الغربية فرادى ليس أفضل من الموقف الجماعي فهاهو وزير الخارجية الفرنسي آلان جوبيه ينصح المعنيين وبينهم سفينتان فرنسيتان بعدم الإبحار نحو غزة وينصح أيضا الحكومة الإسرائيلية بعدم استخدام "العنف المفرط" ضد المبحرين إذا ما تمكنوا من الإبحار وهو ما بدا مستهجناً من الخارجية الفرنسية التي تدين استخدام العنف ضد الثوار العرب بغض النظر عن حجمه ونوعه ووسائله وتسمح باستخدام غير المفرط منه للدولة العبرية.

وسط هذه الحملة المضادة لأسطول (الحرية 2) كان من الطبيعي أن تمتنع السلطات اليونانية عن السماح له بالإبحارمن موانئها رغم حصول البواخرعلى التراخيص القانونية، بل سجلت تجاوزات لاتليق بهذه الدولة الأوروبية المعروفة بمواقفها المشرفة من القضية الفلسطينية، فقد تم الاعتداء على ثلاثة من البحارة الفرنسيين الذين سلبوا أوراقهم الثبوتية ورفضت السلطات المحلية تزويد إحدى البواخر بمادة "الفيول" ومنعت الباخرة الأمريكية المشاركة في الأسطول من الانطلاق منفردة رغم حصولها على الترخيص وكافة الشروط الأخرى ما يعكس تصميماً لا يمكن تفسيره بمعزل عن الأزمة الاقتصادية التي تطحن هذا البلد وتجعله عرضة لضغوط متعددة الطرف لحمله على اتخاذ مواقف تتنافى مع أخلاقه السياسية المعروفة ونصرته الدائمة للقضية الفلسطينية في أحلك ظروفها.

تفصح تجربة أسطول الحرية الأول والثاني عن صعوبة تحصيل الحق الفلسطيني عبر القانون الدولي والمؤسسات الدولية التي يقتضي دورها صيانة حقوق الدول والجماعات وليس مباركة انتهاكها وتبديدها كما يتم في فلسطين التي ينهش أرضها الاستيطان ويخضع شعبها لمهانة المستعمر الصهيوني اليومية ويحاصر حتى الموت القسم الآخر من الشعب الفلسطيني في غزة ويشارك المجتمع الدولي في الحصار عبر دعم اسرائيل وحماية حصارها العنصري من الاختراق.

وإزاء صعوبة تحصيل هذا الحق بالوسائل القانونية في ظل الشرعية الدولية فإن الشعب الفلسطيني قد يلجأ عاجلاً أم آجلاً إلى استرداد أرضه بالوسائل التي يراها ملائمة وإذاك لن يكترث للقانون والمؤسسات الدولية المنحازة للصهاينة والحامية أبداً لانتهاكاتهم وجرائمهم. إن المجتمع الدولي المزعوم بوقوفه المنهجي إلى جانب القوي وضد الضعيف يعزز الاحباط لدى أصحاب الحقوق الفقراء والضعفاء الذين لا عزاء لهم سوى المخاطرة وبالتالي تحصيل حقوقهم بسواعدهم العارية.

بالمقابل سيكون على الفلسطينيين أصحاب الحق أن يفخروا بتلك الفئات الواسعة من الرأي العام الدولي التي لمست معهم ازدواجية المعايير في المؤسسات الأممية و خرافة "العدالة الدولية" التي تنتصر للظالم على المظلوم. ولعل اتساع المؤيدين في الغرب للقضية الفلسطينية وانتشارهم في مختلف قطاعات الرأي العام يعد بتغيير أساسي في تأييد الحق الفلسطيني ورفض الباطل الصهيوني. وقد ينمو هذا التغيير طرداً مع تصميم الفلسطينيين على انتزاع حقوقهم بكافة الوسائل المشروعة وان فعلوا سيكون من الصعب رميهم بتهم سخيفة كالتعصب و الإرهاب والاستبداد، خصوصاً عندما يكون المتهم (بكسر الهاء) من طراز الدولة الصهيونية التي تتساقط دفاعاتها الأخلاقية والمعنوية والحقوقية في وعي الرأي العام الغربي، كما تتساقط أوراق الخريف.

 

في الخميس 07 يوليو-تموز 2011 04:01:07 م

تجد هذا المقال في 26سبتمبر نت
https://26sep.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://26sep.net/articles.php?id=4867