لااحد غيرنا يبني بلدنا
حسن العديني
لا علاقة لما سأتناوله بالجدل الدائرحول الانتخابات الرئاسية والمحلية إلا من زاوية اتصال الأشياء ببعضها عبر شبكة من العلاقات المعقدة والوسائط المتعددة.
فكرة الموضوع أملتها على تعليقات الصحافة المحلية على زيارة فخامة رئيس الجمهورية لجمهورية الصين الشعبية. وكلها أحاديث عن العلاقات الطيبة بين البلدين منذ نشأت في عشرينات القرن الماضي حتى بلغت مستواها الحالي غير أن مقالا نشرته "الثورة " مؤخراً لفت انتباهي وفية طالب كاتبه من الرئيس استلهام تجربة الصين في استئصال الأفيون لشن حرب ضد القات.
عندي أن مشكلة القات أهون من ان توضع مع الأفيون على كفتي ميزان وأعقد من أن تقرر الحرب ضدها على مجمل ذلك لا يعني عدم تفهم الحماس الذي يبديه قطاع واسع من المثقفين للدعوة، لكني أعتقد أن العلاج بالصدمة يمكن أن يحدث من الكوارث أكثر مما تظن وأفدح مما تحتمل. وأفضل منه العلاج بالجرع لظاهرة نشأت عليها مصالح وستترتب على إزالتها التزامات وحقوق.
لهذا تبدو الحاجة ملحة لإنشاء مركز وطني لأبحاث القات يدرس الظاهرة من جوانبها الشتى، يبين الأضرار والمنافع ويحدد الخيارات والبدائل.
إن الناس لا يختلفون حول مضار القات قدر اختلافهم بشأن ما فيه من منافع وما دمنا نسلم بصدق القول المأثور "رب ضارة نافعة" فقد تبدت فائدة القات الضار في لفت انتباه كاتب نابه إلى أن ثمة شيئا يمكن أن نتعلمه من الصينيين كي تكون لرحلة الرئيس إلى بلادهم فائدة أبلغ من تأكيد المؤكد وهو المعنى المفهوم من التمجيد المعاد للعلاقات الحميمة بين اليمن والصين.
بدا كاتب المقال أفضل من يفهم حديث الرسول الكريم "اطلبوا العلم ولو في الصين" وكأن الرسول بهذا الحديث قصد، فوق الحث على السفر من أجل العلم التفريق بينه وبين حفظ النصوص المبينة للسنن والشرائع التي لم تكن تحتاج إلى الخروج من المدينة ولا يستحق عارفوها صفة العلماء كما يطلق عليهم الآن.
في الظروف الراهنة تطرح التجربة الصينية نفسها أمام الشعوب إن أرادات أن تغترف من نهرها الدافق وهي تتحسس طريقها إلى النهوض الاقتصادي والتنمية السياسية فقد أنجزت الصين معجزة اقتصادية بأبلغ دلالات الكلمة وأعمق معانيها.
هذه المعجزة في اعتقادي تستحق الدراسة وتغري بالتعلم وتستوجب الفهم لكن المؤسف أن انغماس رجال السياسة والإدارة بالشواغل اليومية تصرفهم عن أن يدرسوا ويتعلموا ويفهموا، وزاد على ذلك أنهم – بل نحن جميعاً – متهمكون في مطالعة كراسة تعليمات أعدتها واشنطن لا نكف عن حفظ نصوصها والتنافس في إعادتها وترديدها، والمزعج أن محتوياتها تخضع باستمرار لتعديلات وإضافات وتجرى حولها امتحانات ومسابقات لكن المعلم لا يبدي إشارات رضا ولا يقدم شهادات نجاح أو جوائز دالة على التشجيع أوالتقدير، ثم إنه فيما يفهم من تصرفاته يبالغ في تعذيب التلاميذ ويمعن في ترسيخ الشعور لديهم بعدم الثقة بالنفس وبالعجز عن استيعاب الدرس وفهم المعنى ولا يتورع عن ضرب أيديهم بعصا التأديب والتلويح بمثال العراق حيث الظهور تجلد والرؤوس تهشم.
وكما أنه معلم فض الطباع، قاسي القلب فالصدق ليس إحدى صفاته.
مع ذلك لا أحد سأله مرة عن صدق وعوده، والمخزي ألا أحد توقف مرة كي يسأل نفسه. ما من أحد تساءل عن مصير برنامج الإصلاحات السياسية والاقتصادية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الذي تبنته الدول الثمان الصناعية في ولاية جورجيا الأمريكية قبل عامين.
لم يسأل أي منا عن مراكز تنمية الصناعات الصغيرة وتأهيل رجال الأعمال وإصلاح التعليم والإدارة وتمكين المرأة وغير ذلك من محتويات برنامج حافل تبين الآن أنه كان مجرد ضجيج في محفل للدراويش.
لقد قعدنا أمام المعلم الأمريكي مأخوذين بحديثه الذي يفتقد البلاغة ومصعوقين بصوته بلهجة البطش، وأدرنا ظهورنا نهائياً لمستودع الحكمة القريب منا في الشرق، وأكثر منه فقد نسينا أننا نجلس فوق مخزون ثقافي هائل يمكن أن نستخلص منه خميرة خاصة ونمزجها بما أنجزته البشرية في حقول العلم والحضارة لنصنع مناهجنا المبكرة وطرقنا المستقلة لبناء حياتنا على أرضنا المتعطشة للمجد.
إن الدعوة إلى الالتفات نحو الشرق والاتصال بالتراث لا تعني الرفض المطلق للنموذج الغربي بكل ما فيه وما عليه أكان ذلك بعقدة التعصب أوبضرورات الكبرياء.
أمامنا في الغرب تراث سياسي وفكري ضخم وإنجاز عملي واقتصادي كبير يمكن أن نأخذ منه مايدعم تصوراتنا للحياة.
أمامنا العلم والتكنولوجيا وهو الحقل الذي يتعين أن نخوض فيه معركتنا الرئيسية. ولكن يجب ألا نفرط في الظن أننا قادرون بقفزة واحدة في الهواء أن نبلغ آمالنا، فهناك قيود مفروضة على نقل فنون التكنولوجيا وهناك قيود الموارد والوقت الذي يفرض علينا أن نبني حياتنا طوبة طوبة وحجراً فوق حجر.
وأمامنا الإنجاز الاقتصادي ويجب أن نسعى من أجله، ولكن من الضروري أن نتذكر أن ما حققه الغرب هو ثمرة تراكم أربعة قرون أوخمسة شهدت أكبرعملية نهب في التاريخ لثروات الشعوب الأخرى، وشهدت استئصالاً للأعراق واسترقاقاً للبشر واستغلالاً وحشياً للطبقة العاملة. دلالة ذلك أن فلسفة المشروع الخاص كما وصل إليه الآن في أوروبا وأمريكا ليست قابلة للتكرار والمحاكاة.
وأمامنا نموذج غير مسبوق للممارسة السياسية ينطوي على إطلاق خلاق للمبادرات وفضاء بلا حدود أمام حرية التعبير وتداول السلطة، لكن يجب ألا ننسى أن فيه ما يغوي ويضلل مثلما فيه ما يغري ويحرض. ومن التسطيح أن نتصور أن استنساخ القوانين والهيئات والأطر سوف ينقلنا ببساطة إلى فردوس الديمقراطية فنحن محكومون بظروف تفرضها طبيعة الدولة الناشئة، وأقولها تخففاً من الوقع القاسي لمصطلح الدولة الرخوة. ونحن مقيدون بكوابح التعقيدات الاجتماعية والبنى العشائرية المتخلفة والشروط الاقتصادية الصعبة حيث أبسط ما يقال فيها غياب الرافعة الرئيسية للديمقراطية وهي الطبقة المتوسطة، ولذلك فإن الإسراف في الخيال والمبالغة في الأماني قد تدفع إلى الفوضى وتمهد الطريق أمام القوى الجاهزة للانقضاض على الديمقراطية ولا حاجة بي للاستدلال بتصدر القوى المتخلفة قيادة قوى المعارضة الحديثة في البلدان العربية. آية ذلك ما جرى في الانتخابات النيابية الأخيرة في مصر حيث كرست جماعة الأخوان المسلمين نفسها في طليعة القوى المناهضة للنظام، رغم أن ممارساتها وفكرها لا يخفيان ما تحاول الأقوال إنكاره، وهو العزم على إلقاء القوى التي ستصعد على أكتافها في سحيق الدكتاتورية الدنيئة
ذلك ما يحيط بنا الآن ونحن نجلس أمام الحاوي الامريكي مثل تلميذ بليد يتظاهر بالفهم ويفتح كفه لعصا المؤدب دون أن يلقى من التشجيع ما يعينه على احتمال الأذى
لكن شيئاً آخر موجود هناك أمامنا لا نحاول الاقتراب منه للتعلم رغم أنه مفتاحنا إلى العلم والى الديمقراطية والى النهوض الاقتصادي
أمامنا الادارة الحديثة وكفاءة التنظيم أمامنا فلسفة التعليم ومناهجه وأساليبه وطرقه، لكننا نحافظ على مؤسساتنا البالية التي تقتل المهارات وتدمر المواهب.
لقد فزع بمسارك موحد المانيا ومستشارها القومي عندما اطلع على محتوى التعليم في بلاده، ولا حظ أن المانيا في خطر إذا سلمها جيله لقيادات لم تحصل على تعليم جيد ومن هنا - اصلاح التعليم - بدأ مسيرة المانيا الناهضة كذلك من هنا بدأت اليابان وتمكنت في زمن قصير أن تتفوق على أوروبا.
تجربة اليابان وراءنا في الشرق وغنية بالخبرة.
 كما أن وراءنا في الشرق تجربة الاتحاد السوفيتي والصين الشعبية وقد كانت التجربتان في الحقب الاشتراكية مصدر إلهام للقوى المكافحة من أجل العدالة في اليمن وبلدان العالم الثالث وحتى في اوروبا الرأسمالية وأمريكا ثم اعقب انهيار الاشتراكية السوفيتية وتوقف الصين عن التبشير بالماركسية خارج حدودها انقلاب تلك القوى على مفهوم العدالة.
والانتقال بأبصار شاخصة نحو أمريكا المنتصرة.. أمريكا قلعة الرأسمالية البغيضة.
والحال أن الاشتراكية لم تكن رجساً شيطانياً خبيثاً، ولم يكن «كارل ماركس» مسكوناً بنزعة تدميرية وأكمل اليقين أن توحش الرأسمالية سوف تبرهن عما قريب، بل هي أخذت في البرهنة، إنه كان مصلحاً عظيماً ومبشراً رفيع القيمة بالعدالة والسلام. والرفاهية لجميع بني البشر. يعنينى الآن ان الامبراطورية السوفيتية اختنقت تحت الضغط الشديد للحرب الباردة بينما استطاعت الصين أن تلائم تجربتها مع الزحف الغلاب لغول الرأسمالية.
إن الصعود والسقوط أو التكيف لكلتا التجربتين كتاب مفتوح لمن يريد أن يقرأ ويستوعب الدروس الثمينة التي يحتويها.
والدرس الأول من التجربة السوفيتة أن الثورة الاشتراكية نقلت روسيا من الاقطاع المتغلق الى قوة اقتصادية عظمى في زمن قياسي لا يتجاوزالعقدين وبفضل تلك القوة الجبارة منفردة بوطنية صلبة عززتها عدالة النظام الاشتراكي سحقت الفاشية.
إن انصع ما في التجربة السوفيتية انها بنت ذلك الصرح الاقتصادي والتكنولوجي الشامخ دون أن تلجأ إلى رذيلة نهب ثروات الشعوب الأخرى ودونما استغلال بشع لطبقة اجتماعية من قبل قلة كسولة، إنما قيّم ذلك الانجاز العملاق باستعداد المجتمع بأكمله لبذل المزيد من العرق والكثير من التضحية بالوقت.
كانت الروح التي الهمتها المثل الاشتراكية العليا هي الطاقة التي حركت ذلك الخارق، لأن شعوب الاتحاد السوفيتي نزلت الى ميادين العمل بقلوب عامرة بالإيمان والثقة أن ثمرة تضحياتها لن تستأثر بها فئة خاملة.
والدرس الثاني أن النظريات السياسية ليست كتباً مقدسة لا تقبل المراجعة وإلا تحولت إلى سردين معلب قابل للتعفن.
 وعلى عكس ما أراد آباء الاشتراكية فإن ورثة التجربة السوفيتة لم يأبهوا إلى أن مرجعيتهم العقائدية - كما هي الافكار العظيمية دائماً - اشبه بكائنات حية مستعدة لتجديد خلاياها حتى تصمد وتبقى في ظروف الحياة المتغيرة ولذلك أدى الجمود العقائدي إلى تصلب في شرايين الدولة السوفيتية وبدلاً من إخضاع المريض لعلاج يلين الشرايين ويذيب الدم المتخثر دفعوا به الى الجرى السريع في طريق لا يعرفه حتى انهكه الاعياء وسقط بالسكتة القلبية.
وذلك هو الدرس. وخلاصته أن الانتقال بقفزة واسعة الى النقيض في ظروف الانهاك يفضى الى نتائج مدمرة.
وهذا مافعله ميخائيل جوربا تشوف ولم يقع في زلته «دنج سياو بنج» الذي تولى تجديد النظام الصيني عقب رحيل «ماو تسيم تونغ» استعار جور باتشوف ثوب الديمقراطية ذي الماركة العربية وحاول ان يحشر الاتحاد السوفيتي داخله وحتى لا يتمزق الثوب فقد عمد الى تقطيع الجسد. حتى يتناسب مع الثوب الغريب وتمزق الاتحاد السوفيتي.
الصين نهضت بفضل الثورة التي قادها "ماو" ومن خلال المراحل الثلاث التي رسمها بالمزيج العبقري من الماركسية والكونفوشية وقد صاغ خلاصة برنامجه في التنمية الاقتصادية عبر مراحل شملت القفزة الكبرى، تلاها الوقوف للتدعيم ثم التطوير، حتى لا يستهلك طاقة بلاده في قفزات متلاحقة.
وبعد أن حققت البلاد التراكم اللازم للانطلاقة الكبرى لم يتردد الصينيون عن المراجعة من أجل التجديد.
لم يقم "دنج سياوينج" باستدارة كاملة من النظام الاشتراكي إلى الرأسمالية المطلقة، وابتكر نظرية نظامين في دولة واحدة.
ولم يمزق ثوب الصين ليستبدله بثوب آخر.. وإنما أخذ يفصل ثياباً جديدة على مقاس بلاده الذي يتغير مع كل وثبة نحو النمو.
انفتاح متدرج في الاقتصاد يتبعه انفتاح حذر في السياسة.
ومع كل ما بلغته الصين وما يمكن أن تبلغه في المستقبل القريب فليس لدي وهم أن الصين مؤهلة لمنافسة العملاق الأمريكي. ذلك أن هناك مصاعب كبيرة ستعترض التنين المتوحش وأبرزها الحجم الهائل للسكان. ومازالت روسيا- في تقديري - هي القطب المرشح للمنافسة إذا استطاعت أن تستعيد العافية.
روسيا وحدها بدون الأجزاء التي سلخت من جسدها يمكن أن تستأنف ثورة الإبداع. لكن لهذه المقارنات موضوعها المستقل. وما يهم الآن هو درس السقوط المستوحى من مغامرة الانقلاب المفاجئ على النفس، ودرس التجديد على طريق الاستمرار الذي تقدمه التجربة الصينية.
وهذا ما أعتقد أنه بمقدورنا أن نتعلم منه.. التجديد على أساس الاستمرار أو الاستمرار بمنظور جديد ذلك أن الوصفات الجاهزة مثل الوجبات الجاهزة قد تكون لذيذة المذاق، فاتحة للشهية ولكن فيها الكثير من أسباب العلل.
إن الغريب لن يكون حريصاً على البيت مثل أهله. وليس من أحد سوانا يمكن أن يبني بلادنا.
بلادنا نحن، ونظامنا السياسي نحن واقتصادنا.

 نحن الذين يجب أن نشق طريقنا المستقل نحو الغد الذي نتطلع والأمل الذي نرتجي


في الخميس 27 إبريل-نيسان 2006 05:49:42 م

تجد هذا المقال في 26سبتمبر نت
https://26sep.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://26sep.net/articles.php?id=499