لبنان الذي كان مرشحاً للاحتلال بفرقة موسيقية!!
كاتب/فيصل جلول
كاتب/فيصل جلول
ظواهر عديدة تختفي خلف دخان المعارك وأصوات المدافع المنبعثة من الحرب الإسرائيلية على لبنان.بعضها ليس جديداً وكان على الدوام مترافقاً مع الحروب العربية- الإسرائيلية والبعض الآخر مستجد ما يستدعي التأمل في الهوامش التالية:
خطر الحرب الأهلية
خلال ندوة علنية حول لبنان في مجلس الأمن حذر العرب من أن الأخذ بمشروع قرار أمريكي ـ فرنسي كان معداً لصالح إسرائيل من شأنه أن يشعل حرباً أهلية في لبنان.يبدو هذا التحذير غريباً ليس لجهة ضرر الحرب الأهلية على لبنان والعرب وإنما لجهة سوء فهم الرهانات الإسرائيلية من الحرب.ذلك أن تل أبيب كانت تتمنى منذ بداية حملتها العسكرية الجوية وتركيزها في مناطق الجنوب والبقاع والضاحية أن تنهض الطوائف اللبنانية ضد المقاومة وبالتالي اشتعال حرب أهلية لبنانية تؤدي إلى إشغال اللبنانيين ببعضهم البعض وإجهاض مقاومتهم بوسائل لبنانية كما جرى في العام 1985 عندما انسحبت إسرائيل من صيدا في سياق رهان ناجح على اشتعال الحرب الأهلية بعد خروجها وهو ما حصل حرفياً إذ شنت هجمات على قرى شرق صيدا المسيحية وغرقت المقاومة في صراع طائفي أجهض المقاومة التعددية الحزبية ومهد الطريق لانبثاق المقاومة الإسلامية كلاعب وحيد في جنوب لبنان، ولعل أحد أبرز أسباب نجاح هذه المقاومة هو ابتعادها عن الصراعات الأهلية اللبنانية وعدم إطلاقها رصاصة واحدة خلال الحرب في النزاعات الداخلية.الحاصل أن خطر الحرب الأهلية يهدد المقاومة ولبنان بالدرجة الأولى وبالتالي يخدم مصالح إسرائيل ولا أرى كيف يمكن أن يحفز هذه الأخيرة على تغيير موقفها من مشروع قرار يصب في هذا الاتجاه ويخدم مصالحها.؟ أما إذا كان التحذير موجهاً إلى الدول المؤيدة لإسرائيل واستدرار عطفها فإنه يغفل أسباب الترابط العضوي بين الطرفين خصوصاً في لعبة موازين القوى. هل كان على الطرف العربي أن يستخدم حجة أخرى في مجلس الأمن؟!
فنزويلا العربية
قرر الرئيس الفنزولّي هوغو شافيز سحب سفير بلاده من إسرائيل احتجاجاً على الحرب التي تشنها على لبنان، وهدد بقطع العلاقات الديبلوماسية معها.هذه الخطوة مفيدة لصاحبها ولبلاده و إلا لما أقدم عليها خصوصاً أن فنزويلا منتج للنفط وعضو مؤسس في الأوبيك وتعيش في منطقة تدير ظهرها لواشنطن وتراهن على حلفاء في مجال الطاقة وفي قارة أخرى. هل تترك هذه الخطوة صدى في مراكز القرار في الدول العربية التي ترتبط بعلاقات وثيقة بإسرائيل؟ لو كنت رئيساً لفنزويلا لأصبت بالغثيان إزاء كل هذا الخوف والجمود الذي يضرب عرب المصالحة والتطبيع.
الوحشية الإسرائيلية
ليست المرة الأولى التي يرى فيها العالم بأم العين الأعمال الوحشية الإسرائيلية في لبنان وفي العديد من الدول العربية لكنها المرة الأولى التي لا تحاسب فيها إسرائيل على وحشيتها والسبب يكمن في ضعف الحرص على احترام القانون الدولي والقواعد الدولية.وهذا ناجم عن تغير موازين القوى في العالم ونزعة التفرد التي تهيمن عليه وسيادة مفهوم نزاع الحضارات ضمناً في أروقة القرار الغربي، وعلناً في مراكز التفكير المتطرف في واشنطن وبعض العواصم الغربية الأخرى.الحصيلة أنه يمكن لإسرائيل والدول القوية أو المحمية ارتكاب ما تشاء من الأعمال الوحشية يكفي فقط أن تبررها بالحديث عن الإرهاب والتهديد الإرهابي ودون الحاجة للتمييز بين المقاومة والإرهاب الفعلي.
الدعاية الحربية
انقلبت الأدوار في حرب إسرائيل على لبنان. كانت الدعاية الإسرائيلية في الحروب السابقة مؤثرة للغاية في أوساط الرأي العام العربي والسبب يكمن في الأداء الركيك للإعلام العربي.في حرب حزيران ـ يونيو عام 1967 كان الإعلام العربي يمحو إسرائيل من الخارطة خلال يومين ليفاجأ الرأي العام بهزيمة قاسية وانهيار عسكري واحتلال لأراضي ثلاث دول عربية بمساحات تفوق بأضعاف مساحة الأراضي التي احتلتها إسرائيل منذ إنشائها. تغير الأداء الإعلامي العربي قليلاً في حرب أكتوبر ـ تشرين الأول عام 1973 وبدا أكثر جدية إلى حين مفاجأة ثغرة الدفرسوار لتنقلب الأمور مجدداً ولتنتصر إسرائيل إعلامياً مرة أخرى.ومن المؤسف القول أن حرب العام 1982 على لبنان وما رافقها من أداء إعلامي ركيك رجحت هي الأخرى فرص نجاح الدعاية الإسرائيلية لدى الرأي العام العربي.
أغلب الظن أن المقاومة اللبنانية كانت تدرك تأثير الدعاية الإسرائيلية على العرب خصوصا أنها ترافقت على الدوام مع انتصارات أو شبه أو نصف انتصارات عسكرية وكان عليها أن تتمتع بأقصى قدر من الصدقية بل يمكن الافتراض أن الأداء الإعلامي الصادق كان بالنسبة للمقاومين بمنزلة العمل العسكري، لذا غالباً ما ترافقت أعمال المقاومة مع وقائع مصورة تضطر العدو للاعتراف بها وقد بلغ الإعلام المقاوم درجة من الاحتراف أدت إلى إضعاف الدعاية الإسرائيلية إلى حد يمكن القول معه أن تأثيرها في الحرب الراهنة يبدو هامشياً إن لم يكن مضحكاً.
إن المتابع لفحوى المنشورات التي ألقتها و تلقيها الطائرات الحربية الإسرائيلية على لبنان يلاحظ أنها مبنية على قواعد ومفاهيم قديمة كتحريض مؤيدي المقاومة ضد قيادتهم وتصوير الخراب وكأنه من أثرهم وليس من أثر الطائرات الحربية الإسرائيلية و إقناعهم بأن الجيش الإسرائيلي لا يستهدف المدنيين والحديث عن تورط المقاومة مع دول خارجية والإشارة إلى مئات القتلى من المقاومين وإلى خسائر فادحة في مخزون الصواريخ... الخ. كل ذلك كانت أجهزة إعلام المقاومة تعرضه على جمهورها لتحوله إلى سلاح مضاد للعدو.
وتجدر الإضافة إلى أن الفضائيات العربية وبصورة خاصة قناة «الجزيرة» لعبت دوراً فعالاً في تحجيم أثر الدعاية الإسرائيلية الأمر الذي لا يقدر بثمن في الحرب الوحشية التي يتعرض لها لبنان هذه الأيام.والحاصل هنا أيضاً أن هزيمة الإعلام الدعاوي الإسرائيلي ما كان لها أن تقع لولا الأداء العسكري الناجح للمقاومين واستعدادهم المسبق لصراع مع عدو يملك خبرة هائلة في الحرب وخدعها.
فرقة موسيقية
قبل أربعين عاماً بقليل كانت إسرائيل تسخر من لبنان في معرض حديثها عن دول المواجهة بالقول: لبنان يمكن أن يحتله الجيش الإسرائيلي بفرقة عسكرية موسيقية. الإسرائيليون من معاصري تلك الفترة ربما لا يصدقون أعينهم هذه الأيام. أهو البلد نفسه الذي كان مرشحاً للاحتلال الموسيقي؟ نعم هو نفسه البلد الذي يقاوم ولا يكف مواطنه عن إطلاق الدعابات في ظل القصف اليومي وآخرها يقول: إذا ضربتم هيفاء نضرب حيفا.!! والمقصود بالطبع الفنانة هيفاء وهبي

في الخميس 10 أغسطس-آب 2006 02:29:44 م

تجد هذا المقال في 26سبتمبر نت
https://26sep.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://26sep.net/articles.php?id=648