بوح الحروف:خلاصة الاستفادات من نكهات الأوقات
عبدالسلام التويتي
عبدالسلام التويتي

لعل الاختلاف في أمزجة الأنفس البشريَّة تتسبب في رفد كل وقت أو فصل من الفصول السنويَّة بعشَّاقِه الذين يجدون فيه -دون سواه- راحة بالهم وبهجة قلوبهم، الأمر الذي يجعلهم يحرصون أشدَّ الحرص على استغلال كلِّ شهوره وأيامه وساعاته الاستغلال الأمثل قبل أن يحزم أمتعته ويرحل، حتى إذا ما رحل -تبعًا لسنة الله في الحياة- رغمًا عنهم، لا يسعهم -وقتئذ- إلاَّ تمنية أنفسهم بعودته عمَّا قريب بما عهدوه عنه من ثوب قشيب، فيصبِّرون أنفسهم على احتمال شهور وأيام وساعات الفصول التي تفصله عنهم، وهكذا تُقضى الأعمار بين لحظات استمتاع ولحظات انتظار.
لكن الملاحظة الموضوعية وتتبعها لِتعلُّق كل فئة من الفئات بوقت من الأوقات تبعًا للميولات الشخصيَّة ستؤكد لصاحبها أن لكل وقتٍ نكهتَه الإيجابيَّة التي لها أصداؤها الإيحائية في جانب من جوانب النفس البشريَّة، فبقدر ما نجد شخصًا يطير سعادةً وطربًا -على سبيل المثال- بحرارة ورطوبة الصيف، نجد آخر تنفرجُ أساريرُه على إيقاع رياح الشتاء ذات البرودة الشديدة، فيقضي في ذلك الجوِّ ساعات مُمْتعة وسعيدة، وبعكس ما يعتبرها آخرون شديدة القسوة، يعتبرها هو أجواءً لطيفة وحلوة.
والحقيقة أن لكل «فصل من الفصول» نكهته التي لا نجدها في فصل آخر.
فأجمل نكهةٍ يتسم بها الربيع ما يحدث فيه من تفتح للبراعم والأزهار التي تنعكس نشوةً وابتهاجًا على الإنسان والماشية وحتى الأطيار في الأجواء والأسماك في الأنهار والبحار التي تستشعر بحدسها الفطري أنَّ الأرض -يابسةً وماء- أخذتْ تكتسي ثوبها السندسي.
أمَّا فصل الصيف الذي يعُدُّه معظمُ الناس أكرم ضيف، فتتمثل نكهتُه في ما يَتخلَّلُه من مراحل نمو الزرع ونضوج الثمار، وصولاً إلى محطة موسمية مجتمعيَّة مفعمة بالنشاط والحيوية، وهي محطة الجني والحصاد التي غالبًا ما تتطلب جهودًا جماعية تُهيئ المناخات المُذكية للقرائح لإنتاج ما أمكن من النصوص الشعرية العاميَّة وترجمتها –بسرعة بتلقائية- إلى أعمالٍ فنية لا تلبث أن تُؤدى بصورة فردية أو ثنائية أو جماعية، مُسْهِمَةً -دون قصد أو نيَّة- في إثراء موروثاتنا الفنية المجتمعية التراثية.
في حين تتمثل أهم نكهات فصل الخريف في ميل الكثير من الأشجار والنباتات إلى التخلُّص التدريجي ممَّا ارتدته في فصل الربيع من كساءات إيذانًا بالدخول في مرحلة سبات، وكأنها خلال تلك المرحلة من الخمول تأخذ قِسطًا من الراحة التي من شأنها مساعدتها على استعادة نشاطها استعدادًا للانتقال إلى ما يتطلبه فصل الربيع -بعد انقضاء فصل الشتاء- من حالة الاتِّشاح بحُلل الجمال، وصولاً إلى ما تنتظره الحياة والأحياء من صنوف العطاء.
أما فصل الشتاء الشديد الجفاف والبرودة الذي يبلغ فيه وجود النباتات واكتساء الأشجار بالخُضرة درجة الندرة، فإن نكهتَه محصورة -في أبسط صورة- في صقل الذائقة إلى مستويات فائقة من خلال شِدَّةِ الإحساس بجمال ذلك القليل من أصناف النباتات التي لا تتوفَّر عادة إلاَّ بأقل الكَمِّيَّات.
فهل لنا نحن البشر -في نكهات الأوقات ودورات حياة الشجر التي تتكرر- من معتبر يدفعنا الفرد منَّا إلى الحرص على ما حباه الله من حياة دنيوية وحيدة يستحيل أن تعود في دورة جديدة, ويسعى إلى توظيف ما يتخللها من محطات حياتية في عبادة الله، وفي الإسهام الفاعل في إصلاح مسار الحياة وفق ما يحبه الله ويرضاه حتى نترك للأجيال من بعدنا -بين سطور ما نخلفه من الآثار والذكريات- أعطر النكهات؟
ولعل أزكى ما يُؤْثَرُ عن المرء المسلم من نكهات مرتبط ارتباطًا وثيقًا بمدى استشعاره ما يُناط به من مسؤوليات في ضوء مضمون ما هو آتٍ من أبيات:

لِكُلِّ شَخْصٍ -وَإِنْ لَمْ يَدْرِ- نَكْهَتُهُ *********عَبِيْرُهَا كُلُّ مَا يُسْدِيْهِ مِنْ خَدَمَاتْ
فَاحْرِصْ عَلَى نُصْرَةِ الْمَظْلُوْمِ مَا اتَّسَعَتْ *****بِكَ الْحَيَاةُ، وَمَهْمَا اشْتَدَّتِ الأزَمَاتْ
فَالصَّدُّ لِلظُّلْمِ لِلأَحْيَاءِ مَفْخَرَةٌ ***********وَالْمَوْتُ فِيْ خَنْدَقِ الْمَظْلُوْمِ خَيْرُ مَمَاتْ


في الثلاثاء 18 ديسمبر-كانون الأول 2018 11:44:23 م

تجد هذا المقال في 26سبتمبر نت
https://26sep.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://26sep.net/articles.php?id=6905