بوح اليراع:أهمية المصداقية في المهنة الصحفية
عبدالسلام التويتي
عبدالسلام التويتي

المهنة الصحفية كانت -وما زالت- هي الوسيلة المثلى لتداول وتعميم الأنباء، كما أنها -من ناحية أخرى- وسيلة من وسائل رفد القراء بالكثير من المعارف التي تعمل على توسيع آفاق ومدارك أكثر القرّاء شغفًا واحتفاءً بالإصدارات الصحفية وتمنحهم فرصة التثقُّف الذاتي.
ولأن مهنة الصحافة مهنة إخبارية بدرجة رئيسة، ولأنها تولي الأخبار المتعلقة بالشأن المجتمعي العام القدر الأكبر من الاهتمام، فقد أُطلِقَتْ عليها تسمية (السلطة الرابعة) على اعتبار أنها عين الشعب وسلطته الرقابية على سلطات الدولة الثلاث (التنفيذيَّة والتشريعيَّة والقضائيَّة)، وصاحبة الحق في نشر وتعرية ما قد يقترفه أيٌّ منها من أخطاء أو تجاوزات، على ألاَّ يشوب عملها أيُّ تزييف أو افتئات.
لكن من الإنصاف أنَّها كانت تستحق تلك التسمية وتمتلك هذا الحق وتتمتع بهذه الصلاحيات بشكلٍ مُطلق عند ما كانت تلتزم بأخلاقيات المهنة الصحفية ذات المعايير الإنسانيَّة الراقيَّة، وفي الصدارة منها تحرِّي المصداقية بدقة متناهية، إذ متى ما التزمت الصُّحف المصداقية أمكن جماهير الشعب الاعتماد عليها في كشف ما قد ينتاب أيًّا من سلطات الدولة من خلل، وأسهمت في تعافي أجهزتها ممَّا قد يُصيبها من العاهات الإدارية والعلل.
وعلى هذا الأساس تكون الصحافة المُلتَزِمَة إحدى وسائل البناء، لا سيما في المجتمعات التي لا يضيق مسؤولوها وموظفوها ذرعًا بالنقد البَنَّاء، وبذلك تكون الصُّحُف وغيرها من وسائل الإعلام محطّٙ الإعجاب والاحترام، وتُعٙدُّ مصدرًا من أهمِّ المصادر الموثوقة في نقل وتوثيق الحقيقة.
ولعل هذه الصفات كانت تنطبق إلى حدٍّ كبير على الصحافة في العقود الأولى من نشأتها حينما كان القائمون عليها والمشتغلون بها أشخاصًا عند مستوى الثقة مقدرين ما تُوليهم الجماهير من ثقة مطلقة، ولم تبدأ تهتز الثقة ببعض الإصدارات الصحفية إلاّ في العقود الزمنية المتأخرة.
ولكن بالمجمل فقد ظلت الصحافة الورقية المطبوعة إلى عصرنا الراهن تتسم بالحدِّ الأدنى من المصداقية، كونها ما تزال محكومة بضوابط أخلاقية نسبيَّة، فضلاً عمَّا توافق عليه المُشتغلون في هذا الحقل المجتمعي الهام من أعراف مجتمعيَّة مرعية، وذلك بعكس ما هي عليه الصحافة الإلكترونية المتمثلة في المواقع الإخبارية الشديدة التكاثُر على الشبكة العنكبوتية.
فالملاحظ أن بعض هذه المواقع يفتقر إلى المصداقية إلى حدٍّ كبير، بينما يجنح بعضها إلى أساليب الإثارة والتغرير، ولعل السبب في افتقار ذلك البعض من المواقع الإخباريَّة إلى ما يُفترض أن يتحلى بهِ من مصداقية راجعٌ إلى اعتماده في استقاء جُلَّ معلوماته على الشائعات التي تلوكها الألسن في الشوارع والحارات والقابلة للتحوُّر السريع وبشكل مُلفت ومُريع، فضلاً عن أن بعض هذه المواقع تعتمد في الحصول على الأخبار -نتيجة التواكل- على مواقع أخرى، وما أكثر ما يقتصر جهد القائمين عليها -في الأغلب الأعم- على تغيير أو تدوير أو تحوير العنوان الرئيس للخبر، فإذا بالقارئ -بعد إهداره الكثير من الوقت والجهد في التنقل بين المواقع- لا يلمس في محتوى بل وفي فقرات الخبر - من مصدر إلى مصدر آخر- أيّ تغيُّر يُذكر.
لذلك نجد أن من بين تلك المواقع -في ظل التهاون في تطبيق الحدود وفي ظل عدم الجديَّة تفعيل قوانين العقوبات بشكلٍ صارم- لا تتورع عن إمطار بعض الشخصيات أو بعض الفئات أو بعض المؤسسات بما تجود به قرائح القائمين عليها من الشتائم والبذاءات، متجاوزة كل ما كانت تتسم به المهنة الصحفية وما كان يتحلى به الصحافيون المهنيون الملتزمون من أخلاقيات، فضلاً عمَّا تضُخُّهُ هذه المواقع للقارئ صباح مساء من الأخبار المكذوبة والمضللة، فاستحالت -بذلك- من مصدر للمعلومة ومن ينبوع للمعرفة إلى أسوأ طريقة للتتويه والتضليل عن الحقيقة، فإذا هي –في ظل ما نلمسه في عمل المشتغلين بها من مهزلة- قد غدت مُعضلة اجتماعية مستفحلة.
وقد دفعني حرصي على سُمعة المهنة التي أنتمي إليها وأُحْسَبُ عليها إلى التقدم لزملاء المهنة بهذه النصيحة الشِّعريَّة:

تَحَرَّ الصِّدْقَ فِي الإِعْلامِ دَوْمًــا تَنَلْ ثِقَةَ الجَمَـــــاهِيْرِ الْغَفِيْرَة
وَلا تَجْنَحْ إِلَى التَّضْلِيْلِ، مَهْمَــا يَكُنْ لِلصِّدْقِ آثَــــــــارٌ مَرِيْرَةٌ
لأَنَّ الصِّدْقَ مَنْجَــــــاةٌ، وَتَبْقَى حِبَالُ الْكَذْبِ -مُذْ فُتِلَتْ- قَصِيْرَة


في السبت 19 يناير-كانون الثاني 2019 11:12:40 م

تجد هذا المقال في 26سبتمبر نت
https://26sep.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://26sep.net/articles.php?id=6963