لا يصلها سائح واحد! مبالغة أليس كذلك ياحبيب؟
عبدالغني الحاجبي
يفتخر المرء بما تزخر به اليمن من طبقة مثقفة وأكاديميين متخصصين في شتى مجالات الحياة. لكن للأسف، ما أن تقترب من بعضهم لتحاورهم وتستفيد منهم أو تتابع ما يكتبون في الصحف والمنتديات فيما يخص اليمن حتى تكتشف فيهم شخصيات مجوفة لا تحتوي سوى على تعبيرات سوداء قاتمة تستخدم لوصف اليمن.
مقالاتهم تكتشف أن فيهم شخصيات بائسة عابسة لا تنطق إلا باليأس ولا تتحدث إلا لتنقل صورة معتمة عن كل ما هو جميل في اليمن. لا يرون أي جمال في الحياة ولا يجدون إي خير في الناس والوطن ولا يدركون ما تعيشه اليمن من تقدم في مجالات كثير من مجالات الحياة. وكفينا فخراً بهذا العرس الديمقراطي الذي يعيشه الشعب اليمني هذه الأيام.
إنهم مفلسون في أفكارهم وأطروحاتهم، وهمهم الوحيد هو الاستمرار في نكران كل ما هو إيجابي. وهيهات أن يتمكنوا من حجب شعاع الشمس.
هؤلاء هم قلة لكني سأكتفي هنا بالرد على الأخ الفاضل الدكتور حبيب سروري الذي ما أن نقرأ له مقالاً أو نحضر له مداخلة أو تجمعنا به جلسة حتى نسمع أو نقرأ منه نفس الكاسيت المسمى بـ"مؤشر التنمية البشرية".
الدكتور حبيب سروري أستاذ قدير في علوم الحاسوب ومحاضر في جامعة روان تعرفت عليه في نفس الجامعة في أواخر 2004 وهو أيضاً روائي معروف على الساحة اليمنية وقد استمتعت كثيراً بقراءة أعماله الأدبية كالملكة المغدورة ودملان وطائر الخراب.
كنت أول ما تعرفت عليه أن أكتشف شخصية قوية يمكنها أن تلعب دوراً كبيراً في تطوير اليمن في المجالات العلمية كونه أكاديمي في الحاسوب أو في فكره كونه روائي.
غير أنه وبدلاً من أن يفيد اليمن في أبحاثه العلمية ومقالاته كرس أغلب مقالاته في ترديد أرقام قديمة حول "مؤشر التنمية البشرية" في اليمن وهو مجال لا يعرفه إلا المتخصصون. فـ"مؤشر التنمية البشرية" باب واسع ومتاهة لا يمكن المجازفة في الحديث فيها إلا والخبراء، ولا يمكن لإنسان أن يكون "متعدد الوظائف".
أنا لا أؤمن بصحة المثل المحلي الذي يقول "صاحب المهرتين كذاب" لكن أقول صاحب الثلاث "المهارات" قد يكون بارع في الأولى وجيد في الثانية وجاهل في الثالثة.
يمكن للدكتور حبيب أن يتكلم عن الحاسوب وسنتسمع له، ويمكنه أن يتكلم عن رواياته لكي يشد عقولنا، لكن التنمية البشرية التي يحاول الخوض فيها هنا وهناك لها من هم أجدر بالحديث عنها.
طبعاً كل شخص يتحدث ويكتب عما يحب ولكن بمسئولية وهدف يسمو بهذا الوطن، وحرية التعبير حق كفله الدستور اليمني. لكن ما يقوله الدكتور سروري في كل مداخلاته مبالغ فيه وأعتقد أن المثقف في هذا المستوى كدكتور وكاتب قصة يجب أن يمتلك رؤية واضحة وطرح مفيد وإلا يجازف في دخول مجال لا علم له به. اما أن يبدأ الحديث عن الأدب والقصة وينتهي بالحديث عن التنمية البشرية في اليمن فهذا كما يقول المثل الصنعاني "مخضرية".
كتب الدكتور سروري في مجلة مدارات بتاريخ 9 يناير 2006 عن "مؤشر التنمية البشرية" في اليمن مقارناً اليمن باليابان مستخدماً أرقام قديمة. ونشر أيضاً مقالاً في موقع "يمن كفاية" لا يحمل تاريخا وعنوانه "وحش نائم يفتح عين واحدة" والذي تحدث فيه أيضاً عن "مؤشر التنمية البشرية" في اليمن مكرراً نفس الأرقام.
كما أستشهد في مقدمته بمقال نشر في صحيفة الأيام عام 1992 لم يذكر اسم كاتب المقال بل قال بأنه يشغل حالياً (إي في الوقت الذي كتب فيه مقاله) رئيس تحرير الصحيفة الالكترونية مؤتمر نت.
وفي يوم السبت الموافق 27 مايو 2006 وفي ندوة عن اليمن في باريس بعنوان: اليمن اليوم... نظرات متقاطعة. وكان افتتحها الأخ الأستاذ عبدالعزيز عبدالغني رئيس مجلس الشورى وشارك فيها العديد من المثقفين والمختصين من بينهم من الجانب اليمني الدكتور حميد العواضي سفير اليمن المندوب الدائم لدى اليونسكو والأستاذة خديجة السلامي الملحقة الإعلامية في السفارة اليمنية بباريس والدكتور حبيب سروري وغيرهم.
وكنا ننتظر من الدكتور سروري مداخلة شيقة تتحدث عن تجربته الشخصية في تكوين شخصيته كمثقف، كونه عاش شبابه في اليمن ويعيش حالياً في الوسط العلمي الفرنسي.
كنا ننتظر منه مداخلة تتكامل مع ما قاله الدكتور عبداللطيف غويرجات في مداخلته بعنوان "ثلاثية حبيب سروري" وهي قراءة لرواية دملان والذي أتحفنا بها كثيراً. لكن الدكتور سروري خيب ظن الحضور وأسهب يتحدث عن "مؤشر التنمية البشرية" في اليمن، وبهذا تحول الدكتور حبيب سروري وبقدرة قادر من أكاديمي في الحاسوب وروائي إلى مختص في التنمية البشرية مما أدى إلى اندهاش الجميع من التناقض بين عنوان ورقته في برنامج الندوة وما قاله في القاعة. ومع ذلك كنا نأمل في الأخير أن يجعل طرحه أكثر واقعية وجدية وطرح حلول جادة وممكنة ومفيدة لليمن لكنه أستمر في تكرار الأرقام التي جاءت في "مؤشر التمنية البشرية" عن اليمن دون أن يخرج الحاضرون بفائدة لأن الحديث عن المستوى الاقتصادي لليمن ليس بجديد فهو حديث الصغير والكبير والحكومة والمعارضة، فهو لم يأتي بشيء جديد.
وإذا كان لابد له الخوض في مسألة التنمية البشرية كان عليه بالأحرى أن يطرح بعض النقاط المفيدة التي يمكن إثراءها بالنقاش والمداخلات للخروج برؤية واضحة وذلك بالطبع بعد أن يغير من عنوان ورقته من "اليمن... نظرة مزدوجة" إلى عنوان آخر حول التنمية البشرية.
وهكذا أستمر الدكتور حبيب سروري في التكرار في مقالاته بأن "مؤشر التنمية البشرية" في اليمن في "تدهور" كما أنه يستخدم غالباً كلمة "هرولة مؤشر التنمية البشرية" في اليمن.
ونشر الدكتور حبيب سروري مؤخراً مقالاً له في موقع نيوزيمن بتاريخ 19/9/2006 بعنوان "المماليك والتتار وعين جالوت" يتحدث في الجزء الأخير منه عن مرتبة اليمن في "قائمة التنمية البشرية" ومكرراً أيضاً نفس الأرقام. ويختتم مقاله بأن اليمن في عهد الرئيس علي عبدالله صالح "لا يصلها سائح واحد تقريباً".
أليس ذلك مغالاة وإجحاف من قبل أكاديمي كبير؟
لا يمكن أن يحكم بهذا الحكم إلا من يجهل عن اليمن، وربما أن الدكتور حبيب سروري لم يزر اليمن منذ فترة طويلة أو ربما أنه عندما يزور اليمن يبقى منغلقاً في حيه "الحميمي" بعدن دون أن يخرج منه ليرى الجانب الآخر والإيجابي من اليمن.
وهذا مؤشر من مؤشرات الإفلاس الفكري الذي يقود أصحابه إلى فقد مصداقيتهم أمام القراء.
أخي الكريم، ألا تمل من تكرار موضوع التنمية البشرية في كل كتاباتك ومداخلاتك مستشهداً بأرقام قديمة وأنت الذي ليس لك فيها لا ناقة ولا بعير؟ وما هي مساهماتك الفاعلة كمثقف وأكاديمي في تطور هذه التنمية البشرية التي تتحدث عنها منذ أن غادرت اليمن واستقريت في فرنسا في الثمانينات حتى اليوم؟
أسئلة أطرحها على الأخ الكريم الدكتور حبيب سروري لا أنتظر الإجابة عليها بل ليطرحها على نفسه فلربما توقظ بداخله يوما ما الرغبة في المشاركة في مجالات اختصاصه في تنمية هذا البلد الجميل.
* نقلاً عن نيوز يمن

في الجمعة 22 سبتمبر-أيلول 2006 12:38:21 ص

تجد هذا المقال في 26سبتمبر نت
https://26sep.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://26sep.net/articles.php?id=705