وَطنٌ أردْناهُ.. وكرَامَة!!
استاذ/سمير رشاد اليوسفي
استاذ/سمير رشاد اليوسفي
لايجمع مطلق البشر على حب إنسان ، إلا إذا كان قد حقق لهم مصالح .. أو، أفنى زهرة حياته..كي يخلصهم من أزمات ومتاعب..ونقلهم إلى وضع أحسن مماكانوا عليه..بل ولم يكونوا يحلمون بالعيش فيه.
ويزداد مثل هذا الحب في بلد مثل اليمن، يتسم فيه الناس بشجاعة الرأي، وإبداء مايعتقدونه صائباً ،دون مجاملة، أو مداهنة، مهما كان حجم أو مكانة من يخاطبونه..ومهما كان رأيهم مخالفاً لإجماع الغالبية.
هذا على مستوى اللقاءات العلنية، والمواجهات المباشرة، فمابالكم إذا ماتوافر شرط السرية، وعنصر الكتمان لمن كفل لهم القانون ترشيح وانتخاب من يرونه أهلاً لخدمتهم، وتحسين معيشتهم، وتأمين مستقبل أفضل لأبنائهم، وأحفادهم..فاشتراط السرية في الانتخابات كفله المشرّع لغرض إتاحة الفرصة للناخبين في ترشيح من يرونه «جديراً»..،وكفؤاً ..، دون الخضوع للترغيب أو الترهيب من أي كان، مع التأكيد أن اليمنيين ليسوا ممن يغيرون قناعاتهم خضوعاً لمصلحة، أو خوفاً من أحد.. وعلى العكس شاهدت شخصياً مواطنين بسطاء لاحول لهم ولا قوة ولا مصلحة شخصية لهم من ترشيح أحد، وهم يلوحون لمن أمامهم بعد خروجهم من كبائن الاقتراع بعلامة «الصح» التي أشروا بها أمام صورة الرئيس علي عبدالله صالح..وفاءً منهم لمن نقلهم من الظلمات إلى النور،..مقدمين بفعلهم درساً عميقاً لمن أعمى الحقد والتعصب بصيرتهم.
لامجال للمقارنة، بين أيامنا هذه وبين الأيام التي سبقت مجيئه للحكم،.. ولا حتى بين تلك الأيام..وبين عهود الإمامة البغيضة، فالفرق شاسع والاختلاف جد واسع.... وإذا سمح لي القراء بالحديث الشخصي، فسوف أعود بهم إلى الفترة التي سبقت رئاسة علي عبدالله صالح بعامين فقط..عندما أجبرني والدي على البقاء معه وحيداً في المملكة العربية السعودية وأنا ابن تسع سنوات لتلقي التعليم هناك،تحت رعايته، فالمدارس الابتدائية في اليمن لاتتعدى عواصم المحافظات..وبعض المديريات..وظلت اليمن بلا جامعة، حتى أنشئت جامعة صنعاء، على نفقة الكويت...ومازلت أتذكر هلع اليمنيين المغتربين وخوفهم على وطنهم.. كلما قتل رئيس في الشمال أو الجنوب، وجاء بدلاً عنه آخر،.. لا هم لهم ولاقضية، الا لملمة الوطن المشطر، وتوحيد كيانه المبعثر..كانوا على وعي ويقين، بأن جمع المال، وتوفير العيش الرغيد.. لهم ولأسرهم في الغربة، أو داخل الوطن...ليس صعب المنال ،ويسهل الوصول إليه بقليل من الكد والكدح..ولايساوي شيئاً أمام إحساسهم بالدونية والنقص ،وفقدان العزة والكرامة،معتقدين أنَّ وحدة الوطن هي سبيلهم الوحيد للقوة والعزة والمنعة التي صارت بدداً، بعد تشطير الوطن وتبديد كرامته.
مازلت اتذكر عمالاً بسطاء يتداولون شريط كاست لمحمد مرشد ناجي من كلمات الدكتور سلطان الصريمي يسمعونه سراً ،ويوزعونه كما يوزع اصحاب القضية العادلة منشوراتهم : نشوان لاتفجعك خساسة الحنشان.. فكر بباكر ولا تبكي على ماكان.
صحيح أن فترة الرئيس الحمدي ،شهدت انتعاشاً في حياة أسر المغتربين ، لكنهم كانوا يحلمون بماهو أكثر من المال..يحلمون بوطن موحد، وله سيادة.. وحكومة يتم اختيارها بقرار وطني، لا بمرسوم خارجي، ويحلمون بجيش قادر على حماية أمن اليمن وثغورها..،لا مرافقين لحماية المشائخ وأصحاب السلطة والنفوذ..كنا نحلم باقتصاد مزدهر، ورخاء نجنيه من باطن الأرض وسواعد الشعب وعرق الجبين لا من الأموال المدنسة ..والرواتب والهبات النجسة.
كنا نحلم بزعيم يخرج من بيننا ـ نحن البسطاء ـ كما يخرج طائر الفينيق من بين الرماد..يحقق أحلامنا..ويرفع هاماتنا.. ويعيد لنا سالف المجد والسؤدد..ولذا فقد أثار اليمنيون دهشة العالم وإعجابهم عندما عاد قرابة مليونين منهم إلى وطنهم بعد تحقيق الوحدة رافضين إغراءات البقاء مقابل «تقنين» الإقامة..مما سبب أزمة خانقة في اقتصاد الوطن الذي لم يكن مستعداً لاستقبال جموعهم..ومع ذلك تجاوزنا الأزمة..واستقرت الأوضاع..واكتشف اشقاؤنا ..الذين لاننكر لهم فضلاً ولا معروفاً.. أن اليمني ،بمعدنه الأصيل ونبله وكرمه وشهامته .. لايمكن تعويضه ..أو توفير البديل عنه ...وهانحن نحث خطى التأهل للانضمام لمجلس التعاون الخليجي ....برغبة صادقة من كافة أشقائنا.
صحيح ، أننا لم نكن نعرف عن علي عبدالله صالح قبل 17 يوليو 1978م إلا النزر اليسير من المعلومات لأنه لم يفرض علينا في كتب التاريخ ..ولم يولد وفي فمه ملعقة من ذهب ..ولم يسبق اسمه لقب يدل على نفوذ قبلي أو وجاهة مصطنعة ..باستثناء رتبته العسكرية..التي انتزعها من مقاتلته إلى جانب الرعيل الأول من الثوار والأحرار ..وتقدمه لصفوفهم ..حاملاً قلبه في كفه دفاعاً عن ثورة أبناء وطنه.
لكننا، بعد أن تولى الحكم بسنوات قليلة عرفنا أنَّ هذا الرجل امتلك من الصفات والمميزات ماأهله للانتقال بأحلامنا من التحليق في عوالم الخيال إلى التجسيد في أرض الواقع.
عرفناه من عيون الآباء المشعة بالنور ..والأمل ..كما عرفناه من نظرات الاحتفاء والتقدير..التي يواجهنا بها أشقاؤنا العرب في لقاءاتنا معهم... وعرفناه أكثر وأكثر، في نظرات الخوف الممزوجة بالحقد كلما تحاشانا عدو أو حاقد.
لذلك كله ..ذهبنا طواعية إلى صناديق الاقتراع.. نجدد له الوعد والعهد..ونطالبه باستكمال خططه ومشاريعه في بناء اليمن الجديد ..وأعلنا رغبتنا بكل اعتزاز، لا كما تزعم قيادات اللقاء المشترك عن إجبار بعض الناخبين على التصويت العلني له في بعض المراكز ..في اتهام منهم لليمنيين بالخوف والملق مع أنهم يعرفون أن أبناء اليمن أولو قوة وذو بأس شديد... بدلالة أن مرشح المعارضة أيضاً حصل على نسبة غير مألوفة في العالم العربي جعلت قيادات الإخوان المسلمين في مصر وتونس يعلنون إعجابهم بانتخابات اليمن مؤكدين أنهم لم يشهدوا مثلها من قبل.
والحق أن مشاهدة اللقاء المشترك، لناخبين بسطاء، وكبار في السن.. جاهروا بترشيح علي عبدالله صالح، وفاخروا بانتخابهم له أثار فزعهم على انصارهم من أن يتأثروا بهم أو يعيدونهم إلى الرشد والصواب ..أما نحن فاعتبرنا ماقاموا به من الأمور الفطرية التي تحكم عامة اليمنيين ..كما حصل من قلة أعلنوا للرئيس انهم لن يرشحوه..فابتسم في وجوههم والتمس لهم العذر لأنهم ضحايا لأحقاد المشترك ..لم يطلعوا على حال اليمن قبل حكمه..ويصعب عليهم الحكم والتمييز.. وفي هذا اتمنى أن يتم تدريس كتب الأحرار التي تناولت وضع اليمن قبل الثورة في مرحلتي التعليم الاساسي والثانوي ..بل إن هناك كتباً لأدباء ومفكرين كانوا مقربين من الأئمة ..أمثال الأديب الراحل أحمد محمد الشامي .. صاحب كتاب «رياح التغيير في اليمن» وهو كتاب جدير بالقراءة..واختيار بعض فصوله في التعليم المدرسي..حيث وصف فيه بشاعة الحكم الإمامي بقلم المؤرخ وعمق المفكر..ودقة الفيلسوف ..وإحساس الشاعر المرهف.
لقد جدد علي عبدالله صالح للثورة شبابها ..وجعل شعبه قبل ستة أيام ..يحقق «بالديمقراطية» ثورة ثانية ..وفوزه بالانتخابات كان متوقعاً ومحسوماً.. ليس لأنه أراد ذلك ..ولكن لأنه مثّل لشعبه أصالة التاريخ ..ووحدة الجغرافيا .. وروح الثورة ..وخلاصة المجد اليماني ..فانتخبوه وطناً مستقراً آمناً ..ويمناً ديمقراطياً موحداً.

في الثلاثاء 26 سبتمبر-أيلول 2006 09:20:18 م

تجد هذا المقال في 26سبتمبر نت
https://26sep.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://26sep.net/articles.php?id=719