بوح اليراع: التَّبَعِيَّة اللهجيَّة مؤشرُ ضعفِ شخصيَّة
عبدالسلام التويتي
عبدالسلام التويتي

لعل أبرز وجوه جمال الحياة يكمن في ما يتخللها من تنوعٍ هو أحد سنن الله في مخلوقاته وبراياه، ومن ضمنها التنوع في جنس البشر الذين استخلفهم الله لعمارة الأرض بعد أن تاب على أبي البشرية وهداه والهادف إلى التعارُف وإلى حكم لا يعلمها سواه، فهو القائل -جلَّ في عُلاه-: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا) سورة الحجرات من الآية: (13)، وهو القائل -مؤكدًا على أن الاختلاف اختلاف أذواق وأخلاق وليس مُقتصرًا على الأشكال والأوصاف: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ، إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ) سورة هود من الآيتين: (118 و 119).
وإن أهم مظاهر تلك الاختلافات البالغة التأثير في تشييد الحضارات اختلاف الألسن (اللغات) مصداقًا لقول المولى -جَلَّ وعَلا-: (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ) سورة الروم الآية: (22).
ولأن التنوع الحياتي يقتضي -بالنظر إلى تنوُّع المهام الحياتية- التبايُن البيِّن في مستويات الأفهام وبما يتناسب مع النهوض بإنجاز تلك المهام بشكل عام بما يتطلَّبهُ إنجازُ بعضِها من إحكامٍ وإتقانٍ تحقيقًا للمثل الشعبي اليمني: (كُلٌّ عَلَى مِهْنَتِه سُلْطَان)، فلا يتداول الشخص من الأشياء والأعمال إلاَّ ما يُحسِنُ تداوله، على اعتبار أن (كُلَ إنسانٍ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَه).
ومثلما الناس مستويات في النهوض بالمهام التي لا بدّ من النهوض بها لاستمرار دوران عجلة الحياة، تتفاوت مستويات أبناء كل أمة في استخدام ما تتحدث بهِ من اللغات، فبقدر ما تلتزم شريحة مُجتمعيَّة محدودة العدد بمستوى لغوي راقٍ إلى أبعد حدّ مُلزمةً نفسها بالتقيُّد الصارم بما وضع لها من قواعد، تجهل -بالمقابل- شرائح مُجتمعيَّة الحدَّ الأدنى مما يضبط إيقاع اللغات -ولغتهم بالتحديد- من معايير التقعيد.
وما من شك أن أيَّة لغة -تبعًا لتكوُّن المجتمعات من فئات- تُستخدَم على عدة مستويات، وباستثناء الاستخدام الأرقى فإن المستويات الدنيا تُصبح عرضةً لمؤثرات البيئات التي تطالُها ببعض المتغيرات التي تفضي -بدورها- إلى تعدد اللهجات، فتحتوي لهجة كل منطقة على بعض الألفاظ أو التصريفات التي تميزها عن سائر اللهجات في البلد الواحد أو في العالم المُتعدد الأقطار أو البلدان كعالمنا العربي المكوَّن من عشرين قطرًا تجمعها لغة القرآن التي تعتبر أهم مقومات الوحدة العربية التي طُرحت فكرة إقامتها قبل عقود من التفكير بإنشاء الاتحاد الأوروبي الذي يُوشك أو يذيب -بدفء حميميَّتِه- الحدود الفاصلة بين كافَّة أقطار القارة الأوروبية.
بيد أن المستوى اللغوي العربي الراقي مقتصرٌ -بالإضافة إلى تلاوة القرآن وتأدية الطقوس التعبديَّة وإلقاء الخُطب المَسْجِدِيَّة- على التداولات والمحررات الرسمية، أما التعاملات الحياتية والأسرية اليومية فتتم باللهجات المحلية التي تختلف اختلافات طفيفة من بلدٍ إلى آخر، بما في ذلك البلد القريب والمحادِد، بل ومن منطقة إلى أخرى داخل البلد الواحد.
ولأن اللهجات -مقارنة باللغة الفصحى- عبارة عن مستويات لغوية دنيا، فلا ينبغي ادِّعاء الأفضلية للهجة على أخرى لا بهدف التحذير ولا بهدف الإغراء، وإن افتُرض وجود مستويات نسبية من الأفضليَّة تُرجى، فللهجة القريبة استخداماتُها من استخدامات اللغة الفُصحى.
وإن ما يلاحظ على بعض الأشخاص من محاولة التحدُّث بلجهاتٍ غير لهجاتهم وبما يشبه التبعية لهو دليلٌّ على ضعفِ شخصياتهم، والدليل على ذلك أنَّنا معشر اللغويين لا نجد هنا -في اليمن- من أبناء المحافظات أو المناطق اليمنية من يحرصون -بسذاجة وحسن نيَّة- على تقمُّص أو تكلُّف اللهجة الصنعانيَّة أو العدَنِيَّة أو أيٍّ من الحواضر اليمنيَّة إلاَّ رِعاع المجتمع الذين ينظرون إلى محافظاتهم أو مناطقهم نظرة دونيَّة، مُلصقين بها -من حيث لا يعلمون- ما هي منهُ براء من النقيصة والدنيَّة، وبالمثل لا نجد -كذلك- من مُغتربي اليمن ومبتعثيْه في منحٍ دراسيَّة في هذا البلد أو ذاك من البلدان العربية من يعود إلى بلده مُعربًا -بصورة غير مباشرة- عن تأثره إما باللهجة الخليجية أو باللهجة المصرية أو باللهجة العراقية أو باللهجة المغربية أو باللهجة الشاميَّة إلاَّ أصحاب الشخصيات الهشة والهلامية الذين يجهلون أو يتجاهلون المكانة التأريخية لوارث مجد العروبة ومرسي مداميك الدولة القتبانية والدولة الأوسانية والدولة المعينية والدولة الحضرمية والدولة السبئية والدولة الحميرية التي ما يزال جزءٌ من تأريخها محفورًا وموثَّقًا على الصخور في النقوش المسنديَّة والتي تمثل -في مجملها- واحدة من أرقى وأشهر الحضارات الإنسانية في العصور القديمة، مثلما يجهل الكثيرون الدور البارز لليمن واليمنيين في تشييد صروح الحضارة الإسلامية التي بددت -بأنوار فتوحاتها- دياجير الإمبراطوريات الضلاليَّة الظلاميَّة وأدت إلى تغيير جذري في الخارطة الجيوسياسيَّة العالميَّة.
ومن المفيد أن أختتم المقال بالتنويْه والتنبيه إلى أن اعتداد المرء بلغته -شرقية كانت أو غربية- وكذا اعتداده بلهجته -مدنيَّةً كانت أو قروية- ينطوي -بالضرورة- على اعتداده المُشَّرِّفِ بالهويَّة الذي يدلُّ دلالةً قاطعة على تمتُّعه بشخصيَّةٍ أصيلةٍ وقويَّة.


في السبت 24 أغسطس-آب 2019 10:41:27 م

تجد هذا المقال في 26سبتمبر نت
https://26sep.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://26sep.net/articles.php?id=7318