بوح اليراع: نموذجُ جود مُتَمَيِّز من الحالمة تعز
عبدالسلام التويتي
عبدالسلام التويتي

ما أكثر ما نجد –في هذا الظرف البالغ القسوة- أسرًا يمنية معدمة مرميَّة مع أثاثاتها المُتهالكة التالفة على الأرصفة بعد أن دفع بعض المؤجرين افتقارُهم إلى الحدِّ الأدنى من المروءة إلى طردهم من المساكن المؤجرة بالقوَّة.
ولعل إحدى هذه الأسر قد حالفها الحظ، فلم تفتأ أن تحوَّلت نقمة تعسُّفِ أحد الملاَّك إلى نعمة الاستقرار والامتلاك، إذْ ختمت معاناتها القاسية بما اشتملت عليه مشاهد القصة التراجيدية الآتية:
لقد روى لي زميل ثقة قصة إنسانية شهد أحداثها بأمِّ عينيه، لولا أن راويها ما يزال ببعض شخُوصها على اتصال، لاعتبرتها ضربًا من الخيال، أوجزها في ما هو متاح لي من مجال بما هو تال:
بسبب تأخُّر دفع إيجار بيت مسـتأجَر لعدة أشهر غدت أسرة ذبيحة في مدينة تعز الجريحة مع أثاثها المتهالك تفترش أحد أرصفة المدينة نتيجة جشع المالك.
وبينما تلك الأسرة المغلوبة على أمرها تفترش الرصيف وتلتحف السماء حائرة الفكر أمام معضلة الافتقار إلى أيِّ مأوى كان، استوقف هذا المنظر المؤثر رجلاً يحمل بين جنبيه قلب إنسان عادةً ما تحمله خيريَّته وإنسانيته ومبادئه وقيمه على استشعار ما أسبغه الله عليه من وافر نِعَمِه، فنزل على الفور من سيارته وسألهم عن سبب افتراشهم الرصيف، فقص عليه ربُّ الأسرة قصته موضحًا أن تراكُم حوالى خمسة شهور من الإيجار حمل المالك على طرده مع أفراد أسرته خارج الدار، فطلب من أحد خاصَّته العثور على اسم المالك ورقم هاتفه دون لفت الانتباه إلى القادم من تصرفه، ولما عثر عليهما انتحى خطوات إلى جهة اليسار متخفيًّا وراء ساترٍ من جدار، ثم اتصل بالمالك مُعرِّفًا بنفسه ثمَّ طلب منه في الأثناء –وبنبرة هي أقرب إلى الرجاء- سرعة الالتقاء، وما هي إلى دقائق معدودة حتى التقيا على مقربة من مكان وجود الأسرة المنكوبة، ولم ينتهيا من واجبات السلام حتى عاجلهُ بالسؤال عن إجمالي ما تبقى له عند تلك الأسرة من متأخرات الإيجار، فدفع له إجمالي ما عليهم من مبلغ سابق مضافًا إليها إيجار شهر لاحق، مستأذنًا إياه بعودة الأسرة إلى مسكنها، فلمَّا لمس منه نوعًا من التردُّد، وعده بنبرة ملؤها التوكيد بضمانة التسديد مع دقة المواعيد.
وفي الوقت الذي كانت الأسرة قد عادت تستأنس -في وحشة التشرد- بيأسها الشديد التلبُّد، إذا بالرجل قد عاد إليها طالبًا منها ومشاركًا إياها حمل أثاثها المتهلهل إلى ذات المنزل، ولم يكادوا يطمئنون على العودة إلى تحت سقف السكن، حتى أخذ ربَّ الأسرة برفق من يده واضعًا فيها مبلغًا من المال تقديرًا لما تعيشه الأسرة من سوء الحال، ثم انصرف وطرفه بالدمع الغزير يذرف.
والأجمل من كل ما حصل أن ذلك المِفضال -بعد أن ضرب أروع الأمثال في استشعار نعمة المال- لم يكد ينصرف من منزل تلك الأسرة وقد غدت في حالة مستقرة، حتى عاود الاتصال بمالك المنزل من جديد عارضًا عليه ابتياعَهُ عنه بأيِّ ثمنٍ يُريد، وبالرغم من مغالة المالك، فإن إصرار أنموذج الخير على شرائه وما كان من إغرائه قد حمله على الموافقة على إبرام الصفقة، حتى لم تنتهِ بينهما المُهاتفة اللاسلكية إلاَّ بالاتِّفاق على زمان ومكان تحرير بصيرة الملكيَّة التي لم تلبث أن حررت في ساعة متأخرة من نهار ذلك اليوم، وقبل أن يجفَّ حبرها انطلق بها إلى تلك الأسرة التي حررت باسم ولي أمرها.
وفي غمرة احتفال الأسرة بنعمة الاستقرار في المبيت وإن كان محددًا بتوقيت، إذا بها تسمع طرقات على باب البيت، فلم يكد أحد صبيانها يفتح الباب لمعرفة الطارق، حتى صاح بالأسرة موحيًا للمحارم بإفساح الطريق لعمه الذي لا يعرفون حتى تلك اللحظة مجرد اسمه.
وما إن استقر به المقام بجوار رب الأسرة المعوزة الفقيرة، حتى وضع بين يديه تلك البصيرة التي تحكي انتقال ملكية المنزل إليه، فكانت مفاجأة غير متوقعة انهمرت لشدة وقععا أدمعهم وأدمعه، ثمَّ عاد -بفعل المعروف الذي صنعه- قرير العين إلى مهجعه.


في السبت 12 أكتوبر-تشرين الأول 2019 11:42:08 م

تجد هذا المقال في 26سبتمبر نت
https://26sep.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://26sep.net/articles.php?id=7377