نافذة على الاحداث:المثقفون وعالم القبيلة
كاتب/احمد ناصر الشريف
كاتب/احمد ناصر الشريف

مضمون هذا المقال كنت قد نشرته في صحيفة: الجمهورية قبل عدة سنوات.. لكن لأن وضع المثقفين ومواقفهم من قضايا الوطن ما تزال كما هي فقد استحسنت أن أعيد النشر مع بعض التعديلات التي تتناسب مع ما نعيشه من وضع استثنائي وعدوان ظالم يتعرض له اليمن وشعبه العظيم منذ أكثر من أربعة أعوام ونصف العام :
(إلى وقت غير بعيد كان الساسة والمنظرون في اليمن لا يترددون عن تكرار وترديد أنهم قادرون على أن يقتحموا عالم القبيلة، وعلى أن بإمكان أدواتهم السياسية أن يحدثوا تغييراً في البنية القبلية اجتماعياً وسياسياً وثقافياً.. لكن تلك الأطر السياسية خلال تجربتها الطويلة في العقود الخمسة الماضية منذ أن كان يطلق عليهم الحركيون أو الحراكيون، وإلى اليوم كلما قاموا به هو مغامرة ومجازفة ذهبوا خلالها بأرجلهم وقناعاتهم وبالنوايا الطيبة أحياناً وبالنوايا السيئة أحياناً أخرى إلى توظيف القبيلة والأنماط القبلية المسيسة في تعاملهم مع قضايا الوطن وفي منشطهم وحتى في خلافاتهم السياسية.. حتى أصبح لا فرق بين من يمتشق السلاح وبين من يمتشق قلما ودفتر السياسة.. وتحولت (الأطر السياسية) من أطر حداثية تطويرية مواكبة لمتغيرات العصر والحياة.. إلى أطر (حز قبلية) تلهث خلف إرضاء القبائل واستمالتها وكسب رضاها وودها.
وصار لا فرق بين (مزومل) وبين حزبي مثقف.. إذ تماهت المسافة بينهما حتى أصبح كل واحد لا فرق بينهما.. فلا هم تركوا القبيلة لحالها ولبساطتها ولعفويتها ونظافتها ولتقاليدها الأصيلة التي عرفت بها.. ولا هم انشغلوا في عملهم السياسي غير المتمنطق برصاص وبندقية القبيلة وصلافتها كباحثة عن جدوى اقتصادية ومالية لكل خطوة أو موقف تتخذه.. إما مناوئة لجهة.. أو مناصرة لجهة أخرى.. لذا فإن السياسيين ورجال الأحزاب وقادتها بصفهم الأول والثاني والثالث هم غير أبرياء من هذا (العك) السياسي الذي لم يضر بالتجربة السياسية اليمنية فحسب، وإنما أضر بالقناعات الوطنية للشعب عامة الذي بدلاً من أن يحزم أحزابه ويقف معها ظل حتى وقتنا الراهن ينضم إلى أحزاب هي عبارة عن دكاكين لبيع المواقف وشراء الذمم السياسية.. وعفواً إن بالغت بألفاظ جارحة خارجة عن اللياقة السياسية.. ولكنها الحقيقة التي يجب أن تقال.. لنكن كلنا على بينة مما يجري في بلدنا اليوم من تحالفات وإعادة تحالفات وبناء خصومات واستعادة خصومات لاسيما في ظل العدوان الجائر وتعدد الجهات الخارجية الداعمة والمشجعة.. وهو ما يؤكد أن المجتمع اليمني مازال ينتظم حتى بعد مضي أكثر من نصف قرن على قيام ثورته عام 1962م وفق اتجاهات قبلية تقف تحالفاتها عائقاً حيال خلق شعور بالهوية الوطنية والقومية.. وهذا يشكل إعاقة ومشكلة كبرى لكل حكومة مركزية تأتي ولكنها تبقى مشلولة لا تستطيع أن تتحرك أو تعمل شيئاً بسبب سيطرة منطق القبيلة على وضعها وتوجهها كما هو حادث حالياً.
مازلت أتذكر مقابلة صحفية أجريت مع السيد محمود رياض الأمين العام الأسبق للجامعة العربية، ووزير خارجية مصر الذي اشتهر نجمه في عهد الزعيم جمال عبد الناصر رحمه الله أجراها معه الدكتور محمد سعيد باديب عام 1984م مؤلف كتاب: (الصراع السعودي المصري حول اليمن الشمالي) والذي سأله فيها عن عدم استقرار الأوضاع في اليمن حينها وفشل الاتفاقيات المبرمة بين اليمنيين، فرد عليه السيد محمود رياض قائلاً: (إن السبب الرئيسي في فشل تلك الاتفاقيات وتلك الجهود العربية هم اليمنيون أنفسهم.. فلقد كانوا يستغلون كافة الأطراف ويحصلون على المال من مصر والسعودية على السواء.. وبالتالي لم يكن إنهاء القضية في صالح أولئك المنتفعين من اليمنيين.. وقد أصبح الكثير من هؤلاء يمتلكون الملايين ولديهم أعمال تجارية ضخمة في عدد من دول الخليج.. وعلى سبيل المثال لا الحصر المدعو أحمد فريد الصريمة الذي يملك الآن أكبر شركة شحن في الخليج، فعلى الرغم أنه من الجنوب إلا أنه استفاد من حرب اليمن مادياً.. نعم لقد كان اليمنيون أنفسهم ضد كل اتفاق أبرم وساهموا مساهمة مباشرة في إطالة مدى الحرب وذلك بغرض مدى الانتفاع الذاتي) أوردت جواب محمود رياض عن فشل اليمنيين في إنجاح ما يتفقون عليه- رغم أن ذلك يتعلق بما حدث بين اليمنيين من خلافات عقب قيام الثورة حول طبيعة وشكل الدولة ونظامها: جمهورياً أم ملكياً.. لأن ما جاء فيه لو أسقطناه على واقعنا الراهن لا نطبق عليه تماماً، حيث فكرنا لم يتغير وتصرفاتنا هي نفس تصرفات تلك الفترة التي مضى عليها عقود كان بإمكاننا أن نغير خلالها أوضاعنا ونرتقي بها إلى الأفضل.
لكن مع الأسف الشديد فقد اختصرنا كل شيء في شيئين أثنين لا ثالث لهما: المال والسلاح.. وأصبح جل تفكيرنا هو في تحقيق هذين الشيئين وبدونهما يعتقد كل واحد منا أكان متعلماً أم أمياً أنه لم يصل بعد إلى مرتبة متقدمة إلا من خلال امتلاكه للمال والسلاح.. بدليل أن المسؤول حينما يتسلم منصبه مهما كان واعياً ومثقفاً لا يفكر منذ اليوم الأول لتسلمه المسؤولية إلا في تكثيف المرافقين المسلحين لحراسته وحراسة بيته وعائلته ثم الدخول في عالم جمع المال بأية وسيلة كانت حراماً أم حلالاً وقد يتحول أولاده وأقاربه ما بين غمضة عين وانتباهتها إلى مقاولين وأصحاب شركات وينتقلون إلى الفلل الفاخرة وتصبح حياتهم كلها سفريات وتجوال وتعال على الآخرين إلى غير ذلك من التصرفات الهوجاء.. وعندما يفقد هذا المسؤول أو ذاك منصبه يجد نفسه منبوذاً من قبل المجتمع بعد أن فقد تلك الميزات التي أحاط بها نفسه ربما لشعور بالنقص في ذاته أو أن عليه ثارات حيث يكون قد ضرب هذا وأكل مال هذا، ويخشى من عقاب الله عليه في الدنيا على أيدي من تسبب بظلمهم.
وحتى لا نذهب بعيداً فإنني سأستشهد بمثال حي شاهدته بنفسي أثناء تشييع أحد الراحلين.. فقد شاهدت مسؤولين كباراً سابقين كان من الصعب على أي إنسان الوصول إليهم لما كانوا يضعون بينهم وبين الناس العاديين من حواجز وحراسات.. لكنهم اليوم يبحثون عمن يقول لهم: السلام عليكم.. مظهرين المسكنة والتواضع.. ومع ذلك لم يعتبر من جاء بعدهم ليحل محلهم في المسؤولية رغم أنهم غير معروفين وقد وصلوا إلى المناصب بإرادة أحزابهم ودعاء الوالدين وليس لكفاءاتهم.. هؤلاء شاهدت بعضهم لا يأمنون في صلاتهم داخل المسجد إلا وعدد من حراسهم بسلاحهم واقفين على يمنتهم ويسرتهم.. وبعد خروجهم من المسجد كان المرافقون المسلحون يحيطون بهم من كل جانب خاصة في المقبرة.. حينها تمنيت لو يعتبر هؤلاء بمن سبقهم وكيف حالهم الآن؟.. لكن لأن فكر القبيلة المتحكم في تصرفات اليمنيين حتى لو كانوا مثقفين فإن خطواتنا ستظل كلها تتجه إلى الخلف بينما غيرنا ينطلقون إلى الأمام.. ولذلك علينا أن نعترف بأن القبيلة ركبت السياسة واستطاعت أن تطوع السياسيين الذين كانوا يأملون أن يتم تطويع القبيلة على أيديهم..!نافذة على الاحداث:المثقفون وعالم القبيلة
مضمون هذا المقال كنت قد نشرته في صحيفة: الجمهورية قبل عدة سنوات.. لكن لأن وضع المثقفين ومواقفهم من قضايا الوطن ما تزال كما هي فقد استحسنت أن أعيد النشر مع بعض التعديلات التي تتناسب مع ما نعيشه من وضع استثنائي وعدوان ظالم يتعرض له اليمن وشعبه العظيم منذ أكثر من أربعة أعوام ونصف العام :
(إلى وقت غير بعيد كان الساسة والمنظرون في اليمن لا يترددون عن تكرار وترديد أنهم قادرون على أن يقتحموا عالم القبيلة، وعلى أن بإمكان أدواتهم السياسية أن يحدثوا تغييراً في البنية القبلية اجتماعياً وسياسياً وثقافياً.. لكن تلك الأطر السياسية خلال تجربتها الطويلة في العقود الخمسة الماضية منذ أن كان يطلق عليهم الحركيون أو الحراكيون، وإلى اليوم كلما قاموا به هو مغامرة ومجازفة ذهبوا خلالها بأرجلهم وقناعاتهم وبالنوايا الطيبة أحياناً وبالنوايا السيئة أحياناً أخرى إلى توظيف القبيلة والأنماط القبلية المسيسة في تعاملهم مع قضايا الوطن وفي منشطهم وحتى في خلافاتهم السياسية.. حتى أصبح لا فرق بين من يمتشق السلاح وبين من يمتشق قلما ودفتر السياسة.. وتحولت (الأطر السياسية) من أطر حداثية تطويرية مواكبة لمتغيرات العصر والحياة.. إلى أطر (حز قبلية) تلهث خلف إرضاء القبائل واستمالتها وكسب رضاها وودها.
وصار لا فرق بين (مزومل) وبين حزبي مثقف.. إذ تماهت المسافة بينهما حتى أصبح كل واحد لا فرق بينهما.. فلا هم تركوا القبيلة لحالها ولبساطتها ولعفويتها ونظافتها ولتقاليدها الأصيلة التي عرفت بها.. ولا هم انشغلوا في عملهم السياسي غير المتمنطق برصاص وبندقية القبيلة وصلافتها كباحثة عن جدوى اقتصادية ومالية لكل خطوة أو موقف تتخذه.. إما مناوئة لجهة.. أو مناصرة لجهة أخرى.. لذا فإن السياسيين ورجال الأحزاب وقادتها بصفهم الأول والثاني والثالث هم غير أبرياء من هذا (العك) السياسي الذي لم يضر بالتجربة السياسية اليمنية فحسب، وإنما أضر بالقناعات الوطنية للشعب عامة الذي بدلاً من أن يحزم أحزابه ويقف معها ظل حتى وقتنا الراهن ينضم إلى أحزاب هي عبارة عن دكاكين لبيع المواقف وشراء الذمم السياسية.. وعفواً إن بالغت بألفاظ جارحة خارجة عن اللياقة السياسية.. ولكنها الحقيقة التي يجب أن تقال.. لنكن كلنا على بينة مما يجري في بلدنا اليوم من تحالفات وإعادة تحالفات وبناء خصومات واستعادة خصومات لاسيما في ظل العدوان الجائر وتعدد الجهات الخارجية الداعمة والمشجعة.. وهو ما يؤكد أن المجتمع اليمني مازال ينتظم حتى بعد مضي أكثر من نصف قرن على قيام ثورته عام 1962م وفق اتجاهات قبلية تقف تحالفاتها عائقاً حيال خلق شعور بالهوية الوطنية والقومية.. وهذا يشكل إعاقة ومشكلة كبرى لكل حكومة مركزية تأتي ولكنها تبقى مشلولة لا تستطيع أن تتحرك أو تعمل شيئاً بسبب سيطرة منطق القبيلة على وضعها وتوجهها كما هو حادث حالياً.
مازلت أتذكر مقابلة صحفية أجريت مع السيد محمود رياض الأمين العام الأسبق للجامعة العربية، ووزير خارجية مصر الذي اشتهر نجمه في عهد الزعيم جمال عبد الناصر رحمه الله أجراها معه الدكتور محمد سعيد باديب عام 1984م مؤلف كتاب: (الصراع السعودي المصري حول اليمن الشمالي) والذي سأله فيها عن عدم استقرار الأوضاع في اليمن حينها وفشل الاتفاقيات المبرمة بين اليمنيين، فرد عليه السيد محمود رياض قائلاً: (إن السبب الرئيسي في فشل تلك الاتفاقيات وتلك الجهود العربية هم اليمنيون أنفسهم.. فلقد كانوا يستغلون كافة الأطراف ويحصلون على المال من مصر والسعودية على السواء.. وبالتالي لم يكن إنهاء القضية في صالح أولئك المنتفعين من اليمنيين.. وقد أصبح الكثير من هؤلاء يمتلكون الملايين ولديهم أعمال تجارية ضخمة في عدد من دول الخليج.. وعلى سبيل المثال لا الحصر المدعو أحمد فريد الصريمة الذي يملك الآن أكبر شركة شحن في الخليج، فعلى الرغم أنه من الجنوب إلا أنه استفاد من حرب اليمن مادياً.. نعم لقد كان اليمنيون أنفسهم ضد كل اتفاق أبرم وساهموا مساهمة مباشرة في إطالة مدى الحرب وذلك بغرض مدى الانتفاع الذاتي) أوردت جواب محمود رياض عن فشل اليمنيين في إنجاح ما يتفقون عليه- رغم أن ذلك يتعلق بما حدث بين اليمنيين من خلافات عقب قيام الثورة حول طبيعة وشكل الدولة ونظامها: جمهورياً أم ملكياً.. لأن ما جاء فيه لو أسقطناه على واقعنا الراهن لا نطبق عليه تماماً، حيث فكرنا لم يتغير وتصرفاتنا هي نفس تصرفات تلك الفترة التي مضى عليها عقود كان بإمكاننا أن نغير خلالها أوضاعنا ونرتقي بها إلى الأفضل.
لكن مع الأسف الشديد فقد اختصرنا كل شيء في شيئين أثنين لا ثالث لهما: المال والسلاح.. وأصبح جل تفكيرنا هو في تحقيق هذين الشيئين وبدونهما يعتقد كل واحد منا أكان متعلماً أم أمياً أنه لم يصل بعد إلى مرتبة متقدمة إلا من خلال امتلاكه للمال والسلاح.. بدليل أن المسؤول حينما يتسلم منصبه مهما كان واعياً ومثقفاً لا يفكر منذ اليوم الأول لتسلمه المسؤولية إلا في تكثيف المرافقين المسلحين لحراسته وحراسة بيته وعائلته ثم الدخول في عالم جمع المال بأية وسيلة كانت حراماً أم حلالاً وقد يتحول أولاده وأقاربه ما بين غمضة عين وانتباهتها إلى مقاولين وأصحاب شركات وينتقلون إلى الفلل الفاخرة وتصبح حياتهم كلها سفريات وتجوال وتعال على الآخرين إلى غير ذلك من التصرفات الهوجاء.. وعندما يفقد هذا المسؤول أو ذاك منصبه يجد نفسه منبوذاً من قبل المجتمع بعد أن فقد تلك الميزات التي أحاط بها نفسه ربما لشعور بالنقص في ذاته أو أن عليه ثارات حيث يكون قد ضرب هذا وأكل مال هذا، ويخشى من عقاب الله عليه في الدنيا على أيدي من تسبب بظلمهم.
وحتى لا نذهب بعيداً فإنني سأستشهد بمثال حي شاهدته بنفسي أثناء تشييع أحد الراحلين.. فقد شاهدت مسؤولين كباراً سابقين كان من الصعب على أي إنسان الوصول إليهم لما كانوا يضعون بينهم وبين الناس العاديين من حواجز وحراسات.. لكنهم اليوم يبحثون عمن يقول لهم: السلام عليكم.. مظهرين المسكنة والتواضع.. ومع ذلك لم يعتبر من جاء بعدهم ليحل محلهم في المسؤولية رغم أنهم غير معروفين وقد وصلوا إلى المناصب بإرادة أحزابهم ودعاء الوالدين وليس لكفاءاتهم.. هؤلاء شاهدت بعضهم لا يأمنون في صلاتهم داخل المسجد إلا وعدد من حراسهم بسلاحهم واقفين على يمنتهم ويسرتهم.. وبعد خروجهم من المسجد كان المرافقون المسلحون يحيطون بهم من كل جانب خاصة في المقبرة.. حينها تمنيت لو يعتبر هؤلاء بمن سبقهم وكيف حالهم الآن؟.. لكن لأن فكر القبيلة المتحكم في تصرفات اليمنيين حتى لو كانوا مثقفين فإن خطواتنا ستظل كلها تتجه إلى الخلف بينما غيرنا ينطلقون إلى الأمام.. ولذلك علينا أن نعترف بأن القبيلة ركبت السياسة واستطاعت أن تطوع السياسيين الذين كانوا يأملون أن يتم تطويع القبيلة على أيديهم..!


في الثلاثاء 29 أكتوبر-تشرين الأول 2019 10:58:14 م

تجد هذا المقال في 26سبتمبر نت
https://26sep.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://26sep.net/articles.php?id=7401