بوح اليراع: في ذكرى مولد خير الورى
عبدالسلام التويتي
عبدالسلام التويتي

على الرغم من أهمية الرسالات السماوية في حياة البشرية، فإن لرسالة الإسلام وللبعثة المحمدية أهمية استثنائية، فبقدر ما كانت كل رسالة من تلك الرسالات تتنزل على نبي من الأنبياء، فلا يكاد يمضي على قضاء نحبه ولحاقه بربه إلى القليل من الزمن حتى يحدث في متون وشروح تلك الرسالة السماوية من تحريفات البشر بالغ الأثر، فلا يلبث ذلك الكتاب السماوي أن يُفَرَّغَ من مضامينه الربانية التي كانت تهدف إلى إصلاح حاضر ومستقبل البشرية وشؤونهم الدنيوية والأخروية، إذْ لم تكن تمرُّ سوى فترات زمنية محدودة حتى تصبح تلك الكتب المنزلة على الأنبياء من السماء –بما اعتراها من تحريف وعمى- غابة ظلماء تقتصر على خدمة فئات مجتمعية قليلة وربما انحصرت في شخصيات معدودة، وتحوَّرت -بواسطة تلك الأيادي المُحرِّفة للكلِم عن مواضعه- إلى وثائق تشريعية مخيفة تُشرعِن ظلمَ الفئات المجتمعية المتسلطة للفئات الضعيفة، كل ذلك باسم الله ومنسوب إليه افتراءً عليه.
أما رسالة الإسلام وحبيبنا محمد –عليه أفضل الصلاة والسلام- فتكمن أهميتهما وأفضليتهما على ما سبقهما من الرسالات والأنبياء في كونهما بالنسبة لما قبلهما بمثابة مسك الختام بكل ما ترتب على ذلك من الاكتمال والتمام، فبهما أكمل ذو الجلال دينه أيَّما إكمال، فلم يبقَ للنقص فيهما أيَّ مجال.
فمن مظاهر إتمام شخصية الحبيب المصطفى على سائر الأنبياء قول الله –جل وعلا- في مُحكم كتابه: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ) بكل ما يتضمنه الشرح الرباني المعتمد -في سياقه القرآني- على الاستفهام الاستنكاري وهو أشدُّ أساليب التوكيد توكيدًا للمعاني من اشتمال على ما لم تشتمل عليه شخصيات إخوانه الأنبياء من الخصال، فها هو سيدنا موسى عليه السلام –على سبيل المثال- لم ينل شرح الصدر الذي منحه سيدنا محمد وأخْبِرَ بذلك الامتنان من قِبَلِ الله -على سبيل التسرية والتوضيح- إلا بطلبٍ لفظيٍّ صريح تضمنه قول الحق –تبارك وتعالى-: (قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي) طه الآية: (25).
ومن آيات ذلك الاكتمال البالغ بهِ مستوى رفيعًا من مستويات الكمال تميُّزه المُطلق بحسن الخُلُق مصداقًا لقول المولى –جل وعلا-: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) القلم الآية: (4)، وقريب من ذلك في مدلوله -وصف نفسه- بقوله في الحديث الذي يرويه أنس مالك: «إنَّما بُعثت لأتمِّم مكارم الأخلاق» متفق عليه، فضلاً عن مجيئه بمثابة اللبنة التي اكتمل بها بناء هداية البشرية بصورة نموذجيَّة ونهائية، ومصداق ذلك قوله –صلوات ربي وسلامه عليه- «إِنَّ مَثَلِي وَمَثَلَ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بَيْتًا فَأَحْسَنَهُ وَأَجْمَلَهُ، إِلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ, فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ، وَيَعْجَبُونَ لَهُ, وَيَقُولُونَ: هَلَّا وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبِنَةُ؟ قَالَ: فَأَنَا اللَّبِنَةُ. وَأَنَا خَاتِمُ النَّبِيِّينَ» رواه البخاري برقم (3534) ورواه مسلم برقم (2286).
أما مظاهر اكتمال الرسالة الإسلامية السمحاء فمن الكثرة بحيث لا تكاد تُحصى، ولعل أهم تلك المظاهر ما هو متوافر بشكل نهائي للقرآن الكريم من حفظٍ أبديٍّ من قِبَلِ الله وحمايته من تحريف كل مُزوِّرٍ ومن تصحيف كل عابث ولاه، وأنى لهم ذلك وهو المحجَّة البيضاء التي لا يزيغ عنها إلاَّ هالك، بل إنَّ حفظهُ مؤكد ومضمون إلى يوم يبعثون لقوله -تعالى-: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) الحجر الآية: (9).
ومن أهم مظاهر اكتمال رسالة الإسلام على كل ما تنزَّل على جميع الأنبياء –عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام- اشتمال القرآن على جميع ما جاء فيها وتفوقه التام عليها لقوله –تعالى-: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ) المائدة من الآية: (48).
ومن هذا المنطلق فإن حادثة مولد الرسول الأعظم -صلى الله عليه وآله وسلم- تعتبر مولدًا جديدًا للبشرية جمعاء، لأنه -خلافًا أو تفوُّقًا على جميع الأنبياء الذين حصرت رسالاتهم وبعثهم إلى أقوامٍ بعينها- قد بُعِثَ أو أُهدِيَ من المولى هدية لكافة أبناء البشرية يُبشِّر مَنْ آمن منهم ويُنذر مَنْ كفر تحقيقًا لقول الله -سبحانه وتعالى-: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) سبأ الآية: (28).
وإن في إحياء ذكرى هذه المناسبة الخالدة على صاحبها أفضل الصلاة السلام إحياءٌ للقيم العظيمة والمبادئ الساميَّة والمُثُل العليا التي كانت وما تزال مفخرةً لأمة الإسلام على سائر الأنام.


في الثلاثاء 05 نوفمبر-تشرين الثاني 2019 09:09:13 م

تجد هذا المقال في 26سبتمبر نت
https://26sep.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://26sep.net/articles.php?id=7409