نافذة على الاحداث: اليمن في طريقه للتغلب على مشاكله المزمنة
كاتب/احمد ناصر الشريف
كاتب/احمد ناصر الشريف

الفوضى الإدارية والأمنية التي يمر بها اليمن وشعبها العظيم ليس لها من مبرر سوى أن هناك من يحاول أن يقضي على ما تبقى من هيبة الدولة وإحراق مؤسساتها إدارياً المحروقة سلفاً بحيث لا تقوم بواجبها.. وهو وضع لم يسبق لليمنيين أن شهدوه حتى خلال الحرب التي استمرت ثماني سنوات أكلت الأخضر واليابس عقب قيام ثورة 26سبتمبر عام 1962م.. فحين قامت الثورة ضد النظام الملكي في ظل ظروف لم تكن مهيأة لضمان عوامل نجاحها تحولت اليمن يومها إلى ساحة صراع لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية على أرضها.. وانقسم الشعب اليمني إلى معسكرين جمهوري وملكي حيث استعان الجمهوريون بمصر وجيشها ودعم المعسكر الشرقي للدفاع عن الثورة والجمهورية وحمايتهما واستعان الملكيون بالسعودية والمعسكر الغربي لمقاومة الثورة وإفشالها .
ومن المفارقات العجيبة انه خلال تلك الحرب الطويلة ونتيجة للخلافات التي كانت تحدث بين الفرقاء كان الملكي يمسي جمهورياً والجمهوري يصبح ملكياً وكان الصراع على أشده بين الطرفين.. لكنه كان صراعاً سياسياً بامتياز على طبيعة نظام الحكم ولم تشهد اليمن خلاله ما تشهده اليوم من فقد لهيبة الدولة وغياب مؤسساتها أو أن ذلك الصراع تحول إلى صراع طائفي وعنصري ومذهبي ومثير للفتن وزرع الأحقاد والضغائن في النفوس حيث يجعل كل مواطن يكن لأخيه المختلف معه العداوة والبغضاء كما هو حادث حالياً.. بل لقد كان اختلاف الجمهوريين والملكيين اختلاف رجال لا يمنعهم من أن يلتقوا مع بعضهم داخل اليمن وخارجها في محاولة منهم لإيجاد حل للوضع القائم حينها والاتفاق على صيغة للحكم يرضى بها الجميع وقد مهدت تلك اللقاءات والحروب على أشدها بين الطرفين للقاء جدة الذي تم في يوليو عام 1970م ووضع حداً للقتال بين الإخوة الذين اعتمدوا النظام الجمهوري لشكل الدولة في اليمن وعاد الجميع ليشاركوا في بناء ما دمرته الحرب والشروع في بناء مؤسسات الدولة الحديثة، متناسين كل ما حصل بينهم من حروب أدت إلى إراقة الدماء البريئة وذهب ضحيتها عشرات الآلاف من القتلى والجرحى لأنهم غلّبوا لغة التسامح والتصالح على أية لغة أخرى يمكن أن تخلف في القلوب والنفوس الأحقاد والعداوة ضد بعضهم البعض ووضعوا المصلحة الوطنية العليا فوق كل اعتبار وهذا سر نجاح إنهاء حرب استمرت ثماني سنوات وأن كانت السعودية قد هيمنت على هذا الاتفاق واستغلته كفرصة للتدخل في الشأن اليمني الداخلي .
بل من يصدق أن شدة الخلافات التي حصلت بين الصف الجمهوري نفسه قد جعلت بعض الزعماء الجمهوريين المشهود لهم بالنضال الوطني ضد الحكم الملكي ينشقون عن النظام الجمهوري وبعضهم انضم إلى الملكيين.. منهم على سبيل المثال القاضي محمد محمود الزبيري- رحمه الله- الذي ذهب إلى برط وشكل حزب الله وطالب بدولة لا يكون نظامها جمهورياً ولا ملكياً وهذا ما كان يريده الملك فيصل ملك السعودية حينها فكان مصيره القتل حيث تم التآمر عليه من قبل الطرفين لأنهم وجدوا في دعوته والتفاف القبائل حوله خطراً على الجمهورية والملكية.. والنموذج الآخر شريكه وزميله في النضال الأستاذ احمد محمد نعمان رحمه الله الذي غادر القاهرة إلى بيروت عقب قيام حركة 5 نوفمبر 1967م في صنعاء برئاسة القاضي عبدالرحمن الإرياني رحمه الله رغم تعيينه عضواً في المجلس الجمهوري وصرح للصحف اللبنانية عقب وصوله بيروت بأن الوطنيين الأحرار يحاصرون صنعاء وسوف تسقط بأيديهم وكان رد فعل الجمهوريين عليه قاسياً حيث اجتمع المجلس الجمهوري برئاسة الفريق حسن العمري وقرر سحب الجنسية من الأستاذ أحمد محمد نعمان.. وكذلك حصل نفس الشيء في صفوف الملكيين فقد انضمت قيادات كبيرة إلى النظام الجمهوري على رأسها الفريق قاسم منصر الذي حاصر العاصمة صنعاء.. ومع كل ذلك تمت المصالحة الوطنية عام 1970م وعاد الأستاذ احمد محمد نعمان ومعه الأستاذ احمد محمد الشامي إلى صنعاء ليمثلا الجانب الملكي كعضوين في المجلس الجمهوري.. لأن الاختلاف لم يكن شخصياً أو تعصباً لحزب أو جماعة كما هو حادث اليوم وإنما كان خلافاً من اجل خدمة مصلحة شعب ووطن، كل كان يريد أن يحققها حسب اجتهاده وليس كما تقوم به القوى السياسية والقبلية حاليا حيث تغلّب مصالحها الذاتية على مصلحة الوطن والشعب وقضاياهما.. وقد استمرت القافلة تسير واضعة أقدامها على بداية الطريق الصحيح لتزداد قوة في انطلاقتها إلى الأمام في عهد الرئيس الشهيد إبراهيم الحمدي رحمه الله.. لكن مع الأسف الشديد فقد جاء العام 1978م ليعيد اليمنيين إلى الخلف لأن من وصلوا إلى الحكم حينها بقدرة قادر وارتبطوا بالخارج ومسكوا بزمام الأمور هدوا ما كان قائماً من أساس تم وضعه لتبنى عليه الدولة المدنية الحديثة وادخلوا اليمن في متاهات لا أول لها ولا آخر.. ولأنهم كانوا يخططون للبقاء في الحكم أطول فترة ممكنة فقد عملوا منذ اليوم الأول على أحداث شروخ في جدار الوحدة الوطنية منطلقين من تلك السياسة الاستعمارية: (فرق تسد).. فأثاروا الفتن الطائفية والمذهبية والعنصرية والقبلية بين أبناء الشعب اليمني الواحد لإشغالهم بها حيث انشأوا ما يسمى بالجبهة الإسلامية لمواجهة الجبهة الوطنية الشيوعية على حد زعمهم.. ثم استحدثوا معاهد دينية لمقاومة المد الشيوعي في الجنوب كما كانوا يعتقدون وفتحوا الباب على مصراعيه للتدخل الخارجي في الشأن الوطني.. وبدل ما كان الشعب اليمني يتعبد الله بمذهبين هما: الشافعي والزيدي المتعايشين منذ أكثر من 1200 عام أوجدوا لليمنيين مذاهب متعددة ما أنزل الله بها من سلطان وكأنهم جاءوا فاتحين لإدخال اليمنيين في الدين الإسلامي من جديد.. ودعموا القبيلة وتقوية مشايخها ليشتد التنافس فيما بينهم حتى يعادي بعضهم بعضاً بعد أن كادت القبيلة تذوب في المجتمع المدني وتتلاشى في عهد الرئيس الشهيد إبراهيم الحمدي.. وحولوا الجيش اليمني من جيش كانت مهمته الدفاع عن الوطن وسيادته واستقلاله إلى جيش أصبحت مهمته الدفاع عن النظام والعائلة الحاكمة حيث أعادوا بناءه على أساس الولاء للحاكم وليس للوطن.. ونهبوا الثروة وحولوا كل شيء إلى استثمار خاص بهم.. ولم يكتفوا بذلك فحسب وإنما ذهبوا إلى جعل الحكم وراثياً وكاد هذا المشروع أن يكتب له النجاح لولا تحرك الشباب عام 2011م الذين عملوا على إفشاله.. لكن المصيبة الكبرى أن الشباب أصحاب المصلحة الأولى في عملية التغيير كرروا الخطأ الذي ارتكبه الضباط الشباب الذين فجروا ثورة 26سبتمبر حين سلموها لثوار ما بعد الثورة على حد وصف القاضي عبدالرحمن الإرياني رحمه الله في مذكراته .. وشباب 2011 م ربما لنقص خبرتهم سلموا منجزهم للأحزاب والجماعات فالتفوا على المبادئ والأهداف التي كان تحرك الشباب من أجل تحقيقها وجيروا كل شيء لصالحهم ونسوا الوطن وقضاياه وكأنهم جاءوا إلى الحكم ليعكسوا الوجه الآخر للعملة المتداولة.. ما نجنيه اليوم من ثمار مرة يتمثل في الفوضى الإدارية والأمنية وتعرض اليمن لعدوان غير مبرر هو نتيجة لهذا الخطأ الذي لا يغتفر.. وان كانت ثورة 21سبتمبر الشعبية عام 2014م قد جاءت لتصحح كل الأخطاء وفتحت الباب واسعا أمام بناء الدولة الوطنية الحديثة المستقلة بقرارها والمتحررة من التبعية للخارج ولكن أعداء اليمن التاريخيين وقفوا حجر عثرة في طريقها من خلال شنهم عدواناً ظالماً على اليمن وشعبه العظيم ما يزال مستمراً للعام الخامس على التوالي بهدف إجهاض ما قامت الثورة الشعبية من أجل تحقيقه وإخراج اليمن من عنق الزجاجة التي حشرته السعودية داخلها منذ عدة عقود.


في السبت 07 ديسمبر-كانون الأول 2019 07:11:29 م

تجد هذا المقال في 26سبتمبر نت
https://26sep.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://26sep.net/articles.php?id=7442