نافذة على الاحداث:داء السلطة العضال!
كاتب/احمد ناصر الشريف
كاتب/احمد ناصر الشريف

لا أحد ينكر أن الحزب الاشتراكي اليمني والمؤتمر الشعبي العام كانا اكبر حزبين سياسيين على الساحة الوطنية اليمنية يتربعان على سدة الحكم ولو صوريا سواء حينما كان اليمن مشطراً أو بعد اعادة تحقيق الوحدة واعلان الجمهورية اليمنية في 22مايو 1990م ولم تتغير الخارطة السياسية الا بعد انتخابات 1993م حيث شاركهما في الحكم لأول مرة التجمع اليمني للإصلاح اما بقية الأحزاب والتنظيمات السياسية التي اعلنت عن نفسها الى العلن بعد اعادة تحقيق الوحدة فقد بقيت خارج دائرة المشاركة الفعلية في الحكم ،وان كان عدد منها قدتم تمثيلها بعدد محدود من المقاعد التي فازت بها في اول مجلس نواب منتخب في ظل راية الوحدة.. وبعد حرب صيف 1994م التي ما نزال الى اليوم نعاني من تداعياتها السلبية خرج الحزب الاشتراكي اليمني من دائرة المشاركة في الحكم وتحول الى المعارضة لأول مرة منذ تأسيسه كحزب طليعي من طراز جديد عام 1978م كبديل للتنظيم السياسي الموحد الجبهة القومية. فأنفرد المؤتمر الشعبي العام في الحكم يشاركه فيه التجمع اليمني للإصلاح الشريك الأساسي في حرب 1994م الى ان حصل الطلاق السياسي بينهما في فترة لاحقة وبقي حينها الراحل الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر رئيس الهيئة العليا للإصلاح رئيسا لمجلس النواب.. وبذلك تخلص المؤتمر الشعبي من شركائه وانفرد مرة أخرى بالحكم ممثلا في رئيسه السابق ومعتمدا على أغلبيته العددية في مجلس النواب لتمرير القوانين والتشريعات التي تخدم توجهه وهي أغلبية عددية ما تزال قائمة إلى يومنا هذا- رغم حدوث عملية التغيير- في مجلس تشريعي يقول عنه القانونيون ان شرعيته انتهت لاسيما بعد ان اصبح مقسما في الداخل والخارج وان قراراته واستدعاء الوزراء لاستجوابهم ليست الا تحصيل حاصل كسلطة تشريعية تستنزف موارد الدولة في بدل جلسات ومرتبات وغيرها من أوجه المصارف الأخرى كان يمكن للشعب أن يستفيد منها لو انها اعتمدت لبناء مشاريع او حتى دعما لموازنة الدولة التي تعاني من العجز الدائم والمستمر.. لكن لأن دولتنا القائمة قد بنيت منذ أربعة عقود على أساس أن تكون دولة تحويلات لمراضاة هذا وشراء ذمة ذاك ضماناً للاستمرارية فإن الإنفاق يتم في أوجه غير شرعية, وقد استخدم الرئيس الأسبق علي عبدالله صالح ذكاءه الفطري فأستغل نقطة الضعف عند اليمنيين وخاصة كبار القوم منهم من المشايخ والوجهاء والنافذين والمتمثلة في حبهم للمادة وعبادتها فأشترى بها ذممهم لتحل محل النظام والقانون من خلال ترويض القبائل لتأييد النظام واستمراريته.. وبدل ما كان الامام يصرف لهم خيول كوسيلة مواصلات من إنتاج محلي كان الرئيس الأسبق يصرف لهم سيارات حديثة يسيل لها اللعاب من آخر موديل ينتجه اليابانيون إضافة إلى إنفاقه عليهم من موازنة الدولة ومن المساعدات والقروض التي تقدم لليمن أكثر مما كان ينفقه أو يعتمده لبناء مشاريع يستفيد منها الشعب في تحسين وضعه المعيشي. وقد كان يكتفي بوضع حجر الأساس للاحتفال بها في المناسبات الوطنية.
وهكذا ظل الحال خلال العقود الماضية لاستنزاف ثروات اليمن ومواردها الطبيعية التي لو وظفت توظيفا سليما لكفت اليمنيين مؤنة طلب العون من الخارج واستغنوا عن مساعدة الآخرين واعتمدوا على أنفسهم وتخلصوا من المن عليهم وما يتعرضون له من تعالي واهانة بسبب هذه المساعدات التي لا تصل إليهم مباشرة وإنما يستولي عليها (حمران العيون).. وعندما نجحت انتفاضة الشباب عام 2011م في إحداث عملية التغيير وإسقاط مشروع توريث الحكم والقضاء عليه وكسر حاجز الخوف تفاءل اليمنيون خيرا واعتقدوا بأن هذين المنجزين المهمين سيشكلان حافزا للإسراع في التخلص من إرث الماضي ووضع قواعد قوية وجديدة تؤسس لبناء يمن جديد تسود فيه العدالة والمساواة والنظام والقانون، مؤملين في كل القوى السياسية بمختلف اتجاهاتها الفكرية بأنها ستكون المبادرة لقيادة هذا العمل الكبير والشعب من خلفها يسندها..
لكن كانت صدمة اليمنيين كبيرة حين رأوا بأم أعينهم هذه الأحزاب التي سبق أن أشرنا إليها آنفاً وسبق لها أن تذوقت طعم السلطة تسارع إلى أن تكون هي الوريثة للنظام السابق الذي بقي نصفه شريكاً معها وتنهج نهجه من خلال ممارستها للحكم بنفس العقلية الشمولية السابقة وكأنها لم تصدق أن تأتي إليها مثل هذه الفرصة فأنستها كل ما كانت تطالب به وهي في موقع المعارضة. ولذلك فقد استغلت وجودها كشريك في الحكم استغلالا سيئا متخلية تماما عن كل الشعارات البراقة التي كانت ترفعها باسم الشعب وانحرفت عن مبادئها المعلنة 180درجة, بل وأصبحت هذه الأحزاب المؤتلفة والتي كانت ممثلة في حكومة الوفاق الوطني في ظل المبادرة الخليجية تشكل اكبر عائق أمام تنفيذ أهداف عملية التغيير لأنها كانت تخشى على وضعها حينما يستعيد الشعب اليمني قراره من سيطرة الخارج على مقاليد أموره ويقول كلمته لمن يمثله في الحكم عبر صندوق الانتخابات بدون تأثير عليه من هذه الجهة أو تلك كما كان يحدث في العهد السابق حيث كان يتم فرض الالتزام التنظيمي على المنتمين حزبياً وتشترى أصوات المواطنين إما بالمال أو بدغدغة عواطفهم بكلام معسول.. ونعتقد أن مضي ما يقارب ثمانية أعوام على ما عرف بثورات الربيع العربي قد اكسب الشعوب العربية خبرة واستفادة من صراع القوى السياسية على السلطة خاصة تلك التي حلت محل الأنظمة المطاح بها شعبيا والتي ما تزال متأثرة بثقافة الماضي الأحادية.. كما أن لجوء بعض الجماعات السياسية ذات التوجه الديني إلى نشر الخلاف المذهبي والتعصب الديني بهدف إثارة الفتنة في أوساط المجتمع الواحد دليل على عجزها وفقدان شعبيتها.. ومثل هذه الأساليب ثبت فشلها لأن الشعوب قد شبت عن الطوق وصارت تتمتع بوعي وإدراك كبيرين لكل ما يحاك لها من دسائس ومؤامرات تحت أي يافطة كانت سياسية أو دينية ولم تعد كما كانت في السابق تابعة وتسير حسب ما يراد لها.. وعليه يجب على الجميع أن يغلبوا مصالح الأوطان على المصالح الخاصة وان يتم خدمة الدين من خلال التمسك بتعاليمه السمحاء وأن يكون إسلامنا منهجيا يهتم بالأساس والجوهر وليس إسلاماً سلوكياً نركز فيه على الشكل والمظهر وفي نفس الوقت نتخلص من داء السلطة العضال الذي يحول دون خدمة الشعوب والأوطان.


في الإثنين 09 ديسمبر-كانون الأول 2019 08:11:51 م

تجد هذا المقال في 26سبتمبر نت
https://26sep.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://26sep.net/articles.php?id=7446