بوح اليراع: عودة إيطالية إلى ليبية من النافذة (الحفترية)
عبدالسلام التويتي
عبدالسلام التويتي

على الرغم من أنَّ جميع الموجات الاحتلالية الأوروبية لأقطارنا الإسلامية والعربية جاءت -بشراستها وأحقادها- امتدادًا للحروب الصليبية، فقد أجمع المؤرخون المعاصرون على أن الاحتلال الإيطالي أشرسها على الإطلاق، لذلك ما تزال ذكريات فظائعه ومذابحه في حق إخواننا في القطر الليبي محفورة في ذاكرة كل عربي حرٍّ أبي.
وفي هذا الوقت الذي نتوقع أن الكثير من المنظمات تنتظر على أحر من الجمر انطفاء نيران الحرب المستعرة في ليبيا، لما من شأنه سنوح الفرصة أمام السلطة الحائزة على شبه إجماع وطني وعلى اعترافات دولية لاستكمال استقبال الـ 5 مليارات من الدولارات التي أبدت الحكومة الإيطالية -بموجب الاتفاقية الثنائية التي وقعت بين البلدين- التزامها بجدولتها على مدى 25عامًا على سبيل التعويضات عمَّا تسبب به الاحتلال الإيطالي لليبيا على مدى 32عامًا من قتل عشرات الآلاف من الليبيين والليبيات الذين قضوا بحبال المشانق أو برصاص البنادق أو تحت إطارات الآليات أو بين جنازير الدبابات، فضلاً عمَّا عاناه معظم سكان ليبيا -بدوهم والحضر- من ويلات التشرد الناتج عن تعمُّد الاحتلال هدم المنازل واعتقال كل مارٍّ في الطريق السابل، بالرغم من ذلك كله نجد إيطاليا -قبل إيفائها بالحد الأدنى من التزاماتها تجاه جارتها- تستغل ما يمر به القطر العربي الليبي -في هذه الفترة الزمنية المرتبكة- من وعكة، فتتسلل إلى ليبيا التضحيات والشموخ والإباء عبر العميل الأشهر خليفة حفتر وكلُّها أمل أنها ستنال -عبر هذا العميل الغادر- نصيبها الوافر من الكعكة.
وقد كشفت زيارة وزير الخارجية الإيطالي (لويجي دي مايو) إلى ليبيا الأسبوع الماضي ميل إيطاليا إلى العميل حفتر، بدليل أنه حظي في هذه الزيارة بأفضلية كانت –منطقيًّا- من استحقاق حكومة الوفاق، إذ لم تستمر زيارة المسؤول الإيطالي للعاصمة طرابلس سوى سويعات معدودة اقتصر معظم نقاشاتها على طرح إملاءات إيطالية محدودة تلخصت في قوله للسرَّاج -في ما يشبه التذمُّر أو الاحتجاج-: «إن الاتفاقية التي وقعتها مع تركيا تعدّ مبالغة، ونعتبرها مزعزعة للاستقرار، وكان عليكم أن تعلمونا بها مسبقًا، وهذا ليس بالأمر الجيد».
والأدهى والأمر مطالبته حكومة الوفاق -من جانب آخر- بـ«كبح العلاقة مع الأتراك والكف عن إعاقة فتح القنصلية الإيطالية في بنغازي التي تسيطر عليها قوات حفتر» بكل ما يعنيه ذلك من تماهٍ إيطالي مع ذلك الأنموذج العمالي.
ولم يكد الوزير الإيطالي يفرغ في طرابلس من طرحه الاستفزازي حتى سارع بالانتقال إلى بنغازي ثمَّ طبرق للالتقاء برأس الشر حفتر الذي يتهيأ -بدعم سعودي إماراتي مصري معلن وبتواطؤ روسي وغربي عير معلن- لمهاجمة العاصمة طرابلس، فتدور بينهما أحاديث ودية، لم تخلُ من إعطاء هذا العميل الأبتر الضوء الأخضر بالاستمرار في القتال دون اكتراثٍ بما ينزل بالليبيين من صور النكال.
وما كان لإيطاليا -وهي الأحصف أوروبيًّا في التعاطي مع مثل هذه المسائل- أن تُخاطر بسمعتها في الأوساط الدولية بالمُجاهرة -على المستوى الرسمي- بمساندة الباطل، لولا حصولها على ضمانات مسبقة من هذا العميل السافل بمنحها -في حال حسم الصراع لمصلحته- كل ما تطلبه منه من تنازل، ولن تقنع بأقل من تفريطه بما حققه الاتفاق الليبي التركي لليبيا من المكاسب بشكل كامل.
ويجدر بي اختتام الكلام بالإشارة إلى أن حفتر لم يتردد في يوم من الأيام عن الارتماء في حضن أي طامع بخيرات ليبيا أو ناقم على دين الإسلام، فبقدر ما حظي -منذ عدة سنوات وقبل أن يُعْرف جماهيريًّا أو يظهر إعلاميًّا على شاشات القنوات- بدعم عسكري ومالي سخي من السعودية ومصر والإمارات مكافأة له على ما يكنه من عداءٍ شديد للإسلام، حظي -منذ وقت قريب للسبب ذاته وطمعًا في نفط القطر الليبي وثرواته- بدعم فرنسا كونه -من وجهة نظرها- عدوَّ الإسلاميين اللدود، وقد تم رصد القوات الخاصة الفرنسية وهي تخوض القتال إلى جانب جنود حفتر، فضلاً عن تداول أخبار مؤكدة عن اعتماد مقاتليه على التسليح الفرنسي إلى حد كبير، كما لم يبارح الأذهان بعد ما وجهته مقاتلات فرنسية في فبراير الماضي من ضربات مركَّزة على قوات مناوئة له دعمًا لقواته وتعزيزًا لمركزه.
ومن جانبها روسيا تدخلت -منذ أيام قليلة- باستخدام حق النقض للحيلولة دون صدور قرار أممي يدين تقدم قوات هذا العميل المتغطرس نحو العاصمة طرابلس.
ولعل دعمهما هي الأخرى مستند إلى أجندة سياسية اقتصادية خفية تمنحهما -إذا ما تمخض دعمهما عن حقبة حفترية- الأولوية في اغتراف الثروة النفطية الليبية.


في الإثنين 23 ديسمبر-كانون الأول 2019 09:31:14 م

تجد هذا المقال في 26سبتمبر نت
https://26sep.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://26sep.net/articles.php?id=7461