مؤتمر لندن"تسوُّل"أم رهان على المستقبل؟
كاتب/فيصل جلول
كاتب/فيصل جلول
كيف يمكن وصف مؤتمر المانحين في لندن؟ قوى الموالاة اعتبرته فرصة لانطلاقة يمنية تنموية جديدة فيما لم تتردد المعارضة أو بعض أطرافها  
في القول أنه مؤتمر "للتسول" اليمني وأن اليمن ثري إذا ما أحسنت السلطة استخدام موارده. إن صدور الوصف عن طرف في المعارضة اليمنية قد لا يكون ملزما لجميع أحزاب اللقاء المشترك لكنه يصبح موقفا مشتركا عندما لا تتدخل الأطراف الأخرى لتصحيح ما قيل أو لنفيه ما يعني أن وصف "التسوُّل" هو الوصف المعتمد علنا أوضمنا وبالتالي تصح مناقشته بوصفه موقفا معارضا.
الواضح أن وصف المؤتمر ب "التسول" ينطوي على حكم أخلاقي لا يتناسب مع افتخار اليمنيين ببلدهم لكنه بالمقابل ينم عن سوء فهم مدهش لمثل هذه المؤتمرات وذلك للأسباب التالية:
أولا:إن كل الدول المانحة الشقيقة وغير الشقيقة تقدم المنح المالية لدول أخرى انطلاقا من اعتبارات استثمارية لذا يقول الخبراء الفرنسيون أن كل "يورو" أو"دولار" يقدم للدول الإفريقية يعود إلى الدولة المانحة بأرباح تقدر بثلاثة أو أربعة دولارات وعليه ما يبدو منحة مجانية بنظر الممنوحين هو في الواقع وسيلة للمزيد من المكسب.في هذه الحالة يصبح الحديث عن "تسول" وكأنه يغطي بطريقة سيئة جوهر العملية الاستثمارية التي تحكم علاقة المانح بالممنوح.
ثانيا: من الصعب العثور في دولة واحدة في العالم الرأسمالي على رأسمال خيري يمنح بالمليارات بلا أغراض اقتصادية حتى لا نتحدث عن الأغراض السياسية.عندما تمنح قوى مالية عملاقة أموالا لدولة معينة فإنها تراهن على تحقيق أهداف اقتصادية غاية في الأهمية: مثال أول. بعض الدول تقدم منحا اقتصادية للدول التي ينتمي إليها إرهابيون من اجل حرث البنية التحتية للإرهاب ذلك أن فاتورة الأعمال الإرهابية اقتصاديا إذا ما وقعت تقدر بأضعاف مضاعفة قيمة المنح المالية المخصصة لتدارك الإرهاب في البلد الممنوح. مثال ثان. إن المنحة التي تبذل لشق طريق سريع في البلد الممنوح تؤدي بالضرورة إلى زيادة تصدير السيارات التي تسير على هذا الطريق وما يتبع ذلك من صناعات استهلاكية مكملة.ما يعني أن المانح لا يستثمر مجانا في شق طريق في البلد الممنوح بل يبذل أموالا ليحصل ما يفوقها أضعافا على المدى المتوسط أو البعيد.
ثالثا:إن الدول المانحة تسعى أحيانا لفرض شروط قاسية على البلد الممنوح من اجل تحقيق أرباح سريعة مثال: في مؤتمر باريس 2 تلقى لبنان قروضا ميسرة ومنحا شرط أن يبيع شركة الهاتف الخلوي للقطاع الخاص وقدر الثمن بمليار دولار الأمر الذي أثار فضيحة لبنانية ذلك أن أرباح الخلوي تزود خزينة الدولة بثلاث مليارات دولار فكان أن توقفت الصفقة ووقعت سجالات عنيفة بين المانح والممنوح ومن حسن الحظ أن اليمن لم يرتبط بشروط من هذا النوع لا في مؤتمر لندن ولا في مؤتمر باريس السابق.
رابعا: تسعى الدول الأوروبية لمساعدة الدول الفقيرة في حوض البحر الأبيض المتوسط ليس من اجل "عيون" حكامها وشعوبها وإنما من اجل خلق بيئة مستقرة في البلدان الأصلية تحد من التدفق البشري إلى القارة الثرية العجوز.
خامسا: تمنح بعض الدول أموالا من اجل ترويج لغتها وثقافتها ومع انتشار اللغة والثقافة التابعة للدولة المانحة تنشأ حاجات استهلاكية لم تكن موجودة من قبل. إن ما يبدو عملا خيريا ثقافيا أو "تسولا" هو في الواقع استثمار جدي من اجل الربح والكسب.
سادسا: أن المنح الواردة لليمن من مجلس تعاون دول الخليج تبتعد سنوات ضوئية عن وصف " التسول" ذلك أن الرهان المعقود على هذه المنح يقضي بخلق فضاء آمن في شبه الجزيرة العربية ومفيد على المدى الاستراتيجي للمانح والممنوح . إن الاندماج اليمني المرتجى في مجلس التعاون يمكن أن يوفر للأسواق الخليجية يدا عاملة قريبة وكثيفة ورخيصة ويمكن أن يعينها في استدراك ضعفها الديموغرافي وفي توسيع حجم السوق الاستهلاكي في فضاء شبه الجزيرة العربية بأسره.
لهذه الأسباب ولغيرها يمكن لدولة أو مجموعة من الدول أن تمنح أموالا لدولة أو دول أخرى على أن تتوافر لدى الممنوح شروط معينة و مغرية للمانح والحالة اليمنية تنطوي على شروط مفيدة للمانحين العرب والأجانب ولعل هذه الشروط هي التي تحكمت بموقف المانحين في لندن وليس غيرها على الرغم من أهمية أواصر القربى العربية والروابط الثقافية والحضارية والتاريخية.
يساعد ما سبق على القول أن وصف مؤتمر لندن بمؤتمر "التسول" يتنافى ليس فقط مع جوهر العلاقة الاستثمارية بين المانح والممنوح بل ينم أيضا عن فهم قاصر لرأس المال ووظائفه وللعلاقات الرأسمالية على الصعيد الدولي.
يبقى القول أن اليمن يتلقى مساعدات ومنحا وقروضا ميسرة ضمن رهانات تعقدها الدول المانحة على مستقبل هذا البلد ودوره في استقرار المنطقة وازدهارها ولعل وصف هذا التمويل من اجل المستقبل ب" التسول" لا يتنافى مع الواقع فحسب وإنما يحجب أهداف المانح ويحوله من مستثمر إلى متصدق أما الحديث عن الثروة اليمنية الكامنة وضرورة الإفادة منها واستخدامها استخداما وطنيا فعالا فانه لا يشكل بديلا لمؤتمر لندن بل لعل المؤتمر يوفر الفرصة الملائمة لتفعيل الثروة اليمنية الكامنة تماما كما أدت خطوات مماثلة من قبل لاكتشاف النفط وتصديره.
في الديموقراطيات الغربية تشن المعارضة حملات شرسة على الحكومات وهذا جزء أساسي من دورها لكنها لا تتجاوز خطا احمر واحدا هو الوطن ومصالحه في هذه الحالة تلتزم الصمت أن لم تكن مضطرة للاعتراف بحسن أداء الحاكم.ماذا لو تعلمنا منها؟
mfjalloul|@hotmail.com

في الخميس 23 نوفمبر-تشرين الثاني 2006 07:52:29 ص

تجد هذا المقال في 26سبتمبر نت
https://26sep.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://26sep.net/articles.php?id=802