الدراما اليمنية ... نظرة علمية
علي الحاوري
علي الحاوري
 تطالع الفضائية اليمنية جمهورها بأعمال درامية محلية متنوعة متشابهة كل عام، ومعظمها من أنتاج قطاع الانتاج بالفضائية اليمنية، أو من أنتاج شركات خاصة ظهرت حديثا ببلادنا، ومن ثم تقوم الفضائية بشراء هذه الاعمال، رغم أن الطاقم الفنى الذي يقوم بتنفيذها هو طاقم التلفزيون، فلماذا لايتم التنفيذ مباشرة من قيل قطاع الانتاج بالتلفزيون، وبذلك يتم توفير عشرات الملايين من الريالات من المال العام هي فارق الانتاج الحقيقي لهذه المسلسلات وفارق سعر الشراء لا أدري؟ عموما هذا ليس موضوعنا وانما جاء في السياق وما أردت الحديث عنه عبارة عن ملاحظات أستنتجتها أثناء أعدادي لرسالة الماجستير والتى قدمتها عام 2003م، إلى أكاديمية الفيلم ببكين والتى كانت بعنوان الدراما والسينما في اليمن، ونلت بموجبها درجة الماجستير في حينه، وقمت فيها بتحليل الدراما اليمنية شكلا ومضمونا وفق الطرق العلمية المتبعة عالميا في الجامعات العربية والعالمية . وكنت ولازلت ناويا نشر هذه الرسالة في أحدى المجلات العلمية المحكمة عربية أو أجنبية، لكن أنشغالي برسالة الدكتوراة فيما بعد وحتى الان هو الذي شغلنى عن ذلك. وهانذا هنا أورد خواطر مما لازال عالقة في ذهنى مما دونته في أطروحتي وهي كالتالي :
 1 . يتمتع التلفزيون اليمني بقناتيه الاولى والثانية[ بقدرات مالية وبشرية لابأس بها، قادرة على النهوض بقطاع الدراما اليمنية على مستوى أخواتها المصرية والسورية والخليجية فأين مكامن الخلل والنقص؟ والجواب كما يلي :
1 . لايوجد في القناتين كاتب سيناريو متخصص أكاديميا، فلا يوجد حسب ما وصلت اليه اُثناء الاعداد للدراسة، في اليمن سوى شخص واحد اوردت أسمه ضمن الاطروحة وهو الذي درس السيناريو بالمعهد العالي للسينما بمصر بصورة أكاديمية، ورغم أن الدراسة الاكاديمية ليست شرطا لنجاح كاتب السيناريو اذا لم تتوفر الموهبة، الا أن الدراسة صقل للموهبة وهذا ما أشار اليه دوايت سوين في كتابه كتابة السيناريو للسينما . فمن يقومون بكتابة السيناريو في اليمن هم من مخرجين التلفزيون ، وأسندت في فترة من الفترات إلى سينارست عراقي ساهم في تطوير الدراما اليمنية، لكنه غادر اليمن قبل أكثر من عام . وهنا نؤكد بأن أعداد السيناريو من قبل المخرجين الذين يقومون بأخراج المسلسلات المحلية، سببا في فقدان الدراما اليمنية جزء من نجاحها، فيتجاهل زملائي المخرجين حقيقة هامة وهي أن صناعة الدراما مشروعا تعاونيا يجند كل أصحاب القدرات الابداعية في عشرات الحرف والفنون المتقاربة والملتحمة من تصوير وعمارة وهندسة مناظر وديكورات، وتمثيل ... الخ، وهولاء ضروريون لصناعة الدراما، ولايعنى أن لدى المخرج دراية أو حتى موهبة لكتابة السيناريو، أو تلقى ضمن منهجه الدراسي دروسا في كتابة السيناريو، بانه يستطيع أعطاء الدراما عوامل نجاح للسيناريو، وعوامل نجاح أخرى في الاخراج، فما يمتلكه هذا المخرج من مواهب قد أعطانا أياها في أحدى مراحل العمل أما في السيناريو أو في الاخراج، ولو ترك الفرصة لكاتب سيناريو آخر متخصص لاعطى للدراما التى قام بأخراجها نفس المخرج بعدا ونجاحا آخر ، وهذا يشبه إلى حد كبير ما كان يحدث في أمريكا بداية ظهور السينما وأثناء مرحلة السينما الصامتة، حيث كانت كتابة السيناريو بالنسبة اليهم أمر تافه لا يستدعي الاحتراف، وكان محترفوا السينما يقومون بكتابة ما يسمى بالصيغة الموجزة للمعالجة السينمائية ويطلقون عليه سيناريو، على عكس المخرجين الروس والالمان الذين أهتموا بالسيناريو منذ البدايات الاولى، ولكن بعد أن تطورت السينما وفنونها أصبح تخطيط الفيلم والدراما أكثر لزوما وتعقيدا، ومن ثم تنوع التخصص في معالجة عناصر السيناريو، المختلفة، فهناك من يقوم بعمل الفكرة وهولاء قد لايستطيعون كتابة سيناريو لكنهم قادرين على إعطاء أفكار صالحة لان تكون دراما أو أفلام، وهناك من يقومون بوضع بذرة القصة، وهناك من يقومون بصنع المواقف لتحويل الفكرة إلى قصة ثم إلى مواقف درامية ويلق عليهم  Situation men، وهولاء يكون بمقدورهم قراءة السيناريو وأضافة مشاهد جيدة ومواقف جديدة ترتفع بالحدث وهناك من يقومون بالصقل النهائي للسيناريو Polish job ، وهولاء يتسلمون السيناريو بعد كتابته فيقومون بتصفية المشاهد والحوار ويمارسون براعتهم في الحذف والاضافة ويعالجون مواطن الضعف ويرتفعون بالحدث ويزيدون من سرعة الايقاع . فأذا كان هذا حال صناعة الدراما في هوليود عاصمة السينما، فلماذا نتجاهل هذه المهام وندعى خوارق العادات، ويقوم شخص واحد بعمل ما يقوم به خمسة أو ستة اشخاص محترفين في بلد مثل أمريكا .
فلماذا لا نقوم بالعملية الاتية لنتجاوز السلبيات والنواقص، وهو ما يحدث في كل بلاد العالم التى تمتلك المئات من محترفي كتابة السيناريو، والمقترح يسند كتابة السيناريو الادبي لمخرج، ويسند مهمة صناعة المواقف الدرامية لمخرج آخر، ومن ثم تسند المعالجة الدرامية النهائية لمخرج ثالث، ثم يسلم النص لمخرج رابع ليقوم بالصقل النهائي للسيناريو وحذف ما يرى حذفه وزيادة ما يرى زيادته، ثم بعد ذلك يسلم السيناريو لمخرج العمل وقد أكتملت الرؤية الفنية . وبذلك سنتغلب على مشكلة الاحتراف في صناعة السيناريو .
2 . فيما يخص مرحلة التنفيذ : تلقينا أثناء دراستنا الاكاديمية، وقرءنا في المراجع العلمية، ورأينا أثناء التطبيق العملي( وهذا الامر ينطبق على كل زملائي المخرجين الذين تلقوا الدراسة الاكاديمية العليا أو المتوسطة سواء في مجالات الاخراج او التصوير أوغيرها من مجالات العمل التلفزيوني عموما) أن هناك طاقم فنى متكامل للعمل وبخاصة في الاعمال الدرامية لا يكتمل العمل الا بهم، أبتداء بالمخرج المتخصص أكاديميا والمبدع الموهوب عمليا ، مرورا بالمساعدين للمخرج، إلى مدير الاضاءة والمصورين، إلى مدير الاضاءة وفنيي الاضاءة، إلى ملاحظ السيناريو، إلى مدير الاضاءة والمصورين وعامل الكاميرا، وعامل الكرين، ورئيس عمال البلاتوه ومساعديه، إلى المشرف على الحوار، ومهندسين الكهرباء، وضابط الاتصال، وأخصائي المؤثرات الخاصة، ومهندس الصوت ومساعدوه، إلى عمال الملابس والديكورات ......الخ . وغيرهم من الطاقم الفنى الذي لا يكتمل العمل الا بهم ، وعدم وجودهم، يؤدى إلى أرتجالية العمل، وإتكالية في الاداء وضعف في التنفيذ، فنشاهد دراما ضعيفة .
 لماذا يتم التنفيذ في بلادنا بأشخاص معدودين لا يتجاوز عددهم ربع العدد المطلوب لتنفيذ دراما ناجحة وفي أى مكان في العالم، فنادرا ما ينفذ المخرجين المحليين أعمالهم وطاقمهم مكتمل، ونادرا ما يزور المخرج ومدراء الاضاءة ومدراء التصوير مواقع التصوير ويرسمون خطة عمل متكاملة للاضاءة وأماكن وضع الكامير والزوايا الملائمة . فحقيقة ما نراه على الواقع لا يبشر بدراما ناجحة، و يؤكد أن هناك قصور وضعف شديد في تطبيق هذه الجوانب العلمية وغيرها مما لم نشر اليها .
3 . ما تمتلكه الاضاءة، وعنصر اللون، وحركة الكاميرا، والاستمالات والرموز، وما للتكوين عموما، من أمكانيات تعبيرية وفنية، أذا ما أجتمعت صنعت قوة الشكل والمضمون للعمل الفني، فلماذا يتم أختزال وظائف هذه العناصر إلى أدنى مستوى، فوظيفة الاضاءة تختزل إلى وظيفتين هما القيام بعملية كشف المكان وتجميل الوجوه، أين الوظائف التعبيرية للاضاءة والالوان في كشف الحالات السيكلوجية؟ والتعبير عن لون القصة ومضمونها؟ أين الوظائف الايحائية والجمالية للأضاءة ؟ لماذا يتم تحاشى مجمل الوظائف التعبيرية لهذين العنصرين؟ لماذا لمن نتحقق في الدراما المحلية من وجود لما يسمى بالتوازن داخل الصورة؟ ولماذا عناصر التكوين الرئيسية من شكل وحركة وخطوط وكتلة، غير واضحة؟ لماذا يتم تنفيذ معظم الاعمال بدون سيناريو تنفيذي؟ لماذا يتم أختيار معظم الممثلين بصورة أشبه بالعشوائية، والمخرجين يعرفون حق المعرفة بأن أختيار الممثل يحتاج لدراسة الحالة السيكلوجية والجسمانية للشخصية ؟ ومن يقوم من المخرجين بذلك يركز على من يقومون بأدوار رئيسية ويترك الأخرين ؟ لماذا يركز المخرجين على جمال الممثلات بالدرجة الاولى فيعوقون توصيل الرسالة الاتصالية المطلوب توصيلها عن طريق الدراما وهى لاشك اهدافا تحمل معنى للقيم والسلوك وتساهم في التنمية الاجتماعية؟ لماذا الاصرار على الوجه الجميل حتى لو تم أستدعاءه من بلد آخر ؟ ونحدث بذلك التصادم النفسي لدى الجمهور؟ لماذا يختزل المخرجون حركة الكاميرا التى تصل إلى أكثر من عشر حركات ولا نرى في مسلسلاتهم سوى نوعين من حركات الكاميرا  أو ثلاث ؟
أن أتخاذ حركة الزوم بديلا لحركة الدوللي، ووظائف الحركتين مختلفتان وغرضهم الفنى مختلف، يعد تجنيا على قواعد العمل الفني ؟ أن أتخاذ حركة البان، بديلا لحركة التراك، ووظيفتهم الفنية مختلفة، يعد أنتقاصا من المهنية .
وبالنسبة للصوت، فأن حدة الصوت وقوته لها معناها داخل المشهد، ويعرف المخرجون دلالته على الشخصية؟ ما زمنه واين مكان خفوته وحدته؟ وماذا يجسد ؟ كلها فنيات لابد من الانتباه لها حتى تساهم في تطوير الصراع، وشد أنتباه المشاهد والا ساهمت في ضعف العمل . فلماذا نتجاوز هذه الفنيات في الدراما المحلية ؟
4 . وعودة إلى عناصر الصوت والاضاءة والتصوير،وهما أعمدة أساسية في العمل الفني، فأسجل هنا الملاحظة التالية : أستنتجت أثناء الاعداد للدراسة والتى سبق ذكرها أن جميع العاملين في أدارة الصوت والاضاءة والتصوير في القناة الاولى بالذات، ليسوا من المؤهلين أكاديميا وما تلقوه من معلومات في هذا الجانب كان عبارة عن دورات قصيرة في سوريا أو قطر أو في دول أخرى شقيقة أو صديقة، أو مهارات أكتسبوها أثناء العمل، ومن درس منهم تخصصه أكاديميا تحول إلى قسم الاخراج بعد عمله مباشرة، أننى هنا لا أتجنى على الزملاء الاجلاء في هذه الادارت ولا أنتقص من قدرهم ومهنيتهم، وخبراتهم، لكننى أقول وأشدد بأن هولاء لو درسوا تخصصاتهم أكاديميا لتحولوا إلى محترفين في مجال الدراما، لما أعرفه عنهم من حب وأخلاص لعملهم، ولما يمتلكونه من خبرات متراكمة، هذا من جانب، كما أنني مجددا أؤكد ان الدراسة الاكاديمية ضرورية لصقل الموهبة، والا لما فتحت الاكاديميات العليا في العالم أقسام مستقلة لتدريس هذه المهن وحددت شروطا صارمة للدراسة فيها، بل أن الدراسة فيها تتجاوز نفقات طالب في نفس المستوى العلمي في كليات الطب . لماذا لا تقوم الموسسة العامة اليمنية للاذاعة والتلفزيون بأيفاد مجموعة من خريجي كلية الاعلام الذين التحقوا حديثا بالتلفزيون للدراسة الاكاديمة لمدة عام أو عامين في أحدى الدول ما دامت مقتدرة ماديا؟ وهنا نؤكد وهنا نؤكد القول بأن الدراما هي لغة الضوء، وحركة الكاميرا، فالضوء لغة محسوسة وغير ملموسة مثلها مثل أى لغة من اللغات لها عناصرها التى من خلالها تستطيع مخاطبة وجدان المتفرج والتأثير عليه .
5 . ضميت صوتي إلى صوت أستاذي الدكتورعبد الرحمن الشامي، بأن يتم أتخاذ لغة الصحافة لغة رسمية للدراما اليمنية، لسببين، اولهما للخروج من عزلتها المحلية، وثانيا: لسبب يتعلق بالوحدة الوطنية، ومع هذا لم نرى لمقترحاتنا ترجمة عملية . وهاذان سببان اضافيان يقفان عائقا أمام الدرما اليمنية .   
6. هناك العديد من المقترحات تتعلق بالمضمون ولها أهميتها، ولا يسع المقام للحديث عنها فمن وجد في نفسه الرغبة فعليه الرجوع إلى الدراسة المذكورة، والموجودة على رفوف قطاع التاهيل والتدريب التابع لموسسة الاذاعة والتلفزيون، وقد أشتملت الدراسة على أشياء أعتقد أنها هامة ونافعة لو تم العمل بها ، فهى في الاخير دراسة علمية محكمة، وليست عملا أرتجاليا أو خواطر تم تسجيلها لحظة أنفعال . والله من وراء القصد ،،،،
* باحث وصحفي يمني مقيم بالصين

في الثلاثاء 26 ديسمبر-كانون الأول 2006 08:21:29 م

تجد هذا المقال في 26سبتمبر نت
https://26sep.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://26sep.net/articles.php?id=841