الرئاسيات الفرنسية فرانسوا بايرو مرشح الجمهورية السادسة
كاتب/فيصل جلول
كاتب/فيصل جلول
نختم في هذه الحلقة الأخيرة عن مرشح تيار الوسط «فرانسوا بايرو» سلسلة مقالات حصرناها بأبرز المرشحين للانتخابات الرئاسية الفرنسية وقد تناولنا فيها السيدة «سيغولين رويال» مرشحة الحزب الاشتراكي الفرنسي والرئيس «جاك شيراك» ومرشح اليمين المتطرف «جان ماري لوبن» ووزير الداخلية المرشح «نيقولا ساركوزي» والسيدة «ارليت لاغييه» مرشحة التيار التروتسكي
 وقد اعتمدنا في هذا الاختيار نسبة ال 5 بالمئة من الأصوات وما فوق التي سجلتها التيارات السياسية الفرنسية في الانتخابات الماضية عام 2002 لذا لم نتطرق إلى مرشحة الحزب الشيوعي التي لم تحصل على هذه النسبة وغيرها من المرشحين السابقين أما لأنهم لم يرشحوا أنفسهم مجددا وإما لأنهم لم يتجاوزوا السقف المذكور.
في العام 2002 وأثناء حملته الانتخابية صفع «فرنسوا بايرو» ولداً يبلغ من العمر 10 سنوات في احدى الضواحي البائسة لأنه حاول أن يسرق المال من جيبه خلال حديثه مع مجموعة من الشبان الأمر الذي أثار فضيحة مدوية في فرنسا كان من أثرها أن تعرض المرشح بعد أيام إلى عملية انتقامية لطيفة فقد بادرت مجموعة من الشبان إلى رشقه بتورتة شاكولا غطت كامل رأسه وانتهت القضية عند هذا الحد.
بيد أن هذه الواقعة يجب ألا توحي أن الرجل متعال أو ينتمي إلى الطبقة الارستقراطية في فرنسا، فهو مولود في العام 1951 لأبوين يعملان في الزراعة ولم يخرج من مدارس النخبة في هذا البلد فقد تعلم في مدينة «بوردو» وحصل على شهادة كفاءة في اللغة الفرنسية ومن ثم حاول الدخول إلى كلية التربية العليا لكنه فشل في الامتحان فاختار التدريس في إحدى الثانويات إلا أن والده توفي بعد حين متأثرا بجروح أصيب بها أثناء عمله فما كان منه إلا أن ساعد والدته في إدارة المزرعة العائلية دون أن ينقطع عن عمله في التدريس.
كفاءته في الأدب الفرنسي الكلاسيكي ستؤثر كثيرا في مجرى حياته فقد جرب حظه مع التأليف وصاغ سيرة محببة للملك «هنري» الرابع الذي كان أول ملك فرنسي يحكم بلاده بالمشاركة بين الكاثوليك والبروتستانت اثر الحروب الدينية وقد لاقت السيرة نجاحا كبيرا إذ بيع منها 300 ألف نسخة وقد أحسن استخدام ما كسبه في تربية الخيول الأمر الذي سيساعده في تمويل نشاطه السياسي من بعد وهذا المصدر يختلف عن مصادر تمويل الأكثرية الساحقة من رجال السياسة الفرنسيين.
نشأة «بايرو» العائلية ستتحكم في مسيرته السياسية فهو كاثوليكي متدين وقد استطاع بفعل إيمانه ومثابرته وقوة إرادته أن يتغلب على عاهة موروثة من طفولته إذ كان يُتأتئ في الكلام وقد صار يتحدث أمام وسائل الإعلام دون صعوبات تذكر لكن الإيمان سيجعله أيضا يختار خط الوسطية فهو يصنف بأنه ديموقراطي مسيحي وتشير سيرته السياسية إلى انه لم يخرج عن إطار تيارات الوسط في فرنسا.
أستاذ الأدب الفرنسي الكلاسيكي سيتولى منصب وزير التربية لمرتين وسيتبع أسلوب الحوار في إدارة وزارته كما انه سينشط في مكافحة الأمية وسيثير إعجاب الوزير السابق الاشتراكي «جاك لانغ» وحفيظة سلفه الوزير اليميني «كلود الليغر» دون أن يتسبب ذلك بحرج له فهو مصر على موقعه الوسطي المختلف عن اليمين وعن اليسار وبسبب إصراره على هذا الموقع عمل «بايرو» على تأسيس حزب مستقل في إطار حزب «الاتحاد من اجل الديموقراطية» ثم توصل إلى رئاسة هذا الحزب وهو مازال في منصبه حتى اليوم.
في رئاسيات العام 2002 خلق «بايرو» مفاجأة لم يكن احد يتوقعها فقد حصل على حوالى سبعة في المئة من أصوات الناخبين وحل رابعا بعد جاك شيراك وجان ماري لوبن وليونيل جوسبان وقد اعتمد في ولاية شيراك الثانية خط المعارضة البناءة ومن النادر أن يعارض حزب يميني حكما يمينيا خلال الجمهورية الخامسة في البرلمان.
مفاجأة «بايرو» في الرئاسيات الماضية جعلته يكرر حظه في الرئاسيات الجارية إذ تتوقع استفتاءات الرأي العام أن ينال حوالى 18 بالمئة من الأصوات في الدورة الاولى فيما يرى محللون انه قد يخلق مفاجأة جديدة في الرئاسيات الحالية التي يسعى المرشحون فيها الى استمالة ناخبي الطبقة الوسطى لاعتقادهم أنها ستحسم نتيجة الاقتراع.
يخوض «بايرو» حملته الانتخابية دون ضجيج كبير حول شعارات تغييرية حقا ومختلفة تماما عن شعارات اليمين واليسار المتقاربة فهو يسعى لجمهورية سادسة بعد ان استنفدت الجمهورية الحالية الخامسة كامل أغراضها في نظره ويعارض انضمام تركيا الى الاتحاد الاوروبي ويتبني شعار اوروبا الفدرالية من المانش الى الاورال وهو شعار شهير للجنرال «شارل ديغول» ويقول «بايرو» انه سيعمل اذا فاز في الانتخابات الى اشراك اليمين واليسار في الحكم في اطار حكومة وحدة وطنية مستوحيا تجربة «هنري» الرابع التي اشرنا اليها من قبل وتجربة الجنرال «ديغول» الذي اسس بعد الحرب العالمية الثانية حكومة وحدة وطنية تضم اليمين واليسار والحزب الشيوعي.
اما تطلعه الى حكومة الوحدة الوطنية فمرده الى اعتقاده ان فرنسا تعاني منذ العام 1981 انقساما حادا ناجما عن تمحور النخبة الحاكمة حول فريقين هما اصدقاء «فرانسوا ميتران» الرئيس الاشتراكي الراحل «وجاك شيراك» الرئيس اليميني الحالي ويرى ان الطرفين الحقا ضررا بالغا بالانجازات التحديثية التي تحققت في عهدي «ديغول» والرئيس الاسبق «فاليري جيسكار ديستان».
و لايكف مرشح الوسط عن اتهام اليمين واليسار التقليدي بالسعي الى جعل فرنسا متمحورة حول حزبين على الطريقة الامريكية وهو يدعو مناصريه الى احباط هذا المشروع عبر دعم استقلال تكتل الوسط بيد ان محللين يعتقدون ان نجاح «بايرو» في تكوين كتلة كبيرة ومؤثرة في الحياة السياسية الفرنسية من شأنه ان يعزز فرص اقصى اليسار واقصى اليمين في التحكم بتشكيل الحكومات الفرنسية لأن التساوي في الكتل الثلاثة سيتطلب مرجحاً من بين الاحزاب الصغيرة ومعظمها يحتل مواقع قصية في تطرفها.
 في ابريل نيسان القادم ستنبئنا صناديق الاقتراع عن مصير جمهورية «بايرو» السادسة فان حقق المفاجأة فعلا كما يقول كثيرون فان مصير الجمهورية الخامسة الحالية التي اسسها «شارل ديغول» ستصبح في مهب الريح.

في الخميس 25 يناير-كانون الثاني 2007 02:22:18 م

تجد هذا المقال في 26سبتمبر نت
https://26sep.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://26sep.net/articles.php?id=877