الانتخابات العراقية.. الأمن أولاً
محمد علي الشهاري
(1)
يتوجه العراقيون يوم الأحد القادم إلى صناديق الاقتراع في أول انتخابات يشهدها العراق بعد اسقاط النظام السابق في ابريل 2003م، وهذه الانتخابات لن تكون الوحيدة في العراق هذا العام بل هي مقدمة لإجراء الانتخابات البرلمانية في ديسمبر وقبلها التصويت على الدستور في اكتوبر القادم، وكان البيت الأبيض في وقت سابق قد أقر أن الانتخابات العراقية لن تجري على أكمل وجه لكنها ستنظم في موعدها المحدد رغم كل التحديات، ويحاول المسؤولون التقليل مما يجري في العراق وينظرون الى الانتخابات أنها هي التي ستنتج حكومة تمثل الشعب العراقي بكامل طوائفه وفئاته وكان مسؤولون عراقيون اعلنوا ان هناك اربع محافظات من اصل (18) لا تزال فيها مشاكل وهو مادفع رئيس الوزراء العراقي المؤقت إياد علاوي إلى الاعتراف ان الانتخابات قد لا تجري في المناطق التي ينشط فيها المسلحون ومنها مناطق (الموصل ـ الانبار ـ ديالي) وينتشر أكثر من (150) ألف جندي امريكي على الأراضي العراقية منذ احتلالها إضافة الى (125) ألف شرطي عراقي سيؤمنون الانتخابات العراقية.
(2)
اعتقالات، قتل عشوائي، تعذيب، اصابات، اقتحام منازل ومساجد، اعمال ارهابية، انتهاك حقوق الإنسان، هذه هي سمات الوضع الراهن في العراق وعناوين الاخبار الرئيسية في وسائل الاعلام، وبدلاً عن المستقبل الوردي الذي رسم للعراق قبل الغزو اصبح هو وقوات التحالف كالجالس على جبل من الجليد اضرمت تحته النار، الوضع إلى الاسوء على الارض العراقية، المقاومة تضرب قوات التحالف والمواطنين على حد سواء وقوات التحالف تفرغ شحنات الضعف والهزيمة على المواطنين وفي كل الاحوال رأس المواطن هو الذي تلقف ضربة الفأس، وما يحدث الآن من مقاومة لم يخلُ بعضها من اعمال ارهابية لا إنسانية جعلت الادارة الامريكية تعيد جدولة اولولوياتها على الاراضي العراقية واعترفت ـ اي الإدارة ـ انه لا يوجد اي خيار بديل عن الانتخابات امام الشعب العراقي والحكومة العراقية وقبلهما الادارة الامريكية للتخلص من جحيم المقاومة سوى اجراء الانتخابات نفسها!!
وما يحدث على الارض العراقية جعل صحيفة واشنطن بوست الامريكية تصف العراق بانه اصبح بديلاً عن افغانستان كموئل لتدريب الارهابيين المحترفين وان العراق يؤمن للارهابيين مجالات التدريب والتجنيد وامكانية تعزيز مهاراتهم التقنية وان العراق هو حالياً مغناطيس للنشاط الارهابي العالمي، ما ذهبت اليه الصحيفة جاء استناداً لتقرير مجلس الاستخبارات القومي الذي تضمن تقييماً لدور العراق الجديد كـ«ارض التناسل للارهابيين الاسلاميين» وان هناك احتمال ان يعود بعض الجهاديين الذين لم يقتلوا إلى اوطانهم بغض النظر عن مواقع هذه الاوطان وهكذا يتوزعون على عدد من الدول الاخرى وهو ما سيعيد الى الأذهان مسألة (المجاهدين الافغان) ليصبح في القريب العاجل (مجاهدو العراق) وذكر التقرير الذي حمل عنوان (استشراق المستقبل العالمي) ان عناصر تنظيم القاعدة الذين تميزوا بأنهم تدربوا في افغانستان سيندثرون تدريجياً ليحل مكانهم الخبراء الناجون من النزاع في العراق.
قبل الغزو رسم الرئيس بوش وافراد ادارته طريقاً معلوماً للوضع في العراق وأنه ـ أي العراق ـ سيكون احد النماذج الديمقراطية الناجحة على مستوى الوطن العربي إن لم يكن العالم ولكن مع غياب الأمن واشتداد المقاومة وتزايد مشاعر الخيبة من الامريكيين والغضب عليهم من الدمار الذي لحق بالعراق والعراقيين جعل الكثير من الناشطين العرب والمسلمين والارهابيين والمرتزقة من جنسيات ـ ربما غير عربية ـ يتدفقون الى العراق وفي ظل هكذا وضع ما الجديد الذي ستضيفه الانتخابات العراقية؟!
وزير الخارجية الامريكي السابق كولن باول لم يكن اكثر تفاؤلاً بالوضع في العراق فجاءت احدى تصريحاته ـ الاخيرة ـ لتعلن ان المقاومة لن تختفي بسبب هذه الانتخابات، وقال في مقابلة اجرتها معه الاذاعة الوطنية ونشرتها وزارة الخارجية : (اعتقد انه خلال العام 2005م) سيتمكن العراقيين من تحمل جزء اكبر من المسؤولية وحينها يخف العبء الملقى على قواتنا ونبدأ برؤية عدد القوات الامريكية ينخفض)، و هذه التصريحات (الأمنيات) لباول جاءت متزامنة مع اعلان البيت الابيض انتهاء البحث عن اسلحة الدمار الشامل في العراق ما دفع بعض المراقبين للتعليق ان البحث انتهى دون ضجيج كالذي بدأ به وهي التي بررت واشنطن غزوها العراق بسببها بناء على تقرير اعدته وكالة الاستخبارات المركزية زعمت فيه ان العراق يملك ترسانة من اسلحة الدمار الشامل وانه حاول شراء كمية من اليورانيوم من دولة افريقية وهو التقرير الذي استند عليه باول امام مجلس الأمن الدولي في مارس 2003م.
الوضع في الداخل العراقي يغلي والمؤشرات القادمة من الخارج تنبئ عن ضبابية في المواقف وقد تكون الانتخابات سبباً في انسحاب القوات الانجلوامريكية ولكن ليس بسبب ان الوضع اصبح اكثر امناً بل بحثاً عن الامان نفسه وقد تكون مسألة ايجاد الامن من مهام الحكومة العراقية المقبلة ولكن هذه المهام لن تكون ذات فائدة ما دامت لا تتعدى المنطقة الخضراء.
الانتخابات العراقية هي نفسها لن تسلم من المشاحنات واتهامات (النوايا السيئة) بين الاحزاب التي قررت خوض الانتخابات وفي مقدمتها حزب رئيس الحكومة المؤقتة إياد علاوي (حركة الوفاق الوطني) الذي اشتكى من لائحة (الائتلاف العراقي الموحد) والتي تضم أكبر فصيلين شيعيين (المجلس الاعلى للثورة الاسلامية بزعامة عبد العزيز الحكيم وحزب الدعوة) واتهمت الحركة الائتلاف بسعيه الى ايهام الناخبين ان المرجع الشيعي آيات الله علي السيستاني قد أمر بالتصوير للائحة مرشحي الائتلاف (228 مرشحاً) عن طريق وضع ملصقات ولوحات اعلانية تحمل صور السيستاني او من خلال توزيع منشورات تؤكد ان التصويت للائتلاف هو استجابة لتكليف المرجعية الشيعية، وهو ما دفع قادة الائتلاف الى الدفاع عن حقهم في استخدام (مباركة السيستاني) لمرشحيهم وهو الامر الذي اكده احد ممثلي السيستاني واعلن ان (قائمة الائتلاف واجهت حرباً معلنه لا لشيء الا لكونها تضم كل تيارات المجتمع العراقي واطيافه وعندما وجدت المرجعية ان بقية القوائم تستفيد من التلفزيون والصحف وبعض وسائل الاعلام الدولية للدعاية الانتخابية حينها دعا السيد السيستاني الى دعم هذه القائمة ومباركتها بهذا الوضوح) هذا الاختلاف الذي كاد يعصف بالانتخابات جعل مفوضية الانتخابات تحذر جميع الاحزاب والمرشحين الى خطورة استخدام الرموز الدينية اثناء العملية الانتخابية لمخالفة ذلك للقوانين ومخافة اشعال نار دينية وطائفية.
هذا التنازع الانتخابي الذي قد يكون اساسه طائفي تقف وراءه اسباب اخرى تغذيها مخاوف داخلية وخارجية وخاصة من دول الجوار في ان تؤدي الانتخابات في حالة فوز قائمة الائتلاف الى صعود الشيعة الى الحكم وقيام دولة عراقية شيعية على غرار الموجودة في ايران وهذا الامر تنبأت به قيادات الائتلاف ورموز الشيعة وهو ما يفسر اعلانهم انهم في حالة فوزهم فسيختارون (علماني ـ شيعي) لرئاسة الوزراء وانه لن يكون هناك اي وزير شيعي هل الحقائق الموجودة على الواقع اليوم ستتقبل ذلك.. دعونا نترقب!!
واذا كان الكل في الداخل والخارج ينتظر بفارغ الصبر ما الذي ستسفر عنه الانتخابات وكيف سيكون الوضع بعد الانتخابات وهل سيكون كما الوعود الآن بالامن والاستقرار والعراق الموحد والمزدهر ام انها ستكون امنيات كتلك التي سبقت الاحتلال.
في قياس للرأي اجراه احد مراكز استقراء الرأى الامريكية وجد ان (89%) ممن وزعت عليهم استمارات الاستقراء يطلبون الأمن لهم ولوطنهم وهناك (96%) يرغبون في انهاء الاحتلال مقابل (4%) يرون اهمية وجود قوات الاحتلال في الوضع الراهن.
وإذا كان الامن مطلباً اساسياً يسبق الكثير من متطلبات الحياة الاساسية الاخرى فما الذي ستضيفه انتخابات احيطت باجراءات أمنية ليست مشددة فقط بل لم يسبق لها مثيل في العالم اضافة إلى توقعات الكثير من المراقبين فشل هذه الانتخابات وفي احسن الاحوال تعطلها في بعض المحافظات والتي تشهد تنازعاً طائفياً مخافة قيام المقاومة بتكثيف هجماتها في هذا اليوم خاصة بعد التسجيل الصوتي الأخير للأردني أبو مصعب الزرقاوي والذي دعا فيه مناصريه وافراد جماعته الى تكثيف عملياتهم واستمرارها، دعواتنا تسبق امنياتنا في ان تشرق يوماً ما شمس الحرية على العراق وان تشعر اشعتها الدافئة جميع العراقيين بالأمن ودفء الطمأنينة.. قولوا آمين..
  Shahari219@hotmail.com

في الخميس 27 يناير-كانون الثاني 2005 07:20:28 م

تجد هذا المقال في 26سبتمبر نت
https://26sep.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://26sep.net/articles.php?id=94