( زبيد) منارة علمية

 
لكل مدينة حكاية وأصل وفصل وتاريخ يحكي أمجادها ويكشف أسرارها التي لم تبح بها، فكل ركن وزاوية وحجر في المدينة له قصة يرويها بمجرد النظر إليه، مدينة زبيد اليمنية دليل على ذلك، فقد جمعت الثقافة والتاريخ، وما إن تنظر إلى آثارها تجد حولك مئات القصص والأسرار التي تستفزك لكشفها.

( زبيد) منارة علمية

 
لكل مدينة حكاية وأصل وفصل وتاريخ يحكي أمجادها ويكشف أسرارها التي لم تبح بها، فكل ركن وزاوية وحجر في المدينة له قصة يرويها بمجرد النظر إليه، مدينة زبيد اليمنية دليل على ذلك، فقد جمعت الثقافة والتاريخ، وما إن تنظر إلى آثارها تجد حولك مئات القصص والأسرار التي تستفزك لكشفها.


عندما نبحر في التاريخ نجد أن مدينة "زبيد" أول مدينة إسلامية في اليمن، اختطها علي محمد بن زياد مؤسس الدولة الزيادية في العام 204هـ وكانت قبل ذلك التاريخ عبارة عن ثلاث قرى صغيرة هي المنامة والنقير وجبيجر.
ومنذ اختطاطها اتخذها علي محمد بن زياد عاصمة للدولة الزيادية (أول دولة إسلامية يمنية)، وقد ظلت عاصمة ومركز حكم للدويلات المتعاقبة مثل الدولة النجاحية والمهدية، ثم عاصمة شتوية ومركز علم وثقافة في عهد الدولة الأيوبية والرسولية والطاهرية في عهد المماليك، ثم أصبحت بعد ذلك مركزًا إداريًا وثقافيًا منذ قدوم الأتراك حتى اليوم.
فقد كان لزبيد مدينة العلم والعلماء السبق العلمى من بين مدن اليمن، فقد نشأت فيها أول مدرسة فى اليمن وكان ذلك فى أواخر حكم الدولة الأيوبية 569- 626 هـ 1173-1229م.
وعلى أيام الملك المعز إسماعيل ابن طغتكين بن أيوب حيث شرع ببناء أول مدرسة فى زبيد عام "594 هـ-1197م وسميت بالمدرسة المعزية ثم انتشرت المدارس بشكل سريع أيام الدولة الرسولية "626-858 هــ 1229- 1454م. حيث احتلت مدينة زبيد مركزاً ثقافياً عالى المستوى فى الربع الأخير من القرن الثامن الهجرى بعد أفول أو تضاؤل أهمية المراكز الفكرية والثقافية فى العالم الإسلامى مثل بغداد ودمشق والقاهرة وأُحصيت المؤسسات الثقافية فيها فى أواخر القرن الثامن الهجرى فبلغت مائتين وبضعاً وثلاثين موضعاً على ما صرح به الخزرجى " ت812هـ" ومن بعده ابن الديبع الشيبانى "944هـ" وهذا العدد يشير بجلاء إلى أهميتها من الناحية الفكرية فى الحقبة التى تولى فيها الملك الأشر ف إسماعيل الغسانى "803هـ" أمور الدولة الرسولية.
وكانت مصدر تخريج العلماء و الأئمة وكبار الشعراء والأدباء على امتداد الساحة اليمنية والعالم الإسلامي. وذلك من خلال العديد من مصنَّفاتهم ومؤلفاتهم وكتبهم التى مثـَّلت أساسا مرجعياً للفكر العربى والإسلامي".
نظرا للمكانة العلمية الكبيرة التى حظيت بها زبيد فقد أصبحت مهوى أفئدة العلماء من كل حدب وصوب ومحط رحالهم الأمر الذى جعلها مرتبطة بالعديد من الأسماء الهامة فى مختلف الجوانب العلمية ويعتبر معجم "تاج العروس" من جواهر القاموس للمرتضى الزبيدى إحدى النتاجات العلمية الخالدة التى أبدعتها زبيد فقد مثل هذا المعجم كما يقول الباحثون ذروة نتاج المعاجم اللغويّة.
وإذا ذكرت زبيد ذكر كذلك "القاموس المحيط" لمجد الدين الفيروز آبادى لأن زبيد احتضنت هذا العالم الجليل أكثر من عشرين سنة وعرفت له قدره فأعطته منصب القضاء الأكبر فى المملكة اليمنية ومنحته لقب "قاضى الأقضية"، ومكنته من نشر العلم، وإقامة مؤسسات علمية، وكتابة مؤلفاته الكثيرة مثل "القاموس المحيط"، و"وبصائر ذوى التمييز فى لطائف الكتاب العزيز"، و"تسيير فائحة الأناب فى تفسير فاتحة الكتاب"، و"تحبير الموشين فى التعبير بالسين والشين"، و"الإسعاد بالإصعاد إلى درجة الاجتهاد"، وغير ذلك من الآثار الخوالد. ولمكانة زبيد الكبيرة فى نفوس علمائها فقد تغنوا بها نثرا وشعرا حيث يقول بن المقري:
زبيدُ إذا ما شئت سُكنى ببلدةٍ فما ثََمَّ فى الأرضين غير زبيدِ زبيدُ هى المأوى الذى سُرَّ أهله سروراً به فاقت بقاع زبيد زبيدُ هى السلوانُ للنفس والهوى فما الهَمُّ مخلوقاً بأرضِ زبيد كما يقول الإمام الحافظ ابن الدَّيبَعِ: اسكن زبيداً تجد ما تشتهى فيها فهى التى تذهبُ الأسوا وتنفيها زبيدُ لا شك عندى أنها خلقت من جنَّة الخلد يا طوبى لثاويها فهى التى ما رأت عينٌ و لا سمعت أذنٌ بها أبداً فالله يحميها وحورها العينُ لا شيء يشابهها و لا يشابه معنى من معانيها  

تقييمات
(0)