المعتقل المحرر الدكتور خليل الجرادي لـ« 26 سبتمبر »: كنت أقول لهم خافوا من الله فيردون بسخرية: «خلي الله ينفعك»

المعتقل المحرر الدكتور خليل الجرادي لـ« 26 سبتمبر »: كنت أقول لهم خافوا من الله فيردون بسخرية: «خلي الله ينفعك»

هذا ما يحدث في سجون الإخوان في مارب
بعد عام قضت محكمة مارب الابتدائية ببراءتي والإفراج الفوري عني ولكن ظلم المرتزقة كان أقوى من حكم المحكمة

العديد من المدنيين المعتقلين المحررين وأسر وعائلات ممن لا يزالون رهن الاعتقال والخطف، يؤكدون في شهادات موثقة أن جرائم التعذيب والامتهان والتجويع التي تعرضوا لها في سجون تحالف العدوان ومرتزقته، جرائم لا تغتفر تنوعت بين التعذيب الجسدي والنفسي وكيل التهم الباطلة وألفاظ السب والشتم، بالإضافة إلى التعامل اللاانساني وعدم توفير المتطلبات الأساسية لأماكن الاعتقال وانعدام الرعاية الصحية والغذائية.
كما أن التقارير تتحدث في ذات الوقت عن ضحايا التعذيب في تلك السجون، ومنها تسجيل حالات وفاة وأخرى إعاقات دائمة، وكذا حالات نفسية وصلت إلى حد الجنون..
وهنا يدلي الدكتور خليل عايض الجرادي احد المعتقلين المدنيين المحررين من سجون مارب لصحيفة "26 سبتمبر" بحقائق صادمة عن المعاناة التي عاشها خلال مدة اعتقاله في تلك السجون المظلمة.

إلتقاه: عبدالحميد الحجازي
الدكتور خليل عايض قايد الجرادي الذي تم اعتقاله من قبل مرتزقة العدوان في مارب يوم 22/5/2018م واقتياده ليلاً من الصيدلية التي يعمل فيها إلى سجن الأمن السياسي الذي مكث فيه نحو 3 سنوات دون أي تهمة أو سبب للاعتقال.
وهنا يسرد الدكتور خليل الجرادي قصة اعتقاله قائلاً:  جاءوا إلى عندي يوم  22/5/2018م الساعة 12 منتصف الليل وأنا وابني محمد البالغ من العمر 9 سنوات في الصيدلية وكانوا 3 أشخاص مدنيين بسيارة "فيتارا" خصوصي وقالوا معهم عجوز كبيرة  في السن مصابة بالسكر والضغط وهي مريضة لا تستطيع الخروج من المنزل فذهبت معهم بغية علاج هذه المرأة، وحينها تركت ابني في الصيدلية لوحده على أمل أني سأعود إليه في الحال بعد أن أقوم بعمل اللازم للمرأة المريضة.

خوف وذعر
ويواصل الدكتور الجرادي: صعدت معهم فوق السيارة وركبت بين شخصين والثالث ركب في الأمام، وبمجرد أن تحركت السيارة من باب الصيدلية قاموا بتكتيفي وربط عيوني فأصبت بحالة من الخوف والذعر في تلك اللحظات وكنت أقول لهم: من أنتم وماذا تريدون مني؟ لا تغلطوا لست أنا الشخص الذي تبحثون عنه.. فرد احدهم: أيش أدى أمك مارب ياكلب، وانهالوا علي بالسب والكلام البذيء، كما هددوني بالقتل والتصفية.. في تلك اللحظات كنت أذكر الله وهم يقولون: اسكت يايهودي.. وكنت كذلك أفكر في ابني الذي تركته وكيف سيكون مصيره وكيف سيكون مصير زوجتي وابني الآخر البالغ من العمر 6سنوات ونصف، وكيف سيكون حالهم بسبب اختفائي ومن سيوصل لهم الخبر.. طبعاً أخذوني مباشرة إلى الأمن السياسي كما عرفت لاحقاً، وعندما أدخلوني السجن قاموا بأخذ كل ما كان معي من فلوس وغيره وانهالوا على بالضرب.

أسئلة مستفزة
 وأضاف الدكتور خليل: طلبوني للتحقيق بعد 15 يوماً تقريباً من دخولي السجن، وكانت أسئلتهم مستفزة منها: كم لديك أخوات وما أسماؤهن، ولماذا طلقت زوجتك الأولى وتزوجت بالثانية؟ وأي المحافظات اليمنية زرت؟.. فكانت من ضمن المحافظات التي زرتها صعدة وعندما نطقت باسم صعدة جن جنونهم فقاموا بتكتيف يدي إلى خلفي وطلعوني فوق كرسي وربطوني في المشنقة وسحبوا الكرسي وقاموا بضربي بالكوابل وأسياخ الحديد، وأيضاً لطمي وسبي وكأني قلت لهم أني يهودي جئت من تل أبيب.. واستمر التعذيب والضرب والتعليق لأكثر من 6ساعات واستمروا في تعذيبي أسبوعاً كاملاً، واتهموني بأني مروج لعملة مزورة واني تاجر مخدرات وحشيش وغيرها من التهم الباطلة.. وجلست قرابة سنة في سجن الأمن السياسي أتلقى مختلف صور التعذيب، بعدها أخرجوني إلى محكمة مارب الابتدائية لمحاكمتي، وجاء حكم القاضية سمية الديلمي ببراءتي والأمر بالإفراج الفوري دون شرط أو قيد، ولكن ظلمهم كان اقوى من حكم المحكمة فلم يفرجوا عني.

حرموني من التواصل
ويؤكد الجرادي أنه حرم منذ دخوله الأمن السياسي بمارب من التواصل مع أهله أو حتى إبلاغهم بأنه معتقل، وعندما يطلب منهم السماح له بإبلاغ أهله، كانوا يسخروا منه ويكيلون له ولزوجته السب والشتم، وحسب قوله: "تكلموا بكلام لا يرضي الله ولا رسوله ولا يستطيع أي إنسان محترم أن يتفوه به"..

مصحة نفسية
ويصف الدكتور الجرادي حال المعتقلين الذين كانوا قد سبقوه إلى المعتقل بالقول: عندما دخلت السجن وجدت نفسي بين زملاء كانوا قد سبقوني للمعتقل وكانت أشكالهم تفجع شعرهم طويل ولحاهم طويلة وملابسهم مقطعة، وبعضهم بدون ملابس، فظننت في تلك اللحظة أني في سجن مصحة أمراض نفسية.. وبعدها تعرفت على زملائي الذين عندي في نفس الزنزانة وسألتهم عن اسم المكان الذي نحن فيه، فاخبروني أني في سجن الأمن السياسي.. عشت في تلك الزنزانة خمسة أشهر أوقات صعبة جداً، في هم وخوف وقلق على أسرتي وكيف حالهم وما هو المصير الذي صاروا إليه؟
طرق تعذيب جديدة
ويستمر الدكتور خليل في سرد معاناته فيقول: بعد أن أعادوني إلى سجن الأمن السياسي، ورغم حكم البراءة الذي حصلت عليه، بدأ المرتزقة يبحثون لي عن تهم جديدة وهي التخابر مع أنصار الله.. وحينها سألوني سؤالاً عجيباً هو عن طريق من دخلت مارب؟ فقلت لهم: أنا في اليمن ولست في دول الخليج كي احتاج إلى ضمين أو كفيل حتى ادخل مارب.. بعدها تحول التعذيب إلى طريقة جديدة وهو ما يسمى بالشواية، والوقوف حافي القدمين على قواطي الفول المفتوحة لساعات حتى تقطعت أقدامي، بالإضافة إلى الضرب والسب والشتم، واستمر ذلك التعذيب  ه أيام ثم تركوني وملفي مفتوح لأعيش أصعب تعذيب وهو التعذيب النفسي بانتظار متى يستدعوني لاستكمال التحقيق؟.

أصعب أشكال التعذيب
يقول الجرادي: استدعوني في شهر 6 من العام 2020م وقد اعدوا لي تهمة جديدة وهي قائد خلية نائمة في مارب، وكان ذلك بعد نحو سنتين ونصف من اعتقالي، وهذه كانت أسوأ تهمة وأصعب تعذيب واجهته، فإلى جانب قيامهم بجميع أنواع التعذيب السابق، كانوا يعلقونني من وقت صلاة العشاء حتى الساعة 2 أو 3 قبل الفجر مع الضرب القوي بالكوابل وأسياخ الحديد، وفي هذا التعذيب استخدموا الكهرباء وأطفأوا السجائر في جسمي، وضربوني في العضو الذكري،  قلعوا أظافر أرجلي بالضرب فوقها حتى تقلعت اغلب أظافر أرجلي، واستمر هذا التعذيب مدة 13 يوماً حتى شاهدت الموت واعترفت لهم  بالذي يشتوه هددوني بأنهم سوف يرسلوا "خادم" لهتك عرضي.. عندها اعترفت وجلست طريح الفراش لا استطيع الوقوف أو تحريك يدي لمدة 3 أشهر حتى تبولت وتبرزت وطرشت دم ثم تركوني في تعذيب نفسي منتظر استدعائي لإقفال الملف حتى تقريباً 20/9/2020 قبل خروجي بشهر، وابلغوني بأن اسمي قبل في كشف التبادل فلم أصدق لأني اعرف كذبهم.. ومع ذلك توعدوا بعدم إخراجي وأكدوا أن أمر تحويلي إلى شرورة بالسعودية جاهز.. بعدها خرجت في دفعة التبادل الجماعي للأسرى في 15/10/2020 ولم أصدق أني خرجت حتى وصلت مطار صنعاء.

أصعب المواقف
وعن أصعب المواقف التي عاشها الدكتور خليل الجرادي في أثناء الاعتقال، فيقول: والله أن كل الأيام كانت صعبة أكثر مما تتصورون، أما الموقف الأكثر صعوبة فهو عندما علقوني وعذبوني آخر مرة كنت أصيح وأقول لهم خافوا من الله فكانت إجابته والتي لا يتوقعها أو يتصورها أي مسلم وهي: "خلي الله ينفعك".. أما عن الحياة التي عشناها خصوصاً التغذية، فكانوا يعطونا 3 حبات صغيرة من "الكدم" طوال اليوم وتكون إما معطبة او يابسة، والصبوح مرق الفول تفوح منه رائحة الجيفة بمقدار قلصين سفري لعدد 8 معتقلين، والغداء قليل من الرز الملسوس الذي لا يأكل لشمه وطعمه مع شوية مرق طبيخ، والعشاء نفس الصبوح..
كنا 8 معتقلين في زنزانة بمساحة 190 سم ×220  كان وقتنا كله عذاب، لم يكن لدينا إلا بطانية واحدة من النوع الصغير والخفيف وسخة وحالتها حالة بدون أي فراش، ولا يوجد لدينا أي ملابس سوى الزي الذي صرف لنا من قبلهم وهو عبارة عن بنطلون وشميز نصف ذو قماش رديء لا يقي من برد ولا حمى.. وبالنسبة للماء فقد كان في أيام توفره لا يزيد عن 3 لترات لكل معتقل للشرب والاغتسال والضوء، وفي الأغلب يقطعوا عنا الماء ليومين او ثلاثة أيام.
وبالنسبة للرعاية الصحية فكانت شبه معدومة فلا يوجد لديهم أدوية، وإذا مرض أي معتقل لا يصرفوا له إلا حبة برمول أو حبة من حق الإسهال بعد عناء ومطالبات كثيرة، وكنت أنا دكتور السجن لكن دون علاج وإذا أرسلنا على علاج عن طريق بعض الزملاء الذين كانت تدخلهم زيارة فيكون غالي الثمن ويتأخر كثير، فكانت قيمة الإبرة "الديكلوفين" تصل  إلى 1000 بالإضافة إلى 1000 حق الإرسال للعسكري،  و"المغذية مع 2 امبولات فيتمين بي كمبلكس وس وابرة مهدئة وشريط مضاد حيوي من النوع الرديء" قيمتها تصل 10 آلاف ريال.. أما الاتصالات التي كانت تمنح المعتقلين للتواصل مع أهلهم فنادرة وفي رمضان ولا يتصل كل المعتقلين، ويتم الاتصال بعمل رنه إلى الأهل من تلفون خاص بهم وهم يتصلوا وإذا كان الرقم مشغول او مغلق فضاعت فرصة السجين في الاتصال.. مرات الاتصال قليلة ووقتها قصير، مثلاً أنا اتصلت فقط مرتين طوال فترة اعتقالي، المكالمة الأولى بعد 5 أشهر من الاعتقال لأبلغ أهلي أني مسجون في الأمن السياسي، والثانية عندما أصيب ابني محمد الذي كان عندي في الصيدلية يوم اعتقالي بمرض الصرع.

التعذيب النفسي
ويستطرد الدكتور الجرادي قائلاً:  أما التعذيب النفسي فحدث ولا حرج، فكل ليلة كنا نسمع صياح احد المعتقلين يعذب نسمع توسله لهم أن يكفوا عنه العذاب فنجلس مذعورين خائفين ندعو الله أن يخفف عنه وأن يخارجه ويخارجنا وينتقم منهم.. كنا نستخدم المزاز في استخدام الماء في الحمام سواء للوضوء أو الاستحمام والمزاز عبارة عن علبة صحة نقوم بخرق غطائها3-4 فتحات صغيرة للاقتصاد في الماء، أما عدد الحمامات فكانت 2 حمامات خاربة تتسدد كل لحظة بسبب عدم توفر الماء وتحتاج إلى صيانة أو تغير، كما كان لا يسمح لنا بالصلاة مسربلين وتعتبر السربلة جريمة  في الصلاة، وكذلك قراءة سورة ياسين كانت أيضاً جريمة وبدعة يعاقب كل من قرأها بشكل جماعي.

كل يحمل مظلمة
ويروي لنا الدكتور خليل الجرادي حال المعتقلين أو من اسماهم زملاء المعتقل، فيقول: كل واحد ممن عرفتهم في المعتقل يحمل مظلمة، فنحن جميعاً مسجونون ظلماً وعدواناً، فهناك من اعتقل وهو عابر سبيل أو مسافر للعلاج أو الدراسة أو الحج أو العمرة، أو من اخذوا من محلاتهم مثلي غيري.. فتسببوا في معاناتنا وتعذيبنا وخسارتنا المادية، فمثلاً أنا خسرت صيدلية ومختبر وعيادة ومعرض ملابس وتحملت الكثير من الديون.
كما أن هناك معتقلين بسبب ألقابهم اقصد أنهم ينتموا لآل البيت، كما أن الكثير من المساجين أصيبوا بحالات نفسية وحالات جنون بسبب ما تعرضوا له من تعذيب وإهانة كالمعتقل طارق سلبة، ومنهم من ادخلوه وهو مريض نفسي مجنون مثل المعتقل علي محمد هادي شمسان، ومحمد حمادي، ويحي حميد عاطف البعلولي والكثير.. معاناة لن تنتهي إلا بمحاسبة المرتزقة القائمين  على سجون مارب، وكذالك بفتح مارب وتحريرها.

بعض المعتقلين
خلاصة الكلام أقول لكم: أننا كنا عند أناس مسوخ منزوع منهم الإنسانية والقبيلة والمروءة، اقسم لكم بالله ما عندهم أي ذرة من الإسلام لا يردعهم أي شي في أفعالهم فقد اخذوا أبرياء مسافرين من جنب عوائلهم وضربوهم وأهانوهم وسبوا نساءهم وحاولوا ضربهن أمامهم كما حصل للشيخ علي الصوفي الذي كان راجع من العمرة بمعية زوجته وابنته المتزوجة مع أطفالها، وكذلك ما حصل للأخ هلال جيش العائد من العمرة مع زوجته المصابة بالسرطان لمدة أكثر من8 سنوات والتي  كان يعالجها في الأردن وكان معهم ابنه الرضيع الحارث وكذلك خالته الكبيرة في السن.. وما حصل أيضاً للسيد عبدالغني جحاف الذي كان عائد من العمرة مع أكثر من 7 أو 8 نساء من محارمهم راجعين من بيت الله من العمرة.. ومهما تحدثت ومهما وصفت لكم عن المعاناة والظلم الذي يعيشه كل معتقل أو أسير في سجون المرتزقة في مارب فلن استطيع أن أوضح حقيقة ما يحدث والوضع الصعب والمر الذي  لا يستطيع لأحد تصوره أو توقعه إلا من عاش فيه.

رسالة مهمة
ويوجه المعتقل المحرر الدكتور خليل الجرادي رسالته إلى الشعب اليمني الحر الأبي بان يقفوا وقفة رجل واحد لتحرير مارب بما تحويه من ممتلكات وثروات نفطية من ايدي العدوان ومرتزقته وتحرير باقي الأسرى والمعتقلين من ظلم تلك السجون.
كما يناشد جميع المنظمات المحلية والدولية للتحقيق في جرائم التعذيب التي يتعرض لها المعتقلون في سجون مارب وغيرها من سجون العدوان والمرتزقة،  وألا يقفوا متفرجين مكتوفي الأيدي إزاء  ما يحدث هناك من انتهاكات لحقوق الإنسان.
ويوجه الدكتور خليل الحرادي الشكر الجزيل من بعد الله لقيادة أنصار الله المتمثلة بالسيد العلم عبدالملك الحوثي، على توجهاته إلى المعنيين بملف الأسرى والمعتقلين، والجهود الكبيرة التي تبذلها اللجنة المعنية بالإفراج عن بقية المعتقلين، مثمناً دور وزارة حقوق الإنسان ممثلة بالقائم بأعمال الوزير  الأستاذ علي حسين الديلمي واهتمامه بتشكيل لجنة لمتابعة ملف المعتقلين.. مطالبا كل معتقل أو أسير أن يكتب معاناته داخل سجون المرتزقة ونشرها حتى يتضح للعالم حقيقة هؤلاء المرتزقة وحقيقة ما يمارس داخل سجونهم ومعتقلاتهم من صور التعذيب المؤلمة، ليتم متابعة وملاحقة كل من ارتكب تلك الممارسات والجرائم بحق الأبرياء خصوصاً من المدنيين، والسعي بالإفراج عمن مازال في سجونهم وإسعاد أهله بتحريره كما سعدت أسر من تم تحريرهم إلى الآن.