بوح اليراع: التغلب على (الاستعباد) بتفعيل (الجهاد) البرازيل أنموذجًا

بوح اليراع: التغلب على (الاستعباد) بتفعيل (الجهاد) البرازيل أنموذجًا

لقد فطر الله -تعالى- كافة أبناء البشرية المنحدرين من نفس واحدة على حب الحرية التي تهيئ فرص الانطلاق نحو الإبداع الخلاق وعلى النفور من واقع العبودية المحكومة بالكبت الباعث على الاختناق.

وقد تأكدت إرادة الله -عز وجل- في مختلف الملل والنحل، ولم يختفِ التوكيد الرباني على هذه القيمة الإنسانية العظيمة إلى مستوى مخيف إلا بعفل ما طال بعض الكتب السماوية من تحريف، بدليل أن الديانة الإسلامية التي حفظتها العناية الإلهية -لتفردها بـ"الخاتمية"- توليها بالغ الأهمية، ففي الوقت الذي ضيَّقت أبواب الاسترقاق إلى ما يُشبه الإغلاق رتَّبت على إعتاق الرقاب أعظم الأجر وأجزل الثواب.
بل إن أهم أهداف الفتوحات الإسلامية قد حُصر في تخليص مستضعفي البرية من نير عبودية أصحاب النفوذ والإمكانات المادية التي كانت أقبح سمات العصور الجاهلية الظلامية، وليس أدلّ على ذلك من قول الصحابي الجليل "ربعي بن عامر" -في رده على سؤال ساخر لـ"رُستم" القائد الفارسي الكافر-: (لقد ابتعثنا الله لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سَعة الدنيا والآخرة).

تلازم الكشوف الجغرافية والعبودية الصليبية
بالرغم ممَّا يدعيه الغرب الصليبي من التحضُّر الذي يُفترض أن يحمله على ترسيخ قيم التحرر، فإن الكشوف الجغرافية التي حصلت بداية ما سمي "عصر النهضة" وسيلان لعاب أصحاب المزاعم التحضُّرية المزيفة لاستنزاف خيرات القارات المكتشفة بوحشية مجحفة قد حملهم على تهجير الملايين من أبناء القارة السمراء التي كانت تخضغ للاحتلال الصليبي الأوروبي قسريًّا إلى الأمريكيتين وتسخيرهم -دون التحلي بالحد الأدنى من الأخلاق- للعمل الشاق في استصلاح الأراضي والإنتاج الزراعي فارضين عليهم أسوأ وضع مجاعي وممارسين -في حقهم- أفظع صور الاستعباد، فارتبطت حياة الأفارقة الذين فُرض عليهم واقع الاستعباد بحياة الأوروبيين "الأسياد" المنطوية أجوافهم على قلوبٍ غِلاظٍ شداد -على مدى قرون- ارتباط الفريسة بالجلاد، ولم يكن يُوقظ في نفوس أولئك المستعبدين الشعور بالآدمية سوى ردود الأفعال الإقدامية والتشجيعات الكلامية التي كانت تصدر عن المنتمين منهم إلى الديانة الإسلامية.

وقوع أفارقة "مالي" ضمن الاستعباد البرتغالي
إذا كانت التوافقات الاحتلالية قد جعلت من "البرازيل" مستعمرة "برتغالية"، فقد تسبب اتخاذ دول "أوروبا" من قارة "أفريقيا" مناطق نفوذ احتلالي بجعل غالبية المهجرين قسريًّا إلى البر البرازيلي من دولة "مالي" التي يدين معظم سكانها بالإسلام، فكانوا -بالإضافة إلى جعلهم حملات التبشير قليلة التأثير- أكثر المهجرين استعصاءً على الاستسلام، بل لقد اضطلعوا في أوساط المستعبدين -نتيجة تمسكهم بإسلامهم بشكل قوي- بدورٍ دعوي سوي، وكانوا -بتضحياتهم- طلائع التمرُّد الذي ظل -قرابة أربعة قرون- في اتقادٍ متجدد.

التديُّن معززٌ للتوحُّد وباعثٌ على التمرد
لئن كان شعور المستعبدين الوثنيين بالضياع قد جعلهم عرضة للانصياع واعتناق المذهب الكاثوليكي بسبب ما كانوا يعانون من خواءٍ روحي، فإن المهجرين من معتنقي الديانة الإسلامية كانوا أكثر توقًا إلى الحرية وأشد مقاومة لمحاولة التدجين لواقع العبودية، (فمنذ العقود الأولى من إحضار الأفارقة كعبيد إلى المُستعمرات الأوروبية في أمريكا اللاتينية بدأت مجموعات من المسلمين بالهروب إلى الغابات والأدغال، وكوّنوا مُستعمرات خاصة بهم أعادوا فيها إحياء تُراثهم المعيشي وتقاليدهم الحياتية والدينية، وكانت أوّل مُستعمرات الغابات التي تم اكتشافها عام 1679 من قبل البُرتغاليين مُستعمرة "باهيا" التي ضمّت مئات الأفارقة ذوي أصول "ماليّة" المتمردين على السلطات الاحتلالية.
ويبدو أنّ التفاف العبيد الأفارقة حول الدين الإسلامي، في مُقابل مسيحية المُستعمر الأبيض، كانت من آليات تعزيز روح التمرّد بينهم، خاصة وأنّ مسميات الحملات العسكرية التي سيَّرها البرتغاليون ضد ما كانوا يُسمّونها "أحراش الزنوج" -في إشارة إلى المستعمرات التي أنشأها الأفارقة المسلمون في غابات أمريكا-، كانت تعكس النفس الطائفي بشكل غريب، كحملة "الصليب" التي استهدفت مجموعةً من تلك المُستعمرات كانت تحت قيادة القائد والمربي "جانجا زمبي").

ثورة "باهيا" الجهادية آخر مسمار في نعش العبودية
إذا كان دور الرقيق المسلمين التحرري وتضحياتهم التي استمرت مئات السنين قد مثلا رادعًا نسبيًّا وحدَّا من كثرة تهجير المستعبدين إلى الأمريكيتين، فإن الثورة التي أشعلوها في مقاطعة "باهيا" البرازيلية فجر يوم 25 يناير 1838 التي خُطط لها أن توافق فجر 27 رمضان لكتسب زخمًا روحيًا دينيًا لا متناهيٌا، والتي علق معظم ثوارها على صدورهم يافطات حوت الآيات القرآنية الحاضَّة على الجهاد قد كانت آخر مسمار في نعش الاستعباد، إذ لم يمضِ على زمن اشتعالها سوى عقود قليلة حفلت بواقعٍ أمنيٍّ مضطربِ حتى أقرَّ البرلمانُ البرازيلي -عام 1888- ما سمي "القانون الذهبي" الذي قضى بطي صفحة الاستعباد في عموم البلاد.