كتابات | آراء

لبنان .. إرادة المقاومة ورفض التدخل

لبنان .. إرادة المقاومة ورفض التدخل

عندما وجه أحد الصحفيين سؤالا إلى الرئيس الأمريكي رونالد ريجان عن جدوى استمرار وحدة من مشاة البحرية الأمريكية التي تضم 1200 جندي في بيروت جاء رد ريجان

: (لأنني اعتقد ان ذلك يتسم بأهمية حيوية لأمن الولايات المتحدة والعالم الغربي) فهل كان أمن امريكا او العالم الغربي سوف يتعرض للخطر بسبب صراعات داخلية على الحكم في لبنان ؟! أم أن أمن الكيان الصهيوني هو الذي كان يحتاج إلى حكومة بعينها تتولى شؤون لبنان وتتعاون معه وتعترف به حتي يأمن من تهديد الجبهة الشمالية.
مع اشتعال الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975م عادت الولايات المتحدة الأمريكية بعد ربع قرن للتدخل مرة ثانية في الشؤون الداخلية للبنان وذلك في أواخر عام 1982م وكان للكيان الصهيوني هذه المرة دور كبير في التدخل على عكس عام 1958م حيث لم يكن له سوى تأثير محدود على صناعة القرار في واشنطن بالتدخل الأمريكي الأول في لبنان.
ففي ابريل 1982م كانت مصر قد تسلمت سيناء بالكامل واتخذ الكيان الصهيوني قرارا بالهجوم على لبنان وكان له دوافع نفسية منها إزالة الرواسب المريرة الناجمة عن الهزيمة في حرب اكتوبر 1973م والتي جدد من آلامها مع الانسحاب الكامل من الأراضي المصرية في ربيع 1982م  وايضا كان للكيان دافع آخر وهو تصفية منظمة التحرير الفلسطينية التي كانت تتخذ من لبنان مقرا لها اما اهم اهداف الكيان من اجتياح لبنان فكان الضغط على لبنان لإبرام اتفاقية سلام معه بقوة السلاح وإقامة حكومة تسيطر عليها الأقلية المارونية المتعصبة وتطيع الكيان الصهيوني .
جاء الضوء الأخضر من امريكا عن طريق الجنرال الكسندر هيج وزير خارجية أمريكا للكيان الصهيوني للبدء في عملية غزو لبنان خاصة بعد أن قام شارون وزير الدفاع الصهيوني بإخطار هيج بنفاذ صبرهم تجاه الأوضاع في لبنان وأنهم سوف يتدخلوا بقوة لتصفية منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان.
وفي 6 يونيو 1982م بدأ الاجتياح الصهيوني لجنوب لبنان وبدأت الأعمال العسكرية بتوجيه ضربات جوية ضد معسكرات منظمة التحرير الفلسطينية في جنوب لبنان ثم اتسع القصف ليشمل العاصمة بيروت وبحرب خاطفة عجلت بتوجيه هجوم بري ضار بقوات كبيرة صوب جنوب لبنان وكان التبرير الرسمي الذي أعلنه الكيان بشأن الحرب التي شنها هو عزمه على القضاء على منظمة التحرير الفلسطينية المتمركزة في الجنوب اللبناني والذين يشكلون خطرا داهما على حدوده الشمالية بل وعلى مصاح الكيان في كل مكان في العالم.
وخلال أيام كان الجيش الصهيوني على مشارف بيروت مدعوما بتأييد امريكي كامل على المستوى الرسمي والإعلامي وفي الوقت ذاته وللخداع اعلنت أمريكا تقديم ضمانات لحماية المدنيين العزل في بيروت بواسطة قوات الطوارئ الدولية ولكن ما أن انسحب مقاتلو منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان متوجهين إلى تونس حتى انسحبت القوات الدولية الأمريكية ثم الفرنسية والايطالية وانفتح الباب على مصرعيه واقتحم الجيش الصهيوني بيروت وقام بمجازر وحشية ضد المدنيين العزل واشهر تلك المذابح في 18 سبتمبر 1982م وهي مذبحة صابرا وشاتيلا ضد المخيمات الفلسطينية حيث استشهد في هذه المذبحة عشرات من الأطفال والنساء والشيوخ المسنين وبعد احتلال بيروت قامت امريكا والكيان بتشكيل حكومة لبنانية جديدة مواليه لهم.

 التدخل الثاني
كان من الواضح في السنوات الأولى من حقبة الثمانينات من القرن الماضي أن دعم الولايات المتحدة المستمر للكيان الصهيوني قد شكل صعوبة بالغة في إقناع الكثيرين بأن القوات الأمريكية موجودة في لبنان للعب دور الوسيط الذي يتدخل للحفاظ على الأمن وعلى الرعايا الأمريكان.
ومع اغتيال الرئيس اللبناني بشير الجميل انتخب شقيقة أمين الجميل رئيسا للبلاد وتحولت لبنان إلى ساحة من الفوضى والصراع وهنا عادت القوات البحرية الأمريكية إلى التدخل من جديد بدعوى مساندة الرئيس اللبناني الجديد حيث حشدت الولايات المتحدة طائراتها وسفنها امام السواحل اللبنانية وشرعت في قصف وسط لبنان ومع مطلع عام 1983م حاول الرئيس اللبناني امين الجميل ان يبتعد نسبيا عن امريكا والكيان وان يسترجع علاقات لبنان بالدول العربية وفي نفس الوقت حرصه ان يظل تحت مظلة الحماية الأمريكية ولفرض تواجدها وضعت امريكا وديع حداد في منصب مستشار الأمن القومي للبنان وكان حداد يعمل من قبل في البنك الدولي وكان يعرف باسم الأمريكي بسبب صلاته الوثيقة بالولايات المتحدة الأمريكية .

 البركان اللبناني
كانت لبنان بالنسبة للأمريكان منذ أن وطأة اقدامهم للمرة الثانية فيه أشبه ببركان ثائر يقذف حممه عليهم ففي 18 ابريل 1983م اندفعت شاحنة صوب مبني السفارة الأمريكية في بيروت وانفجرت الشاحنة ليتهدم المبني بالكامل المكون من سبعة طوابق واسفر الانفجار عن مصرع 63 شخصا من بينهم 17 امريكيا وعلى راسهم رئيس محطة المخابرات الأمريكية في بيروت ونائبه وستة ضباط مخابرات بالإضافة إلى روبرت أميس المستشار غير الرسمي لوزير الخارجية الأمريكي جورج شولتز في منطقة الشرق الأوسط وهو في الوقت ذاته كبير محللي منطقة الشرق الأوسط في المخابرات الأمريكية وكانت أصابع الاتهام تشير إلى سوريا وإيران .
وفي صباح 23 أكتوبر1983م حدث تفجير في مقر مشاة البحرية الأمريكية بواسطة شاحنة ملغومة وتسبب الانفجار عن مقتل 241 جندي امريكي وكانت هذه أكبر كارثة عسكرية تحل بأمريكا منذ حرب فيتنام وعلى ضوء ذلك انعقدت الاجتماعات في البيت الأبيض ووافق ريجان على توجيه ضربة جوية انتقامية في سهل البقاع واوكلت المهمة للجيش الكيان الصهيوني حيث قام بقصف عدد من المنشآت بما فيها أحد المستشفيات.
وفي 16 مارس 1984م تم اختطاف ويليام باكلي الرئيس الجديد لمحطة المخابرات المركزية في بيروت والمسؤول الأول عن نشاط المخابرات في الشرق الأوسط باكمله وكان ذلك الاختطاف مدعاة للعار والفضيحة السياسية فليس من الألوف أن يختطف رئيس المخابرات المسؤول أصلا عن عمليات قتل واختطاف الأعداء !. ثم توالت العمليات العسكرية ضد القوات الأمريكية في لبنان منها عملية 20 سبتمبر 1984م بتفجير مبنى ملحق السفارة الأمريكية في بيروت الشرقية حيث لقي 24 شخصا مصرعهم من بينهم جنديان امريكيان وأصيب تسعون آخرون من بينهم السفير الامريكي آنذاك.

عملية اغتيال
وأمام تلك العمليات قامت المخابرات الأمريكية وصممت على الانتقام بعملية انتقامية بالرد باغتيال الشيخ محمد حسين فضل الله وكان ويليام كيزي مدير المخابرات قد حدد جائزة مقدارها ثلاثة ملايين دولار ثمنا لمقتل الشيخ فضل الله .  وفي 8 مارس 1985م أشرفت المخابرات الأمريكية على تنفيذ عملية اغتيال الشيخ فضل الله فتم وضع قنبلة خارج مسجد كان يؤدي فيه الشيخ الصلاة ولكن العملية فشلت بقتله مما تسبب باستشهاد ثمانين شخصا وجرح مائتين آخرون ورغم ذلك كان التدخل الثاني الأمريكي في لبنان اشبه بمستنقع وقعت فيه وعاد لذاكرتها مآسيها بحرب فيتنام.

مؤشرات التدخل الثالث
أعلنت وزارة الخارجية الأميركية أن اجتماعات قائد الجيش جوزيف عون في الوزارة شملت وكيلة الوزارة لشؤون الحد من التسلح والأمن الدولي بوني دنيز جنكينز وأن الاجتماعات مع عون ركّزت على شراكتنا طويلة الأمد مع الجيش اللبناني وأن القوات المسلحة اللبنانية تستمر في لعب دور حاسم في الدفاع عن سيادة لبنان وتأمين حدوده والحفاظ على الاستقرار فماذا يقصد بأن شراكة أمريكا طويلة الأمد مع الجيش اللبناني هل الشراكة تشير نحو الماضي بالتدخل الأول والثاني أم تشير نحو المستقبل بتدخل ثالث؟.
فخلال الصراع العربي - الصهيوني منذ اعتراف أمريكا بالكيان الصهيوني بعد اعلان دولته عام 1948م بإحدى عشر دقيقة ليدل أن أمن الكيان هو من اولويات أمريكا واثبتت بذلك مجمل حروب الكيان الصهيوني مع العرب بدا بعدوان 1967 م والجسر الجوي اللوجستي خلال حرب اكتوبر 1973م فأمريكا سياسيا وعسكريا وامنيا  واقتصاديا واعلاميا تقف بخندق الكيان كلما تعرض للخطر فتدخلها الأول في لبنان بذريعة طلب الرئيس اللبناني والحقيقة كان ضد الخطر الشيوعي -  الناصري . والتدخل الثاني بذريعة حماية الرئيس الجديد للبنان لكن الهدف كان تهديد منظمة التحرير الفلسطينية لشمال حدود الكيان فهل نشهد تدخل أمريكي ثالثا في لبنان وتحت أي مبرر وذريعة كون الوقائع والاحداث والوضع الداخلي للبنان حاليا تتشابه مع اوضاع الثمانينيات خلال التدخل الثاني بل ان الخطر أكبر هذه المرة على الكيان الصهيوني من حدوده الشمالية ؟!.

أخبار الجبهات

وسيبقى نبض قلبي يمنيا
لن ترى الدنيا على أرضي وصيا